رؤى

ألبير قصيري.. في مديح الكسل والغياب

منذ أيام احتفي المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة بمرور عشرة أعوام على رحيل الروائي  المصري “ألبير قصيري”.

جاء احتفاء المركز بالمناسبة لأن قصيري يعد أحد أبرز الكتاب الفرانكفونين العرب، فقد  قضي جل حياته بباريس، والحقيقة أننا كنا أولى به من المركز الثقافي الفرنسي، لكن هذا لم يحدث.

المسافة ما بين ميلاد “قصيري” ورحيلة لم تتجاوز سبع روايات ومجموعة قصصية وديوان شعري، وتلك الرحلة الإبداعية تسجل مفارقة من مفارقات قصيري، فالكاتب الراحل عاش طويلًا حتى تجاوز التسعين، ولكن إنتاجه كان قليلًا بصورة لافتة، حتى كان يقال إنه يكتب جملة واحدة كل أسبوعين.

  هل هذا جدير بكاتب يفكر بالعربية ويكتب بالفرنسية؟ بالطبع نعم إذ تفهمنا منطق الرجل الذي يقدس الكسل ويجعل منه مدخلًا للحياة، فالكسل كان فلسفتة التي سربها عبر روايته الشهيرة “كسالى الوادي الخصيب”.

ورغم شهرة “قصيري” العالمية وحصوله على العديد من الجوائز الوازنة في المشهد الإبداعي الفرنسي فإن كثيرين من الأجيال الجديدة من المبدعين المصريين لاتعرف منجزه الإبداعي، ورغم كل تلك الشهرة والذيوع لم يسعى يومًا إلى طلب الجنسية الفرنسية، وعندما سأله  الروائي العراقي “شاكري نوري”: هل تعتبر نفسك كاتبا فرنسيا أم مصريا؟.

ابتسم ورد : إنني وقبل كل شئ أعتبر نفسي كاتبًا مصريًا، أكتب باللغة الفرنسية وأنت تعرف معظم الكتاب الهنود أمثال طاغور كانوا يكتبون بالانكليزية، ورغم ذلك يعتبر طاغور كاتبًا هنديًا.

في الثالث من نوفمبر عام 1913 شهد حى الفجالة بالقاهرة مولد ألبير لأبويين ترجع أصولهما إلى سوريا،عمل في البحرية التجارية ما بين عامى 1939 و1943، زار فرنسا لأول مرة عندما كان في الثامنةاعشرة من عمره قبل أن يقرر الإقامة فيها بداية من  عام 1945م وكان حينها في الثانية والثلاثين.

رحل وهو يعاني  الصمت الذي أصابة آثرأصابته بسرطان الحنجرة، والذي كلفة عملية جراحية أفقدته حباله  الصوتية، كانت الإشارة والكتابة كفيلة بالرد على أسئلة من يشاركه طاولته بمقهى “كافي دوفلور”.

يشيرالمترجم إيهاب صبحي في مقدمة ترجمته لرواية “طموح في الصحراء”لألبير قصيري عندما سئل:لماذا تكتب؟ أجاب “حتى لا يستطيع أن يعمل في الغد من يقرؤنى اليوم “،هذه الحالة في مديح الكسل كانت جزءًا من التكوين الشخصي لألبير قصيري ، انتقلت عدوى تلك الحالة إلى أبطال رواياته والتي يدور أغلبها في مصر.

 حالة الكسل بالضرورة لازمتها حالة السخرية من كل شئ.

يلفت “صبحي” إلى أن ألبير لم يكن بالشخص الذي يكتب كل يوم، وعلى حسب قولة” الأغبياء هم من يكتبون كل يوم”

أشار الكاتب والشاعرالعراقي “شاكرنوري” إلى أن ألبير قصيري يكره الحوارات بل ويرفضها رفضًا قاطعًا حتى القنوات التليفزيونية الفرنسية والعالمية كانت نادرًا ما تتمكن من اجراء حديث معه.

 “لفت قصيري إلى أن المصادفة وحدها التى جاءت به إلى فرنسا ..منذ عمر 18 عاما عشت في فرنسا في حي المونبرناس..ولكن باريس الآن فقدت بريقها، ولا قيمة لها كما كان الماضي.لايوجد كتاب بل مؤلفو روايات”.

ـ جاءت ورايات  قصيري  لتتحدث عن الحارة المصرية والأحياء القديمة وأناسها، وعندما أتجه إلى الكتابة عبر عن مفهوم المكان في الحارة المصرية وعن الإنسان الذي يعيش فيها ويستمد كينونتة منها.

فلسفة الكسل

من جهتها أشارت الكاتبة والروائية “سهير المصادفة” إلي أن ألبير قصيري كاتب مصريٌ كبير، رغم أن إنتاجه الأدبي لم يتعد السبع  روايات ومجموعة قصصية واحدة، وقليل جدًّا من الحوارات، التي عبَّرت عن وجهات نظره الفلسفية والأدبية، وكما جاء في معظم تصريحاته النادرة أو في أعماله الرائعة فلقد مجد فلسفة الكسل بسخريته الإنسانية، مؤكدًا أن الكسل هو الأب الشرعي للتأمل والفلسفة، وعندما سئل: لماذا تكتب؟ أجاب: حتى لا يعمل غدًا مَن يقرؤني اليوم.

عندما قررت شراء حقوق الملكية الفكرية لعملين من أعماله: “طموح في الصحراء”، و”مؤامرة مهرجين”، لسلسلة الجوائز بالهيئة المصرية العامة للكتاب، وتمت ترجمة العملين وإصدارهما، كنت أعرف أهمية أن تكون بقية أعماله مترجمة ترجمة جيدة ومتاحة في المكتبة العربية، وما زلت أتمنى ذلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: