ثقافة

جوائز الأدب .. وأدب الجوائز

لا يصح أن تكون غاية الشاعر والأديب هي الحصول على جائزة مهما تكن رفعتها، ومع ذلك فالتسابق لنيل الجوائز بلغ أشدَّه خصوصا حين تزامنت كثرة الجوائز المحلية والدولية (عالية القيمة المالية) مع موجات ارتفاع الأسعار التي اجتاحت العالم.. ربما لأن سوء الأحوال الاقتصادية انعكس ضمن ما انعكس على الشعراء والأدباء الذين لا تنجدهم وظائفهم، ولا توفِّر لهم أعمالهم الإبداعية دخولا تكفيهم، ولا تمنحهم نقابتهم أمانا مّا، ولا تساعدهم المؤسسة الثقافية التي تعاني فقر الإمكانيات واضمحلال معونة الدولة بالأساس، ولا تعرف الكتلة الجماهيرية أحوالهم ولا تأبه لهم.

مع بداية كل عام يترقب معظم الممارسين للكتابة الإعلان عن المسابقات الأدبية الجديدة، ولديهم خبراتهم التي تيسِّر عليهم البحث، يكونون جهَّزوا الأعمال للمشاركة غالبا، فرتَّبوا الكتب والأوراق والمرفقات، واشتروا المظاريف للإرسال والأسطوانات المدمجة كأوعية حافظة للمادَّة المطلوبة، أضحى المعلنون يحبِّذونها، وبقي فقط أن يراجعوا تفاصيل الإعلانات، بدقة، على الرغم من علمهم الكامل بها، فلعلَّ بندا أضيف على ما سبق أو أُفُقاً كان مفتوح السِّنِّ تم تحديده.،

للمسابقات مواسم كما الفاكهة يعرفها الحريصون عليها معرفة جامعة، وفي تجمعاتهم المستمرة على المقاهي الخاصَّة الأثيرة وفي قصور الثقافة وبيوتها ومنتديات الأدب، يذكِّر بعضهم بعضا بها، وبينهم من يبدون كأن الأمر لا يعنيهم، لكنهم يدخلون ميادين التسابق بلا جَلَبَة، ويعرف الآخرون حقيقتهم ولا يتناولونهم بأيِّ تعليق، بل يهنئونهم لو فازوا بعد ذلك ولا يُظهِرون العلم بمشاركاتهم وإخفاقاتهم لو لم يفوزوا؛ فهي دائرة لها قوانينها الصارمة (الصامتة) التي يجب أن يحترمها الجميع.

لا تعبِّر الجوائز، انتهاءً، عن التفوق الأدبي لحائزيها، والمفروض أنها تعبِّر عنه، لكن انهيار النقد وفساد الذائقة والحديث (السري) ذي الشواهد عن افتقار إدارات الجوائز ولجانها التحكيمية للأمانة والحيادية؛ يشوِّش قيمتها المعنوية تشويشا، ولا يبقى منها للفائزين سوى القيمة المادية التي صارت غاية غاياتهم أصلا بحكم قسوة الواقع.

لو رصدتم واحدا من هؤلاء المحترفين في مضمار التسابق المقصود لوجدتم عجبا يلهيكم عن كل عجب؛ فقصيدة محمدية إلى مسابقة شعرية في مديح الرسول (ص)، وأخرى تنصف تاريخ الشيطان لمسابقة دار فكر مشبوهة، وثالثة تمتدح حرية المرأة لمسابقة بجريدة تقدُّميَّة، ورابعة تدعوها إلى مغادرة المشاهد كلِّها لمسابقة أعلنتها هيئةٌ معروفٌ انغلاقها وطعنها في الحركات التحررية للنساء!

أكثر من ذلك، كتب الشعراءُ الروايةَ خِصِّيصا للمسابقات بعد أن شاع أن الزمن زمنها وتعددت المسابقات في مجالها، ولم يكتبوها لإفادة النثر باللغة المجازية للشعر، مثلا، ولا حتى كي يضيفوا لتاريخهم الأدبي الشخصي إضافة قوية ويثقِّلوا ميزانهم بلونٍ أدبيٍّ معتبر، من الجهة الأخرى من كانت لديه القدرة على كتابة الشعر من القصَّاصين والروائيين كتبه ساعيا به إلى الجوائز أيضا، مهما كذب وادَّعى أن روحه تحن للشعر وأنه يُحِسُّ بأن لديه ما ليس لدى المتفرِّغين للقصيد من الإيقاع الحميم الأخَّاذ والصُّور الطَّازَجة الآسرة.

الأخطر، في ظنِّي، دُوَيْلَاتٌ عربية يكتنف مواقفها الغموضُ الأيديولوجيُّ، غَنِيَت بالأموال الطائلة وقَوِيَت بالإعلام الاحترافيِّ النافذ المؤثر، تنبَّهت لفقر الكثيرين من المبدعين ورغبتهم الأكيدة في التخلص من الضَّنك الذي أشقاهم؛ فأعلنت مسابقاتها بجوائز مالية يسيل لها اللُّعاب (بجانب شهادات التقدير المُذَهَّبَة)، وطبعا تدافعت الأغلبية المسكينة العمياء باتجاهها، وكسب من كسب وخسر من خسر، والصورة الظاهرة شرفٌ أدبي والباطنة استقطابٌ مريب.. وكمثلها دولٌ أجنبية مجهولةٌ مآربها.

تحمل السيرة الذاتية لكل مبدع عدد جوائزه وأسماءها وأعوامها والجهات المانحة لها، وتستفيد السِّير من الجوائز مهما يكن الرأي فيها؛ فبالتأكيد لجملةٍ منها قيمةٌ عاليةٌ غير مشكوك فيها، كما أن كثرتها، في الحساب المجمل، تدلُّ على توقُّد طاقة المبدع وسعة نشاطه بصرف النظر عن الأجواء المؤسفة المحيطة بالموضوع.

صار لدينا أدب جديد، ترسخت قواعده في السنوات الأخيرة العجاف بالذات، يمكن تسميته بأدب الجوائز، يخضع خضوعا كاملا للشروط حتى لو لم يكن راضيا عنها جملة وتفصيلا.. وبقيت صورتان واضحتان لكل شاعر، على حدة، وكل أديب: الصورة الأصلية المتناغمة والأخرى المتناقضة التي للمسابقات.

الفقر موجع طبعا، وقد يكون إحساس الموهوبين ذوي الأقلام به أعظم كونهم المعبِّرين الفعليِّين عن أحاسيس المكتوين بنيرانه، لكن علينا ألا نبرِّئ المتهافتين على أموال الجوائز الأدبية، كتهافت الفَرَاش على النار، بحجة تحسين الظروف من جريمة تُرتَكَب بحقِّ الإبداع نفسه؛ فالمال الذي يحيي مبدعا لا ينبغي أن يقتل الإبداع بذات الوقت.. والإبداع المُتَنَازِلُ فنيا والمتلوِّن بحسب الطريق الذي يسلكه مقتولٌ يقينا.

لن يصدِّق الناسُ الحروفَ المُتَرَاصَّة المُنَضَّدَة البليغة حين يعلمون أن المبدعين تجَّار جُشَعَاء وليسوا قانعين بالإلهام ذوي قضايا لا يعكِّر صفوهم قليلُ الرِّزق. إن التاريخ الأدبي المجيد حافل بأسماء رفضت جوائز عظمى، كنوبل في الآداب، ثباتا على مبادئها.. وحافل بأسماء علَّمت أجيالا ولم تَحْظَ بذيوعٍ ولا غِنَى، وليس في ذلك ما يَصِمُها جميعا بعارٍ أو شَنَار.

لا بأس بأن يسعى السَّاعون من الشعراء والأدباء إلى جعل حياتهم أفضل، وأن يَجِدُّوا محاولين خلق أجواء نظيفة كريمة تنعش بيوتهم وتسعد أبناءهم، لكن بالإخلاص للفن وتوقير الذات. إن الركض المفتون الذليل بكل مضمارٍ يُظَنُّ بلوغ آخرِهِ، قبل الباقين، بمثابة بلوغ العلياء؛ كانت نتيجته انحطاطا كبيرا سوف نظل نكافح آثاره السلبية لعقود قادمة.

أخيرا، لا أطعن في جائزة بعينها ولا في ضمائر المهتمِّين بالجوائز عموما، لكن أنبِّه ههنا لأخلاقٍ مفقودة وأخطارٍ واردة، وعلى المعنيِّين الذين لهم سلطة الرأي والكلمة وبحوزتهم الدَّعم الماليُّ أن يقوِّموا فكرة الجوائز وطالبيها تقويما شاملا قبل ألا يكون أملٌ في إصلاح ضروريٍّ آن أوانه بهذا الشأن كما بأشباهه من الشؤون الجليلة.

 

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق