رؤى

«الفرعون صناعة مصرية» .. فرية يكذبها التاريخ

شاع في الفترة الأخيرة استخدام مصطلح “صناعة الفرعون” بين كثير من الباحثين، في سياق مفاده إدانة مظاهر نفاق الحاكم الذي يحوله في النهاية إلى “فرعون”. 

ما يعنيني هنا، بوصفي مصريًا ، هو بيان خطأ هذه الرؤية للقب فرعون ودوره، فهذه النظرة المستوردة التي لا تمت لتاريخ مصر الحقيقي بصلة، تفترض أن كل من حكم مصر القديمة من مينا وحتى الإحتلال الفارسي كان حاكمًا متألهًا، يحكم بموجب الحق الإلهي، ويمارس القهر والطغيان على شعب مصر الذي يتقبل هذا الطغيان صاغرًا صامتًا.

هذه الرؤية تظلم حكام مصر القديمة وشعبها على حد سواء، وأتصور أن خطأها يكمن في هاتين الفكرتين: “الفرعون الطاغية”، و”الشعب المستكين”.

وثيقة المبادئ الأساسية التي وضعتها الدولة المصرية

اولا: وحتى تسمى الأشياء بمسمياتها، فإن المصريين القدماء لم يستخدموا لفظ “فرعون” لوصف حاكمهم، فهذا اللفظ هو تحريف للفظة هيروغليفية “بار- عا” والتي تعني حرفيا “البيت الكبير”، فهي تشير إلى مقر الحكم وليس إلى من يسكنه، وهي أشبه بالإشارة في عصرنا هذا الى البيت الأبيض أو الكرملين أو قصر الإليزيه.

ثانيا: هل كان كل من حكم مصر حقًا طاغية مستبدًا كافرًا؟ .

 لقد حكم مصر القديمة وهي أول دولة نظامية في تاريخ البشرية أكثر من 530 ملكًا، من بينهم ملوك ليسوا مصريين إطلاقًا خلال احتلال الهكسوس لمصر، فهل يعقل أن يكون كل هؤلاء طغاة دمويون؟.

 وإذا كانت الإجابة بنعم، فكيف شيد هؤلاء الطغاة حضارة لا تزال تبهر العالم حتى يومنا هذا؟.

نعم، كان المصريون القدماء يؤمنون أن ملكهم هو ابن الإله، وفي مرحلة أخرى صوته، وفي مرحلة ثالثة ظله، لكن هذه المكانة كانت توجب على الملك من الواجبات أكثر مما تفرض له من الحقوق، أو بتعبير المثل العربي كان الحكم “تكليفًا لا تشريفًا”، فقد كان ملك مصر القديمة ملزمًا بأن يحكم وفقا لـ”ماعت”، والماعت كلمة عبقرية جمع فيها المصري القديم ثلاثة مفاهيم سامية في كلمة واحدة: الحق، والعدالة، والحكمة، وصور المصريون “ماعت” في صورة أنثى، ما يدلنا على مكانة المرأة في مصر القديمة، فهذه المرأة تحمل بيدها ريشة تمثل الحكمة، وتضعها على رأس من يستحق الحكمة، ومن هنا يأتي التعبير العامي المصري “فلان على رأسه ريشة”.

رمز ماعت

وكان ملك مصر يعي تماما أنه سيحاسب في العالم الأخر بعد وفاته وفقًا لمدى التزامه بالـ”ماعت” وقوانينها الـ 42 ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر :”أنا لم أظلم الشعب ولم أضمر لهم النية بالشر، لقد أطعت القانون ولم أرتكب الخيانة ولم أسبب الألم لأحد”.

وأدرك حكام مصر القديمة أن عدم التزامهم بهذه المبادئ يعني الهلاك في العالم الآخر، لذا تبدى التزامهم بها في تعاليمهم ووصاياهم، ونجد الملك تحتمس الثالث مؤسس الامبراطورية المصرية ينهي أحد وزرائه عن التحيز، مؤكدا أن “الرب يرفض التحيز”، ويضيف: “إذا أتاك شاك من الدلتا أو الجنوب أو أي بقعة، فاحرص على أن يجد أذنا صاغية”. كما نجد الملك أمنمحات الأول يحذر ولده من “المقربين”.

 الملك مينا مؤسس أول دولة في مصر

ويحفل أدب مصر القديمة بما يسمى أدب الحكمة السياسية التي كانت تصور من خلال وصايا أحد الحكماء للملك كيف ينبغي أن يكون حكمه وأن تكون سياسته، فنجد الحكيم بتاح حتب ينصح قائلا: “إذا توليت أمر جماعة فاحرص أن تستمع للمظلوم حتى يفرغ من شكايته”.

ويقول الحكيم كاجمني وزير الملك سنفرو”الحاكم المستبد أشد شراسة من وحش مفترس”. وحرص أحد الوزراء في مصر القديمة أن يكتب على شاهد قبره “كنت أبا لليتيم وزوجا للأرملة ولم يكن في عهدي جائع”. هكذا كانت مصر القديمة وهكذا كان حكامها.

المؤرخ الأمريكي جيمس هنري برستد، وكتاب فجر الضمير

ولعل كل ما سبق هو ما دفع مؤرخًا أميركيًا عاشقًا لتراب مصر، هو جيمس هنري برستد، أن يؤكد في كتابه “فجر الضمير” أن المصريين أهدوا العالم أجمع أول نظام للأخلاقيات”.

الوسوم

تعليق واحد

  1. العداء الدينى التقليدى للحضارة الفرعونية والتخوف منها منذ الفتح الإسلامى لمصرسنة 640م والذي استمر فقط 228 سنة، جاء مرارا فى محاولات لطمس مقومات الحضارة المصرية ولكى يعظم الدخول إلى الدين الجديد. ثم جاء الخطاب الديني الذى يحض على تشكيك المصريين فى حضارتهم والفتاوى المريضة باسم الدين التى تتعمد تشويش هذه الحضارة العظيمة، بدءا من الدعوة إلى منع تدريس تاريخ الفراعنة لأنهم كفار، وأن الله لعنهم، وأنهم أهلكوا بسبب ذنوبهم، ثم الدعوة إلى تدمير كل الآثار الفرعونية حماية للناس من الشرك، وحدوتة العذاب المرير الذى شهده بنو إسرائيل على أيدى الفراعنة وما إلى ذلك، وحتى حرمان المسلمين من المصريين أن يتسمون بأسماء أجدادهم الفراعنة على أنها أسماء لكفرة، محاولات جاءت كلها غير مبررة وغير منطقية.
    لكل مصرى الحق فى أن يفتخر بمصريته وحضارته الفرعونية العظيمة التى ساهمت فى إرساء كل الحضارات اللاحقة وكانت منارة للعالم أجمع.

إغلاق