ثقافة

العالم الأزهري الذي حلل أغنيات عدوية

في مطلع العام 1984 أصدر حزب التجمع مجلته الثقافية ” أدب ونقد “.

تأمل أولًا أن حزبًا سياسيًا معارضًا فقير الإمكانيات يكون معنيًا بإصدار مجلة ثقافية. ثم تأمل ثانيًا هيئة تحرير المجلة: رئيس التحرير، الأستاذ الدكتور “الطاهر أحمد مكي”، مدير التحرير، الكاتبة “فريدة النقاش”، مستشارو التحرير، الأستاذ جمال الغيطاني والدكتور عبد العظيم أنيس والدكتورة لطيفة الزيات والشاعرة ملك عبد العزيز.

هكذا كان حالنا فواصل تأملك.

الدكتور السعيد محمد بدوي

في العدد الأول من المجلة وجدت مقالًا لم أكن قد سمعت بكاتبه من قبل.. عنوان المقال “الأغنية المعاصرة جنس أدبي جديد”.. كاتبه الأستاذ الدكتور السعيد محمد بدوي.

كنت وأنا دون العشرين من عمري أتابع بشغف ليس فوقه شغف مقالات الدكتور السعيد، كانت المقالات تأخذني إلى سماوات من الفنون الصافية  ، فن الكتابة وإحكام صنعتها وفن التذوق وفن السيطرة على المادة وفن رهافة حس الكاتب وكيف يلتقط أدق تفاصيل الأغنية ثم يعرضها من زاوية لم يلتفت إليها أحد قبله.

ثم في حمى تلك السعادة توقفت المجلة عن نشر المقالات التي هى دروس  جليلة  يلقيها عالم فنان أو فنان عالم.

الدكتور محمود الربيعي

ثم كتب الله لي شرف اللقاء بالعالم الدكتور محمود الربيعي نائب رئيس مجمع اللغة العربية وهو شقيق قلب وتوأم روح السعيد، كان اللقاء في مكتب الدكتور الربيعي بالجامعة الأمريكية.

بعد قليل من بدء اللقاء دخل علينا رجل بشوش رحب به الدكتور الربيعي ثم قدمني إليه وقدمه لي قائلًا:”هذا حبيبنا الدكتور السعيد محمد بدوي“.

قالها كأن الأمر من الأمور العادية التي تحدث كل يوم، قالها وهو لا يعلم أنه يقدم لي أحد أبطال شبابي.

سلمت على الرجل البشوش وودت لو قبّلت يده فهكذا أصنع مع مشايخي، ولكن بشاشته أخجلتني.

قلت له:”هلا تكرم سيدي وجمع دراساته عن الأغنية في كتاب ؟”

قال بهدوء :”قد أفعل إن شاء الله”.

ثم غادرنا الرجل البشوش إلى قاعة دروسه وبقيت مع الدكتور الربيعي لا نتحدث إلا عنه.

ولد الدكتور السعيد بمحافظة الشرقية في الخامس من يوليو من العام 1929.

رحل ـ رحمه الله ـ في السادس من أكتوبر من العام 2014.

وما بين مولده ورحيله حفظ القرآن الكريم وهو ابن العاشرة، وتعلم في الأزهر الشريف حتى الثانوية ثم ألتحق بدار العلوم، وكانت معهدًا عظيمًا من معاهد العلم، وحاز شهادتها العليا ثم حصل على الماجستير والدكتوراه، وأمضى عمره ما بين التدريس وتأليف العظيم من الكتب التي تناول فيها أدق تفاصيل لغتنا، مقدمًا طرق علاج الأمراض التي تنهش جسد لغاتنا.

مرت سنوات على مقابلتي اليتيمة بالدكتور السعيد، حتى كنت في زيارة للدكتور الربيعي وكالعادة ذكر بكل محبة صديق عمره وأهداني كتابه عنه ” في صحبة السعيد بدوي”.

شكرته على الكتاب الذي أظن أنه نشره على نفقته الخاصة تكريمًا لصحبة العمر، ثم سألته عن مقالات الدكتور السعيد عن الأغنية، فقام الرجل إلى مكتبته وقدم لي كتابًا فخمًا يحمل عنوان: “بحوث لغوية وتربوية في قضايا العربية المعاصرة”. والكتاب صادر عن دار السلام للطباعة والنشر بالقاهرة.

قال الدكتور الربيعي: هنا تجد المقالات التي تسأل عنها.

كدت أضم الكتاب إلى صدري ولكن خشيت الوقوع في فخ المبالغة تحت عين الدكتور الربيعي.

أعادتني قراءة المقالات إلى ما كنت عليه قبل ثلاثين سنة من شغف وتفاعل.

المقالات بحث دقيق متشعب في الأغنية (المصرية / العربية) ومكانتها ومشاكلها.

بداية يقرر الدكتور السعيد أن الأغنية هى جنس أدبي قائم بذاته، هى ليست شعرًا ولا زجلًا كما أنها ليست قصة ولا رواية ولا مسرحية ولا مقالة، إنها جنس يحتوي ما سبق من أجناس ثم يتفوق على الجميع بتعامله الحي المباشر مع وجدان المتلقي.

لا أظن أحدًا من العلماء قد أنزل الأغنية هذه المنزلة العالية إلا ابن خلدون رحمه الله الذي قال في مقدمته عن صناعة الغناء:”هي آخر ما يحصل في العمران من الصنائع وأول من ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه”.

والمعني بتعبيرنا المعاصر هو أن الغناء الحق لا يكون إلا بعد قيام الحضارات وتمكنها ورسوخها، وعندما تبدأ الحضارات في الضعف فإن الغناء يسبقها إلى الضعف والهوان.

السعيد كتب عن الأغنية من هذه النقطة المركزية، فلم ينظر إليها وهو العالم الأزهر الجليل واللغوي النادر نظرة الاحتقار والاستهانة. السعيد كأنه بستاني ماهر محب يتعامل مع أوراق وردة كانت نضرة ثم ذبلت، إنه ينفخ فيها من روحه لعل الحياة تعود إلى أوصالها المتيبسة.

بعد أن يقرر السعيد جنس الأغنية المتفرد، يتناول أضلاعها الأربعة، الصوت واللحن والكلمة والجمهور.

لعل كلام السعيد عن الجمهور هو أنضج كلام كتب في هذا المضمار، إنه يجعل الجمهور ضلعًا من أضلاع مربع الأغنية، بل الضلع الذي يهب الأغنية حياتها.

ثم يتعرض السعيد لدور الكلمة في صناعة الغناء ويفصل ذلك الدور تفصيلًا ويثني على كُتّاب الأغنية الذين لعبوا دورًا خالدًا في توحيد أمة العرب في ساعات نهضتها أو نكبتها.

يقرر السعيد أن الأغنية والأغنية وحدها هى التي قدمت التعبير الكامل عن وجدان الأمة في عصرها الحديث فلم يمر حدث عظيمًا كان أم بسيطَا إلا وتناولته الأغنية من ثورة عرابي باشا حتى نكبة صابرا وشاتيلا.

في السياق ذاته يفند  السعيد مزاعم الذين  يقولون إن الأغنية الشعبية هى أغنية جنسية، ويضربون بأغنية عدوية الشهيرة “السح الدح أمبو” المثل.

يقول الدكتور السعيد إن الإيحاء الجنسي موجود بوفرة في عيون الأغنيات العربية خاصة القصائد منها، ويستشهد على ذلك بعملين لهما ما لهما من مكانة عند الجمهور والنقاد.

العمل الأول هو أغنية ” أيظن ” وهى من شعر نزار قباني وغناء نجاة الصغيرة وألحان محمد عبد الوهاب.

يتوقف السعيد عند المقطع الذي تقول كلماته:

حتى فساتيني التي أهملتها

فرحت به رقصت على قدميه

يشرح الدكتور سعيد دليله قائلًا: المستمع البريء لن يلتفت للفظة “أهملتها” ولكن عندما يجد الفساتين تفرح وتلقي بنفسها على قدمي الحبيب فسيعرف أن أهملتها هي “خلعتها”!.

والإيحاء في ذلك قائم بل ويكاد يكون مكشوفًا.

الدليل الثاني هو أغنية “لا تكذبي” من شعر كامل الشناوي وألحان عبد الوهاب وغناء نجاة.

يتوقف السعيد عند المقطع الذي يقول:

“عيناك في عينيه

في كفيه

في شفتيه

في قدميه”.

في تلك الأغنية الإيحاء أوضح من أن يتناوله أحد بالتصريح، ولكن مقدرة الشاعر جعلته يتمكن من ستر المعنى بغلالة من الفن الهامس الرقيق.

ثم يمضي الدكتور السعيد غير مفلت أغنية من الأغنيات التي لها مكانة عند الجمهور إلا وقد تناولها بالشرح والتفسير عارفًا بمقام لحنها وبدرجات صوت مغنيها ومتوقفًا عند قدرات كاتبها الشعرية.

أختم مقالي مترحمًا على الدكتور السعيد الذي رحل قبل أن يرى صناعة الغناء وهى تتردى في مستنقع صوت امرأة  تغني “أنا عندي ظروف”!.

 رحل قبل أن يسمع إحداهن تقول لحبيبها “بص أمك”!.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق