رؤى

هل عودة العرب لحضارتهم .. باتت مستحيلة ؟ (1-2)

يبدو العرب الآن كأنهم فقدوا أي إمكانية لاستئناف حضارتهم  من جديد في ظل أوضاع تبدو قاصمة في تاريخهم، فالتعصب العربي الضيق للقبيلة والعرق وللمذهب يبدو عاملًا ممزقًا لوحدتهم، والتبعية  لقوى الخارج الأجنبي والمسارعة لإرضائها حرصًا على المصالح الضيقة،  كل هذه العوامل  أظهرت العرب ، كأنهم  يستعيدون من جديد تاريخ ملوك الطوائف قبل النهاية الحزينة لحضارة العرب في الأندلس التي استمرت ثمانية قرون كاملة.

يتواكب ذلك مع تبديد الثروات التي منحها الله لهم دون نظر إلي الأجيال القادمة ودون تطوير لعلوم ومعارف تنتمي للثورات المعرفية  الجديدة التي لا تنضب، والأهم تطوير نظم الإدارة والحكم لتكون مستلهمة لمعايير العصر القائمة على المحاسبة والشفافية والرقابة واعتبار الشعب مصدر السلطات والرقيب عليها، وفي هذا السياق نقول : إن  ما جعل الغرب أكثر تقدمًا هو قدرته علي تطوير نظم الإدارة والحكم فيه واعتبار الإنسان هو هدف النظم السياسية لتحقيق سعادته ورفاهيته، وأن السلطة مغرم لا مغنم وخدمة لا استعلاء أو استبداد أو تسلط.

كل ما سبق أدى إلى نشوء نزعة تشاؤم هائلة لدي الأجيال العربية الجديدة من الشباب عندما ينظرون  في إمكانات نهوض مجتمعاتهم من وهدة التخلف والخرافة والجهل والاستبداد، بيد إني وأنا أطالع ما يهدينا لفهم سبل الإقلاع الحضاري التقيت كتاب “حضارة العرب” للمستشرق الفرنسي غوستاف لوبون (1841-1931م)، وكان متخصصًا في الطب النفسي وتقلب في بلاد العرب والمسلمين وكان مولعًا بالحضارة الشرقية وألف كتابه المهم “حضارة العرب” عام 1884، وكان وقتها يعتقد أن بإمكان العرب أن يبعثوا حضارتهم من جديد كما فعلوا من قبل عقب ظهور الإسلام وفتحهم البلدان التي فتحوها في عشرة أعوام مثلت استثناء في التاريخ الإنساني وفتحت الباب أمام السؤال: كيف تم ذلك؟

يقول غوستاف لوبون في خاتمة كتابه الهام “إن الأمم التي فاقت العرب تمدنًا قليلة للغاية، وإننا لا نذكر أمة كالعرب حققت من المبتكرات العظيمة في وقت قصير مثلما حققوا، وإن العرب أقاموا دينًا من أقوي الأديان التي سادت العالم، ولا يزال تأثيره أشد حيوية مما لأي دين آخر، وأنشأوا دولة من أعظم الدول التي عرفها التاريخ، ومدنوا أوروبا ثقافة وأخلاقًا فالعروق التي سمت سمو العرب وهبطت هبوطهم نادرة، ولم يظهر كالعرب عرق يصلح أن يكون مثالًا بارزًا لتأثير العوامل التي تهيمن على قيام الدول وعظمتها وانحطاطها”.

وعن فضل العرب على أوروبا في العلوم يشير إلي أنه قبل القرن الخامس عشر الميلادي لم يظهر عالم لم يقتصر علي استنساخ كتب العرب. ويضيف: علي كتب العرب وحدها عول “روجر بيكون” و”لينوارد البيزي” و”سان توما” و”ألبرت الكبير”. وينقل عن المستشرق الفرنسي أرنست رينان (1823-1892) قوله: إن ألبرت الكبير مدين لابن سينا في كل شئ وإن سان توما مدين في جميع فلسفته لابن رشد”. ويوضح لوبون أن ترجمات كتب العرب ولاسيما الكتب العلمية ظلت مصدرًا وحيدًا تقريبًا للتدريس في جامعات أوروبا خمسة قرون أو ستة قرون، مضيفا: “إن تأثير العرب في بعض العلوم كالطب مثلا دام إلي أيامنا فقد شُرحت كتب ابن سينا في مونوبليه حتي أواخر القرن الماضي”، يقصد القرن الثامن عشر.

 

 

 

 

 

 

 

ويحلل لوبون في كتابه كيف أن العرب اعتمدوا المناهج العلمية القائمة على الرصد والتجربة والملاحظة في القرن التاسع الميلادي في بغداد، وأن روجر بيكون والباحثين الغربيين تعلموا ذلك من العرب في عصور النهضة وذلك ماقادهم إلي أعظم الاكتشافات.

وفي كتابه “تاريخ علم الفلك” يقول دُولنبر: إنك لا تجد سوى عدد قليل من الراصدين الإغريق بينما تجد بينهم المئات من العرب، وفي علم الكيمياء لا تجد مجربًا يونانيًا مع أن المجربين العرب يُعدون بالمئات. ومنح الاعتماد على التجربة مؤلفات العرب دقة وإبداعًا لم تكن موجودة لدى الأوروبيين الذين كانوا يعتمدون فقط على قراءة الكتب وترديد المقولات المحفوظة دون معاقرة التجارب والرصد  والملاحظة وتطور الظواهر وتحولها. لذا استطاع العرب أن يحققوا في ثلاثة قرون مالم يستطع الإغريق أن يحققوه في مدة أطول من ذلك بكثير، وورث العرب تراث اليونان العلمي فحولوه شيئا آخر غير ما كان لدي البيزنطيين، وهو ما مكن أجيال العرب التالية من الاستفادة منه ونشره عبر الجامعات العربية التي نقلته إلي أوروبا، والتي ظل التعليم فيها يعتمد علي ما تم نقله من العربية إلي لغات تلك الدول.

إن كتاب “حضارة العرب” بما يوثقه من عظمة الحضارة العربية القائمة علي التسامح واحترام العلم والقدرة على التوليف بين الحضارات في البلدان التي فتحتها يكشف قدرة هذه الحضارة على التجدد والبقاء، خاصة وأن تراجعها الحضاري على المستوى السياسي لا يعني تراجعها علي المستوي الديني أو الثقافي أو تعرض قيمها الأصيلة للتآكل، فلا تزال الحضارة العربية قائمة تعبر عن العرب والمسلمين من طنجة وحتي الصين، ومن ثم فإن الأساس الممكن للإقلاع لا يزال قويا وعفيا لتحقيق النهوض الحضاري لو أمكن للعرب أن يستعيدوا ما حقق سابقًا وحدتهم وتقدمهم وتأثيرهم على الأمم الأخرى.

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: