فن

سيمفونية العقل والوجدان .. في رحاب سليم سحاب (1 من 3)

هو على الحقيقة كتلة شغف متحركة، أعترف أني تعلمت منه أن الشغف هو روح الحياة، والولع بالموسيقى هو روح تلك الروح، ولعه بالموسيقى تجرعه منذ كان يرضع لبن أمه، ونشأ وكبر وتربى “مايسترو” المستقبل في بيت لا ينقطع فيه صوت الموسيقى، إلا ساعات النوم، قالوا إن “بذوره” الموسيقية ألقيت في أرضه حين كان عمره خمس سنوات، لكنه يعود بالأمر إلى وقت كانت أمه تحمله وهناً على وهن، يقول:” كانت شغوفه بسماع الموسيقى، لما “تتوحم” ما كانت تطلب أكل، كانت تطلب اسطوانات محمد عبد الوهاب.

كنت تعرفت قبله على أخيه الأكبر المفكر والكاتب السياسي اللامع إلياس سحاب[i]، ثم تعرفت من خلاله على أخيه الأصغر فيكتور سحاب المؤرخ والناقد [ii]الموسيقي الشهير وحين كانت تجمعنا مع أصدقاء آخرين (مفكرين وكتاب وصحفيين) جلسات وسهرات في ليل القاهرة العامر، كانت المتعة الخالصة تهيمن على الأجواء، نقاشات جادة متعددة المواضيع، تبدأ بالسياسي والوطني والعروبي وتنتهي بالموسيقى والغناء، ويتخللها فواصل من النكات التي يتقن المايسترو إلقاءها، ويحتفظ بمفكرة صغيرة في جيبه فيها مفاتيح النكت، أو الكلمات الافتتاحية التي تذكره بالنكتة، ويبدو أنها مفهرسة بحسب الموضوعات، حيث يلقي النكتة ثم يتلوها بتنويعات أخرى على نفس الوتيرة أو نفس الموضوع، وهو يقسم النكت إلى “نكتة مؤدبة”، وأخرى “نكتة حلوة”.

كان هو الوحيد من بين جميع “الفنانين” الذين تعرفت عليهم أو اقتربت منهم الذي أقدمت على إجراء حوار مطول معه، لم أفعلها مع أحد قبله، ولا من بعده، أعترف أن أكثر ما شدني للجلوس إلى المايسترو سليم سحاب أنه رغم كونه عَلَماً في دنيا الموسيقي العربية، إلا أنه قبل ذلك مثقف رفيع المستوى، في مكتبته ببيته وجدت المراجع الموسيقية متناثرة ضمن موسوعات الأدب والفكر والتاريخ، وهو قارئ متذوق للشعر، ومن أقرب الشعراء إلى قلبه “أبو الطيب المتنبي” و”الأخطل الصغير”، و”طرفه بن العبد” و”جبران خليل جبران”، ويحفظ شعر “الخنساء”، ويطلع بعمق على تاريخ البشرية، ويعجبه “أرنولد توينبي”، ويقرأ  لروجيه جارودي وفكتور هوجو، وقراءاته الحرة  في السينما، ومكتبته المتنوعة بالموضوعات متعددة أيضاَ باللغات، إلى جانب العربية، فيها المؤلفات “الفرنسية” و”الإنجليزية” و”الروسية” التي يجيدها جميعاً.

ولم تكن مفاجأة لي أن أجد “القرآن الكريم” يتصدر مكتبته إلى جانب “الإنجيل”، وقبل أن يخرج السؤال من بين شفتي يبادر فيقول باعتزاز وفخر:

ـ ذلك أني عربي، وابن الحضارة الإسلامية، وهي انتمائي، وهي الأساس الذي بني عليه تكويني منذ الطفولة، وأظن أن التزامي العروبة وثقافتها ومحبة الإسلام وحضارته، صنعته نكبة فلسطين واختلاط الدم في عروقي، وتلك السبيكة الثقافية التي نشأنا عليها، فإلى يميني خال فلسطيني، وإلى يساري عم لبناني، وكان جدي لأمي يروي لنا الشعر العربي، ويخط لنا أبياتاً على ورق، بقصب وحبر صيني، بخط الثُلُث أو الديواني، وحين تحب هذه الأمور صغيراً، تصبح أثمن ما لديك في نظرك، ويصير الدفاع عن هذه الثقافة قضية لا تملك الفكاك منها، مهما حاولت، لأنها تصير طبيعة ثانية في داخلك.

يعود إلى الموسيقى فيقول بحماس ظاهر: هناك علاقة وطيدة بين التراث الإسلامي والتراث الموسيقي العربي، هي على الحقيقة علاقة أم بولدها، فالغناء العربي هو ابن مدرسة التجويد القرآني، وليس من قبيل الصدفة أن يكون سيد درويش شيخ، ومحمد القصبجي شيخ، وسلامة حجازي، وأم كلثوم بنت شيخ، ورياض السنباطي ابن شيخ، وعبد الوهاب ابن شيخ، حتى الشيخ سيد مكاوي، وتحضرني هنا مقولة زكي ناصيف[iii]: “الصوت غير المقرأن ما يغني عربي”، ويقصد بالطبع الصوت المدرّب على النفس الطويل الذي يتطلبه التجويد القرآني، الصوت الذي نشأ على النطق الصحيح، وأتقن منذ الصغر فن مخارج الألفاظ.

زكريا أحمد

حين التقيته في محاولة للتفتيش في ذاكرته الفنية كان يسكن ساعتها في “شارع زكريا أحمد” بوسط مدينة القاهرة، قلت له معلقاً: قد تكون صدفة أن تسكن في شارع مسمى باسم الفنان الراحل الكبير زكريا أحمد، ولكنها بالتأكيد صدفة صادفت موضعها.

قال بتواضع غير مفتعل: احنا فين والشيخ زكريا فين؟

أرجع به إلى الوراء وأتركه يتذكر كأنه يروي بعضاً من نفسه، وتكتشف من سرديته الخاصة أن شخصيته الفنية تكونت في سن مبكرة  ـ كجميع الموسيقيين اللبنانيين من أبناء جيله ـ على الموسيقى المصرية، في ذلك الوقت لم يكن هناك موسيقى محترفة غير المدرسة الموسيقية المصرية، ولم تكن هناك وسيلة إعلام تصل إلى أقطار الوطن العربي كله إلا الإذاعة المصرية، ولم يكن هناك أفلام عربية غنائية أو غير غنائية إلا الفيلم المصري، وحتى المدرسة الموسيقية اللبنانية الحديثة التي ظهرت من الأربعينات مع حليم الرومي وفيلمون وهبي ونيقولا المني وخالد أبو النصر وغيرهم، تبلورت في الخمسينات وانطلقت عربياً مع الأخوين رحباني وزكي ناصيف وعفيف رضوان وتوفيق الباشا وباعتراف هؤلاء جميعاً فإن هذه المدرسة هي الابن الشرعي للمدرسة الموسيقية المصرية.

سليم سحاب بدوره ابن هذه المدرسة، وإضافة إلى كونه من مواليد فلسطين عاش في لبنان، جعلته هذه التعددية في الانتماء يتشوق إلى التعرف على اللهجات الموسيقية المحلية في كل الأقطار العربية.

عروبته متجسده في شخصه وفي أفكاره ومعتقداته وهو يؤمن بأن الوجدان هو الخط الوحدوي الأخير الذي يربط بين الشعب العربي في كل مكان، يقول لي: ” وهو آخر ما تبقى لنا من عناصر الوحدة، ولعلك تلاحظ أن التقسيم السياسي الذي فرض على البلدان العربية بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية لم يستطع أن يكرر نفسه بتقسيمات ثقافية موازية، ولن ينكر أي شخص موضوعي أن مشكلات سياسية كبيرة طرأت في فترة الاستقلال بين الدول العربية، ولكن وحدة الوجدان في الثقافة العربية عموماً، وفي الموسيقى خصوصاً، ظلت حتى يومنا هذا تفرض نفسها في العمق متجاوزة كل الحواجز السياسية الطارئة.

حين قلت: ربما يبدو هذا كلام نظري خاصة أننا نشهد انحيازات غنائية على الساحة العربية يقف بعضها في مواجهة البعض الآخر، قاطعني وهو يؤكد أنه لا يتحدث عن عراك المغنين وقال: أنا معني بالدرجة الأولى بالوجدان الشعبي العربي العام، وبعيداً عن النظريات هناك تجربتان شخصيتان مررت بهما تختصران أية ملاحظات نظرية يمكن طرحها في هذا المجال:

أم كلثوم

التجربة الأولى حدثت في باريس عندما كنت أقوم برحلة فنية على رأس فرقة بيروت للموسيقى العربية وكنا نستقل حافلة لزيارة قصر فرساي في ضواحي باريس. وكان أعضاء الفرقة يشغلون مقاعد القسم الخلفي من الحافلة فجأة انطلقت إحدى منشدات الفرقة تغني “على بلد المحبوب وديني”، وفجأة أيضاً لمحنا امرأة شابة تقف قرب باب الحافلة ووجهها مليء بالانفعال (لم نفهم هل هو إيجابي أو سلبي) وقبل أن تنزل التفتت إلينا (وكنا نظنها فرنسية) وصاحت بنبرة عالية مفعمة بالشجن والحنين والانفعال وبلهجة مغربية واضحة رافعةً يديها إلى أعلى: “ربنا ينصركم، ربنا ينصركم”.

دلالات الحادثة أعمق من أي كلام:

– الأغنية من مصر (أم كلثوم ورياض السنباطي).

– المنشدون من لبنان (فرقة بيروت للموسيقى العربية).

– المستمعة مغربية تعيش في الغربة.

– أرض الواقعة فرنسا بعيداً عن الوطن العربي بآلاف الكيلو مترات.

وبرغم كل هذه العناصر المختلفة ظاهرياً تحولت الأغنية إلى سلك كهربائي يحمل لغة وجدانية واحدة بيننا وبين المرأة المغربية، تطلق لديها ما يتجاوز بكثير مجرد النشوة الفنية فتحرك أعماق مشاعرها القومية والسياسية وربما أشجانها الشخصية الخـاصـة وعواطفها الدينية.

وبعد فهل نحتاج إلى أدلة أخرى لإثبات دور الموسيقى في وحدة الوجدان العربي؟

ـ التجربة الأخرى ما تزال ماثلة عند تقديمي بعض الموشحات والأغنيات العربية وقد لاحظت ولاحظ معي كل أعضاء الفرق التي قدتها أن بعض ما نقدمه يثير انفجاراً انفعالياً لدى الجمهور في مختلف البلدان العربية من الخليج إلى المحيط، وفي المقاطع الموسيقية الغنائية نفسها يُترجم بتصفيق مفاجئ في وسط الأغنية، هذا الانفجار وجدته نفسه في الجمهور العربي الذي حضر آخر حفل لي في مدينة واشنطن الأمريكية، ولا أزيد أكثر.

محمد عبد الوهاب

هل للعرب موسيقى كلاسيكية، طرحت السؤال مستفهماً، ولكنه سارع بالإجابة متحمساً كأنه توقعه مني، فقال على الفور:

ـ رجعت إلى خمسة مراجع في ثلاث لغات هي الإنجليزية والفرنسية والروسية لتعريف معنى “الكلاسيكية”، وكلها تجمع على أنها أعمال أدبية وفنية نموذجية فذة ومتعارف عليها عموماً ولها قيمتها الفائقة في الحضارة القومية أو العالمية، وهو تعريف مجمع عليه ويطابق في كل تفاصيله الموسيقى العربية التي يسمعها الجميع كلاسيكية أي الموشحات والقصائد والأدوار والمواويل والمنولوجات والحواريات والطقاطيق والمعزوفات الآلية التي لحنها أرباب الموسيقى العربية وبقيت مع مرور الزمن لأنها تملك قيمة ثابتة ولأنها ذات أشكال محددة ولأنها مطابقة للقواعد التي وضعها الأقدمون ولأنها بفضل كمالها الفني أصبحت مثالاً يحتذى، ولأنها تعتبر مثلا في نوعها، ولأنها مطابقة للمثال الأعلى وللقواعد ولأنها أعمال موسيقية نموذجية فذة ومتعارف عليها عموماً ولها قيمتها الفائقة في حضارتنا القومية ولأنها أخيراً الذخيرة الذهبية للموسيقى القومية للشعب العربي، وهو أمر متفق عليه في مجمع الموسيقى العربية، وفي المؤتمرات الموسيقية الدولية ابتداءً من مؤتمر القاهرة الدولي سنة 1932 الذي أسهم فيه كبار موسيقيي وعلماء القرن العشرين في الغرب إلى جانب كبار الموسيقيين والعلماء العرب. وأخيرا، فالسؤال الذي أتوجه به إلى من ينكرون وجود موسيقى كلاسيكية عربية: ماذا تسمون هذا التراث الهائل من الموسيقى الذي وصل إلينا عبر الزمن ولا يزال يعيش في وجداننا؟

هذا الرجل المنفعل دائماً لن تجده في كل أحواله إلا العازف الماهر لسيمفونية رائعة على وقع هذه الجدلية المقيمة داخله بين العقل والوجدان.

[i] له العديد من الكتابات والمؤلفات في السياسة وفي النقد الفني لكنه آثر جمع كتاباته الموسيقية في كتب وأبحاث صدر منها:

ـ “دفاعاً عن الأغنية العربية”، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980، “الفكر السياسي الفلسطيني بعد عام 1948″، “القضية الفلسطينية” 1990، الموسوعة الفلسطينية ـ المجلد الثالث، “الموسيقى والغناء في فلسطين”، بالاشتراك مع سليم سحاب، 1990، الموسوعة الفلسطينية ـ المجلد الرابع، “موسوعة أم كلثوم ـ السيرة والأغاني”، بالاشتراك مع فكتور سحاب، 2003، في ثلاثة مجلدات عن (موسيقى الشرق).

[ii] له أكثر من 20 كتابا معظمها في تاريخ أديان المشرق العربي، وفي تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة، منها:

“عن القومية والمادية والدين” (1980 المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، “من يحمي المسيحيين العرب؟” 1981 دار الوحدة، “ضرورة التراث” 1984 دار العلم للملايين، “وحدة المجتمع في الإسلام” 1984 دار العلم للملايين، “العرب وتاريخ المسألة المسيحية” 1986 دار الوحدة، “السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة” 1987 دار العلم للملايين، أطروحة ماجيستير في التاريخ، أطروحة دكتوراه دولة في التاريخ، “موسوعة أم كلثوم” 2004 دار موسيقى الشرق، مع الياس سحّاب، 3 مجلدات.

[iii] زكي ناصيف (4 يوليو 1916 -10 مارس 2004)، شاعر ومغني وملحن لبناني. من الرعيل الأول من الملحنين اللبنانيين الذين واكبوا نهوض إذاعة لبنان في أربعينات القرن العشرين، وماتزال أعماله مؤثرة في الموسيقى الشعبية اللبنانية، قدّم أكثر من 500 أغنية ولحن وغنّاها بصوته أو بأصوات عدد كبير من المطربين، وصف على نطاق واسع بأنه أحد ركائز التجديد في الغناء والتلحين.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق