ثقافة

مبدعون في ضيافة قصيري

حياة الأديب المصري العالمي الراحل ألبير قصيري العريضة وإنتاجه الثري المتميز لفت إليه أنظار كبار الكتاب والنقاد العرب والعالميين. واستكمالا لاحتفاء “أصوات” بمرور عشر سنوات على رحيل هذه القامة الأدبية الرفيعة، تنشر هنا شهادات بعض أبرز الأدباء العرب والأجانب الذين أرتبطوا بعالم قصيري الإبداعي الثري.

ميللر: كتابات تسبق انفجار الثورات

قال عنه الروائي الأمريكي الأشهر هنري ميللر: “لايوجد كاتب مثل ألبير قصيري استطاع أن يصف بطريقة حادة وقوية حياة شخصياته ، بالنسبة لي كانت قصصه مفاجأة كاملة. وهو أول كاتب ألتقيته منذ أن قرأت لكتاب روس كبار في الماضي”.

وأضاف  “كتب قصيري من نوع الكتب التي تسبق عادة انفجار الثورات”.

من ناحيته، قال الروائي العراقي شاكر نوري: تُرجمت لقصيري العديد من الأعمال الروائية منها على سبيل المثال لا الحصر، ما قدمته دار الهلال عبر رئيس تحريرها في ذلك الوقت “سعد القرش” فهناك رواية “بشر نسيهم الله” ترجمة لطفي السيد منصور، ورواية  “شحاذون ونبلاء” ترجمة منى صبرى وقد تحولت إلى فيلم للمخرجة أسماء البكري.

 قاسم: الحب من أول صفحة

ويقول الناقد والمترجم المصري محمود قاسم: كم أنا سعيد بكوني أول من قدم الكاتب البير قصيري إلى اللغة العربية، والحقيقة أنه الحب من أول صفحة، والذي حدث أنني حصلت علي رواية “شحاذون ومتكابرون” من منزل المخرجة أسماء البكري، وفي طريقي إلى الإسكندرية رحت أقرأها في القطار، وما أن وصلت إلى بيتي هناك حتي بدأت الترجمة، وفيما بعد نبهتها إلى أنها تصلح أن تكون فيلما فتحمست لها، كما سعيت لنشرها في سلسلة الرواية العالمية التي كانت تصدرها هيئة الكتاب، برئاسة الناقد فتحي العشري، وقد تنبه الناس إلى أهمية قصيري مع قراءة الرواية ومشاهدة الفيلم.

ويتابع: كنت قد بدأت في ترجمة رواية ثانية هي”منزل الموت الأكيد” التي نشرتها دار سعاد الصباح، وكان المخرج جلال الشرقاوي قد قدم الرواية نفسها عام 1968 في فيلم باسم” الناس اللي جوه” سيناريو يوسف فرنسيس، وبطولة يحي شاهين وناهد شريف، لكن الناس لم تنتبه وقتها إلى اسم كاتبها، وسرعان ما قمت بترجمة الرواية الثالثة “العنف والسخرية” التي صدرت عن سلسلة “روايات الهلال” وهي الرواية التي حولتها أسماء البكري أيضا إلى فيلم لم يأخذ حظه من النجاح، وبعدها ترجمت الرواية الرابعة “كسالى في الوادي الخصيب” ولاحظ القراء أن أبطال قصيري يتمتعون بحس عال من السخرية، وأن أغلبهم لهم مواقف من الحياة، وأنهم لم يخلقوا عبثا، مثل أبطال رواية “العنف والسخرية”، ولعل ذلك كان السبب وراء قرار الأكاديمية الفرنسية منح قصيري جائزتها التقديرية عن مجمل أعماله.

ويضيف قاسم: عندما جاء قصيري إلى القاهرة لحضور تصوير فيلم ” شحاذون ونبلاء” كنت برفقته، وكان نجيب محفوظ قد حصل علي جائزة نوبل في الأدب، وباعتبار أن كلا الرجلين كتب عن مصر من خلال المناطق الشعبية فإنني أقنعته بزيارة محفوظ في مكتبه بصحيفة “الأهرام” وتصورنا معا هناك، وكان لافتا أن قصيري يتحدث  باللهجة المصرية  كأنه لم يترك القاهرة يوما واحدًا.

العيادي: قصيري عنوان للمبدع المتمرد      

ويقول الكاتب والمترجم التونسي أبو بكر العيادي: عرفت ألبير قصيري من خلال روايته “شحاذون عِزاز النفس”، في صيغتها الفرنسية، تلك الرواية التي ترجمت مرارا بـ “شحاذون ومتكبرون”، و”شحاذون ومتكابرون”، وشحاذون ونبلاء”، والحال أن العبارة الفرنسية orgueilleux تفيد الأنفة وعزة النفس، لا التكبر والنبل. كما أن حرف العطف بين اللفظتين يوحي بأنه يضع فريقين وجها لوجه وهو ما تبيحه اللغة الفرنسية، أما في لغتنا العربية فالصواب أن نجمع بين الصفتين بحذف الواو، كقوله تعالى “الرحمن الرحيم”. هذا العنوان يلخص وحده فلسفة ألبير قصيري في الحياة، فقد عاش عالة على أصدقائه، باعترافه هو نفسه، ولكن كان له من الأنفة ما جعله يرفض توسيمه من الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي.

ثم التقيت قصيري على غير موعد في مطار أورلي في باريس، وكنا ضمن المدعوين إلى مهرجان المربد في العراق في خريف 1989، وفي بهو المطار، بادرته بالحديث بالفرنسية، فقال لي:”أنا مصري، أتكلم العربية، واسمي في الحقيقة سليم قصيري، والناشر هو الذي اقترح عليّ تغييره باسم “فني” هو ألبير كوسْري، لتسهيل قبوله في الوسط الثقافي، وهو تقليد سار عليه الفرنسيون في النصف الأول من القرن الماضي مع الوافدين الأجانب.

كانت إقامتنا في فندق عشتار (شيراتون) ببغداد. وكان برمًا بتلك المدينة وقيظها الحارق، كما حدثني منذ اليوم الأول، فلم يغادر الفندق إلا مرة واحدة، وكان ينتظر عودتي كل يوم فنجلس في بار الفندق ليروي لي بأريحية عجيبة وتواضع جمّ عن حياته في باريس منذ أربعينات القرن الماضي، وعن علاقاته بأهلها وزوارها من أهل الفن والأدب، وترفعه عن ملاحقة النقاد والصحافيين للحديث عنه وعن أدبه، والخدعة التي استعملها أحدهم لعقد لقاء بينه وبين نجيب محفوظ ورواد مقهاه المعتاد “كافي دو فلور” بحي سان جرمان دي بري، ونفوره من امتلاك أي شيء عدا لباسه، وعن النساء. حدثني عن عشقه النساء حدّ الهوس، إذ كان لا ينفك عن مراودتهن، في كل مكان، بل إنه كان كثيرا ما يبدل هذه بتلك حتى وهو سائر في الشارع. “ليس لأني وسيم، كلا! بل لأن لي ما يكفي من الوقت كي أخصصه للحسان”. واعترف لي أن المرأة الوحيدة التي تزوجها، وهي الممثلة السينمائية مونيكشوميت، طلقته وتزوجت الممثل العالمي فيليب نواري، عندما اكتشفت خيانته.

وحسب قوله، فإنه لم يخلق للقيد، لا قيد الأسرة، ولا قيد العمل. كان يريد أن يعيش حياته بامتلاء، حرا طليقا، ولكن بالتواكل على أصحابه ومحبيه، فكل ما في الغرفة التي استقر بها منذ 1945 في فندق لويزيانا بالدائرة السادسة من عطايا أصدقائه، وإذا ما تكسر شيء، طالبهم بإصلاحه أو تغييره. حتى نفقات عشائه وسهراته من فضل أصحابه. ولا تراه رغم ذلك إلا أنيق الهندام فاخر الهيئة وسيم الملمح شامخ الرأس دائم الابتسام، حتى أن الباريسيين كانوا يصفونه بـ “الداندي”، أي المسرف في الأناقة.

استوقفتني في تلك الأيام التي كنت ألقاه فيها على انفراد فلسفته في الحياة، التي قد تبدو لنا غريبة. فقد جعل من الكسل والعراء فلسفة حياة، وهو على يقين بأن الثراء الحق هو أن تكون قادرا على العيش دون عمل، حتى الضرائب كان يأبى أن يدفعها، لكي يقطع صلته بكل ما يمثل العمل وجرائره، إذا كان يطلب من الناشر أن يرجئ تسليمه نصيبه من حقوق التأليف إلى السنة التالية، كلما لاحظ أن عائداته من الكتب قد تجعله خاضعا للضرائب. وعندما سأله أحد الصحافيين: “لماذا تكتب؟” أجاب: “لكي لا يذهب من قرأني إلى العمل في صبيحة الغد”. وحسبنا أن نقرأ عناوين مؤلفاته لنتأكد من أن تلك الفلسفة كانت قولا وفعلا، إذ كان ينظّر لها أدبيا ويطبّقها على أرض الواقع.

الشيء الثاني الذي استوقفني هو عزة النفس، وتعاليه عن ممارسات بعض الأدباء اللاهثين وراء الشهرة بأي وسيلة. ففي سهرة ببيت المرحوم فؤاد التكرلي، رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العراقيين، وزوجته رشيدة التركي، وكان من حضورها الناقد التونسي الراحل توفيق بكار والمرحوم سهيل إدريس وزوجته، والكاتبة الكويتية ليلى العثمان، وشكت لي المستشرقة أوديت بوتي، أستاذة الأدب العربي بجامعة السوربون الجديدة، رفض ألبير قصيري دعوتها إياه إلى لقاء مع طلبة الفرنسية بالجامعة المستنصرية، وأنَفته الزائفة كما قالت، فلما سألته من الغد، أكد لي أنه قال لها بالحرف الواحد: “أرفض أن أطرق الأبواب لبيع أدبي”. وأردف قائلا: “رفضت حتى دعوة برنار بيفو لتسجيل حلقة في برنامجه الشهير أبوستروف”.

عندما افترقنا، بعد عودتنا إلى باريس، أعطاني عنوانه ورقم هاتفه قائلا: “لا تطلبني قبل منتصف النهار والدقيقة الثلاثين. لا تنس”.

لقيته بعدها مرات متباعدة في مقهى فلور، ولكني لم أنفرد به قط كما حظيت برفقته في تلك الأيام البغدادية. كان لا يزال يدخن سجائره المفضلة “بيتر ستيفزنت”، رغم أنه باح لي بإصابته بسرطان الحنجرة. كان يقول لي، كي يقنع نفسه أكثر مما يقنعني”: “خفيفة، وغير ضارة”.. بيد أن تدخينها أفقده في النهاية صوته. أحببت ذلك الرجل بصدق، لتواضعه، وبساطته، على كبر قدره، وعمق فكره، وجليل أدبه. على روحه السلام.

الوسوم
إغلاق