رؤى

هل عودة العرب لحضارتهم .. باتت مستحيلة؟ ( 2 ـ 2 )

لم أر مستشرقا مولعًا بحضارة العرب محبًا لها مستيقنًا بقدرتها على البقاء وإمكان النهوض مثل الفرنسي “غوستاف لوبون” حتي إنه انتصر لكل جوانب تلك الحضارة التي اعتبرها مستشرقون غربيون آخرون من منظور حضارتهم هم أنها جوانب نقص.

 فقد دافع ” لوبون ” عن نظام الحريم ودافع عن تعدد الزوجات في الشرق ودافع عن وضع المرأة واعتبره أحسن حالًا من وضع المرأة في الغرب بل إنه دافع عن نظام  الرق لدي حضارة العرب واعتبر سياقه ومفهومه مختلفًا عن السياق الحضاري الغربي ،، وقال إن كثيرًا من الموالي والأرقاء استطاعوا أن يصلوا إلي مراكز السلطة وصنع القرار والحكم.

فقد قال في شأن المرأة في الحضارة العربية ” إن الأوربيين أخذوا عن العرب مبادئ الفروسيه وما اقتضته من احترام المرأة والإسلام ، وإن معاملة المرأة بالحسني تعلمها الغرب من العرب المسلمين ، وقد ارتفع ذكر كثير من النساء العرب في المعارف والعلوم ، بل إن “غوستاف لوبون” يقول إن أول دين وضع المرأة في مكان محترم وحفظ  لها حقوقها ومكانتها هو دين العرب وهو الإسلام.

المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون

يتحدث غوستاف لوبون عن أسباب قوة العرب وانتشار حضارتهم فيشير إلي الوضوح والبساطة في تعاليم الإسلام خاصة ما يتصل بجوهر عقيدة التوحيد ويقول : لاشئ أكثر وضوحًا وأقل غموضًا من أصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد وبمساواة جميع الناس أمام الله ، وساعد وضوح الإسلام وما أمر به  من العدل والإحسان علي انتشاره في العالم.

ومحاولًا تفسير الانتشار المذهل لحضارة العرب المسلمين في وقت قصير دون مقاومة أو إكراه، يقول لوبون: إن القوة لم تكن عاملًا في انتشار الإسلام فقد ترك العرب المغلوبين أحرارًا في أديانهم فإذا اعتنق  بعض الأقوام الإسلام واتخذوا العربية لغة لهم فذلك لما رأوا من عدل العرب الغالبين، وهو  مالم يروا مثلهم من ساداتهم السابقين،  ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل ، فالقرآن لم ينتشر بالسيف إذن بل انتشر بالدعوة وحدها واعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول وبلغ الإسلام الانتشار في الهند التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل مايزيد فيه عدد المسلمين علي خمسين مليونا – وقت أن كان يكتب ملاحظاته في نهاية القرن التاسع عشر – وانتشر الإسلام في الصين ولم يفتح العرب أي جزء منها قط.

ويضيف: التسامح الإسلامي الذي يقوم علي قاعدة “لا إكراه في الدين” و”لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن” و”لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين” وهذه كلها آيات محكمات في منتهي الإحكام وهن من أم الكتاب لا يدفعها ادعاء نسخ أو تشابه  فعدل الحضارة العربية وتسامح حامليها وتعاملهم بالإحسان والعدل والقسط كان أحد أسباب حب أهل البلدان المفتوحة للحضارة العربية ولدين الفاتحين.

أحد أسباب تراجع الحضارة العربية هو غياب جوهر التسامح فيها والتمييز في مواجهة الموالي من غير العرب المسلمين وفي مواجهة غير المسلمين وإرهاقهم بالجزية والجباية مع أن الله لم يبعث أهل الإسلام جباة ظالمين وإنما بعثهم عنوانًا للعدل  والبر والقسط وإحياء ا لمثل العليا التي قامت عليها حضارة العرب وانتشرت كما أوضح الكتاب في كل بلاد العرب وإيران وفي المغرب العربي وفي الأندلس وصقلية وفي الهند والصين وآسيا وأفريقيا ، إن المثل العليا التي أسسها العرب المسلمين لحضارتهم هي أهم من سطوتهم السياسية وبناء امبراطوريات ودول كبري فقد ذهبت تلك الامبراطوريات وبقيت قيم الإسلام ومثله العليا التي قدمتها الحضارة العربية الإسلامية للعالم.

يلفت لوبون إلى أن العرب قبل مجئ الإسلام كان لديهم الاستعداد لتحمل رسالته عبر تطور حضاري ذاتي تمثل في لغة العرب ، وعبر صلاتهم بالعالم المجاور في اليمن والشام وحتي مصر والمغرب ،  وحين جاء الإسلام قدم لهم المثال الأعلي الذي توحدواعلي قاعدته وجعل منهم أمة واحدة وجهت قوتها من الاقتتال الذاتي الداخلي إلى الفتح في مواجهة العالم الخارجي.

ويلفت لوبون إلى أن حضارة العرب وسلطانهم السياسي زال بسبب اقتتالهم الداخلي وتفرقهم وتحالفهم بعض حكامهم مع أعدائهم حفاظا علي بقائهم في كراسيهم ، وأن الأجيال التي تلت الحكام الأوائل كانوا أقل منهم في الذكاء والقدرة على السياسة والتدبير ، كما أن الأثرة وحب الذات قد غلبت على حكامهم وقادتهم وتلك علامة مهمة على انهيار الأمم والحضارات، وبلوغ الترف والافتتان بالمدنية ،  والولع بمنتجاتها واستهلاك منتجاتها حدا صرفهم عن المشاركة في بناء تلك الحضارة وأن يكونوا جزءًا من عالمها وفهم قوانينها.

وحسب لوبون، فإن الحضارة العربية هي عنوان للتقدم والتسامح والعظمة بينما الحضارات التي جاءت من بعد العرب خاصة الترك كانت دونهم بكثير وظلت الحضارة العربية هي العنوان الأهم لتحقق المثل العليا الإسلامية ولا تزال هي القادرة علي إعادة تلك المثل للوجود من جديد.

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: