فن

Roman J. Israel .. عندما تنهار القيم تحت وطأة الثروة

“لا يمكن أن يعيش النقاء في هذا العالم”، تلك هي الحقيقة – أو الادعاء – التي توصل إليها المحامي الحقوقي، رومان جي إسرائيل، في نهاية الفيلم الجديد الذي يحمل اسمه.

تكمن المفارقة في أن رومان ذاته يتحول إلى دليل عملي على هذا الادعاء. فرجل القانون ذو النزعة المثالية، الذي لعب دورا مهما في حقبة الحقوق المدنية، يهوي من علياء أحلامه ومبادئه إلى مستنقع الأنوية الفجة والمصالح المادية الرخيصة إثر تعرض حياته المهنية لبعض الإخفاقات؛ فيتحول المال فجأة إلى “عامل محفز للغاية” في حياته.

ينتمي الفيلم، الذي أخرجه الأمريكي دان جيلروي، إلى أعمال الكوميديا المأساوية، حيث يعيد إلى الأذهان، في أفضل لحظاته، أفلام مواطنه، سيدني لوميت، التي عَرضت، في العقدين السابع والثامن من القرن الماضي، للعديد من القضايا الاجتماعية والسياسية التي ألحت بشدة آنذاك، ليس على الساحة الأمريكية وحدها، وإنما على الساحة الإنسانية بوجه عام.

مخرج الفيلم دان جيلروي مع البطل دينزيل واشنطن

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض لأول مرة بداية هذا العام، حول المحامي الحقوقي، رومان جي إسرائيل (الممثل دينزيل واشنطن) الذي يواجه العديد من الأزمات بعد موت ملهمه وأستاذه في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. في هذه الأثناء، يعثر رومان على فرصة عمل في مكتب محاماة شهير يترأسه المحامي الطموح، جورج بيرس (الممثل الأيرلندي كولين فاريل)، ويضعه هذا العالم الجديد في امتحان قيمي يعجز عن اجتيازه.

تم ترشيح دينزيل واشنطن لجائزة أوسكار عن أدائه في هذا الفيلم، ويستطيع المتابع، من دون عناء، أن يدرك السبب. فقد نجح واشنطن في أن يدمج في شخصية رومان مزيجا فريدا يجمع بين سمات الحمق المتطرف والعبقرية المتطرفة، وهو مزيج خادع دفع برئيسه في العمل إلى اعتباره “موهبة تمشي على الأرض”.

تم ترشيح دينزيل واشنطن لجائزة أوسكار عن أدائه في هذا الفيلم

نجح واشنطن بامتياز خلال هذا الدور في أن يعيد إلى الأذهان نموذج الممثل الكوميدي الأمريكي، إيدي ميرفي، في فيلم The Nutty Professor (1996). فأصوله الإفريقية ونظاراته الضخمة و’البلوفر‘ المهلهل الفضفاض الذي يضعه على جسده، تجعله يبدو دائما أشعثا وغير مهندم. ورغم أنه يعيش في مدينة كبيرة بحجم مدينة لوس أنجلوس، إلا أنه لا يمتلك سيارة. لذلك فهو يُرى دائما مترجلا على الأرصفة، حاملا حقيبة أوراقه الضخمة، على طريقة الشخصية الكرتونية الشهيرة، السيد ماجو.

مشهد من فيلم The Nutty Professor:

في الوقت ذاته، يمتلك رومان قدرات خارقة؛ فهو يستطيع “أن يضع قدمه في فمه”، كما أنه “سوفسطائي داهية يمكن الاعتماد عليه في إقناع الآخرين بالشيء ونقيضه”. وهو أيضا البريء الذي يحمل بين أضلعه قلبا كقلوب الملائكة، والأفرو أمريكي المكافئ لشخصية تشانس، التي أداها الممثل الإنجليزي، بيتر سيلرز، في الفيلم الشهير Being There (1979).

يعيش رومان في شقة صغيرة حافلة بصور الناشطين السياسيين والرموز الحقوقيين، مثل أنجيلا ديفيس، وبايارد روستن. ويستمتع في وقت فراغه بالاستماع إلى موسيقى الجاز وموسيقى السول؛ وهو ما يجعل الفيلم يحظى بموسيقى تصويرية رائعة وثرية.

يراود رومان حلم التقدم بدعوى مدنية جماعية أمام المحكمة العليا. ويدرك أنه في حال نجاحه، سيشعل جذوة ثورة عارمة في منظومة العدالة الأمريكية، وسيحمي الفقراء في بلاده من السجن دون الحصول على حقهم في محاكمات عادلة.

يؤدي واشنطن الجانب الهزلي من الشخصية، لكن ليس إلى الحد الذي يجعل رومان يبدو مجرد مهرج. وينتزع – في الوقت ذاته – من الدور انفعالات عميقة، ويبدي – بين الحين والآخر – شذرات من الغضب الذي نعرفه عنه في أدواره الرائعة التي يؤديها في أفلام الحركة.

تتجلى عبقرية واشنطن في قدرته على التحول مع التحولات التي تطرأ على شخصية رومان بعد أن يكتشف المحامي الزاهد الجانب النهم في شخصيته، وبعد أن أنهكه التعب جراء عمر طويل أفناه في “عمل المستحيل من أجل من لا يستحقون”، فيقرر التفرغ لجمع الثروة.

على مدى مشاهد قليلة يعيد واشنطن إلى الأذهان صورة شخصيته في فيلم American Gangster (2007)؛ فيستمتع بثروته التي استطاع جمعها مؤخرا، وينتقل إلى شقة فارهة، ويأكل في مطاعم فخمة، ويتناسى ضميره الاجتماعي الذي وجه حركة حياته فيما مضى.

رابط تريلر فيلم American Gangster:

في فيلمه السابق Nightcrawler، أبرز جيلروي هوس حالة االهوس بـ ’بالموت والعنف‘ التي هيمنت على الإعلام الأمريكي بوجه عام تحت شعار “إذا كان مخضبا بالدماء، فهو مفعم بالجاذبية”. رغم ذلك، كان السبب الأساس في نجاح هذا الفيلم هو هيمنة نبرة التهكم والسخرية بقوة على أحداثه.

 أما في فيلم Roman J. Israel، فإن جيلروي يتمسك بنبرة السخرية ذاتها للتأطير لحكاية مؤثرة عن رجل يتمثل النزعة الإنسانية في عالم يرزح تحت نير العنصرية المتطرفة، ولا يتسع لأمثاله. ربما أدى هذا الطرح إلى تصادم عناصر السياسة والكوميديا والدراما المأساوية التي انطوى عليها العمل، إلى درجة جعلت السرد القصصي معقدا، وهو ما تمخض عن علاقات إنسانية مبتورة.

على سبيل المثال، يعرض الفيلم لعلاقة رومانسية لم تتطور حتى النهاية بين مايا (الممثلة كارمن أيجوجو)، الناشطة الشابة، ورومان، الذي ترى فيه تجسيدا حقيقيا لقيم البطولة والتضحية التي عرفتها الولايات المتحدة في جيل مارتن لوثر كينج.

 ربما لم يكن جيلروي مقنعا في تقديم طريقة متناسقة لعقد مصالحة تحقق الانسجام بين العناصر المتناقضة الكثيرة التي انطوى عليها عمله، لكن عبقرية واشنطن نجحت بصورة مذهلة في استيعاب هذه المتناقضات.

تريلر فيلم Roman J. Israel على موقع يوتيوب:

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق