منوعات

في فلسفة الكسل

“لم اختفت لذة الكسل؟، أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكسالى، أولئك المتسكعون الذين يجرون أقدامهم بتثاقل من طاحونة إلى أخرى، وينامون في العراء؟ هل اختفوا باختفاء الدروب الريفية والواحات وفجاج الغابات، وباختفاء الطبيعة؟”.

ليس مستغربا أن يختفي هؤلاء من عصرنا، كما يقول الأديب التشيكوسلوفاكي الأشهر ميلان كونديرا، بعد أن اختلط مفهوم الخمول بالبطالة، فأضحى الخامل هو العاطل، وخلافا للأول فالعاطل محروم ومستاء دوما، وفي حركة دائمة للخروج من أزمته.

الخامل لا يستشعر الألم الذي يلم بالعاطل، بل يشعر باللذة، وهي لذة يرى الفيلسوف البريطاني برتراند راسل أن الإنسان في العصر الحديث محروم منها، فالعمل الذي نقوم به اليوم يزيد كثيرا عما ينبغي إنجازه.

هذا التصور قاد راسل إلى الاعتقاد بأن “العالم الحديث يصيبه الكثير من الأذى نتيجة الاعتقاد في فضيلة العمل”، وأن السبيل إلى السعادة يمر عبر “الإقلال المنظم للعمل”.

الفيلسوف البريطاني برتراند راسل

يضرب راسل مثالا لهذا الإقلال بأنه إذا افترضنا أن عددا من الناس اشتغل بصناعة الدبابيس، وأن إنتاجهم منها يكفي الاحتياج العالمي لها، ثم اخترع أحدهم آلات قادرة بنفس عدد  العمال على إنجاز ضعف  الكمية المطلوبة، ولما كانت الدبابيس رخيصة جدا في الأصل، فليس هناك مجال لتخفيض سعرها، أو لشراء الناس عددا أكبر منها، لذا يرى راسل أنه في عالم يسوده العقل، سيعمل القائمون على الإنتاج أربع ساعات يوميا بدلا من ثماني، لكن لأن هذا الطرح يتعارض والقيم السائدة في عالمنا اليوم، ستجد العمال مستمرون في العمل ثماني ساعات لينتجوا كميات من الدبابيس تزيد عن الحاجة، ما يؤدي إلى إفلاس كثير من أصحاب العمل، وتشريد نصف العمال في النهاية، ليخرجوا لا إلى حياة الخمول بل للبطالة، بينما يرزح كاهل النصف الآخر تحت ثقل العمل المرهق لثماني ساعات.

لا تنتج تلك الصورة المعادية للعقل، بحسب راسل، مجتمعا سعيدا، فلا العامل يسعد بعمله المرهق لساعات طويلة، ولا المتبطل يهنأ بخموله ووقت فراغه، ولو عمل كل امرئ مدة أربع ساعات يوميا لكان هناك ما يكفي للجميع، ولحاز الجميع كذلك على وقت فراغ  يتيح التمتع بمباهج الحياة.

الكاتب البريطاني جيروم كلابكا جيروم

وقريبا من تلك الرؤية سجل الكاتب البريطاني جيروم كلابكا جيروم في كتابه “أفكار تافهة لرجل كسول” موقفا طريفا حول ذات الموضوع، فكتب قائلا: ” إنني أحب الكسل عندما لا يصح أن أكون كسولا، لا عندما يكون الكسل هو الشيء الوحيد أمامي، فمن المستحيل أن تتمتع بالكسل كما يجب دون أن يكون لديك عمل كثير، ليس ثمة متعة في ألا تفعل شيئا إن لم يكن لديك أصلا ما تفعله، إن تبديد الوقت سيكون مجرد تأدية واجب وسيكون مرهقا.. الكسل كما القبلة لا يستحب إلا خطفا”.

وفي الحديث عن فلسفة الخمول يبرز اسم روائي مصري كبير هو ألبيير قصيري، الذي طالب للجميع بـ”الحق في الكسل”. رؤية قصيري للكسل ارتبطت برفضه النزوع الرأسمالي للتملك والاستهلاك، فعاش القسم الأكبر من حياته في غرفة بأحد فنادق بباريس، لأنه لم يرد أن يمتلك منزلا، ولم يلتحق يوما واحدا بوظيفة، وعاش من عائد أعماله قليلة العدد، التي بلغت سبع روايات ومجموعة قصصية واحدة، بجانب هدايا أصدقائه الفنانين التي كان يبيعها وينفق منها على معيشته، ولدى سؤاله عن سر عدم رغبته في العمل كان يجيب: نحن في الشرق حين نمتلك ما يكفي لنعيش به لا نعود نعمل، بخلاف أوروبا حين يملك أهلها الملايين يستمرون في العمل ليكسبوا أكثر”.

الروائي المصري ألبيير قصيري

احتل الهزل قلب فلسفة قصيري حول الكسل، حيث دعا الناس/الفقراء ـ في روايته العنف والسخرية ـ ألا يأخذوا السلطة على محمل الجد، فالجدية في التعاطي معها تضفي قدرا من الاحترام على رجالها، بينما هم مجموعة من الأوغاد، بحسب فيلسوف الكسل المصري، والأفضل استعمال السخرية، فهو السلاح الذي طالما أنجز “انتصارات الفقراء الكبرى”.

ذات الرؤية نستشفها لدى كونديرا عبر روايته “حفلة التفاهة” التي يقر فيها على لسان أحد أبطال الرواية “أن إدراكنا لانعدام القدرة على قلب هذا العالم أو تغييره إلى الأفضل أو إيقاف جريانه البائس إلى الأمام، لا يترك أمامنا سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألا نأخذه على محمل الجد”.. وهي رؤية لا شك يستبطنها كثير من الكسالى حول العالم.

الوسوم

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق