منوعات

عبد العزيز جاويش.. رحلة قلم من السجن إلى المنفى

ربما لم يعرف تاريخ الصحافة المصرية كاتبًا قضى أكثر سنوات عمره في معاداة استبداد الاحتلال والقصر والحكومات المهادنة، مثل الشيخ عبد العزيز جاويش، رئيس تحرير جريدة اللواء، لسان حال الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم مصطفى كامل، فالرجل الذي مات وليس عليه غير جبته، وليس في بيته قرش عاش سنوات عمره ما بين الحبس والمطاردة والنفي بسبب دفاعه عن الاستقلال والحرية.

كان جاويش من ثمار النهضة التي ظهرت بوادرها في نهاية القرن التاسع عشر، ولد في عام 1876 حين كان جمال الدين الأفغاني يؤسس مدرسته، فما أن تفتح وعيه حتى وجد البلاد ترزح تحت نير الاحتلال.

الإمام محمد عبده

التحق جاويش بالدراسة في الأزهر ودار العلوم وعاش أيام مابعد وقوع الاحتلال حين بدأ صوت الشيخ محمد عبده يدعو إلى الاصلاح الاجتماعي والتربية وصوت مصطفى كامل يدعو إلى الوطنية، ومن هذين المعينين تكون ونما وبدأت حياته العريضة القصيرة التي عاش أغلبها منفيا وسجينا وأقلها مناضلا فيما اعتقد أنه الحق، بحسب ما ذكره الكاتب أنور الجندي في كتابه “عبد العزيز جاويش.. من رواد التربية والصحافة والاجتماع”.

الجندي قال في كتابه الصادر عام 1965 أن جاويش كان عنيفًا إذا أحب، وعنيفًا إذا أبغض، لم يكن رجلًا سياسيًا فيه مكر الساسة ودهاؤهم، بل كان صادق الإيمان مع نفسه قوي العاطفة، مات وليس عليه غير جبته وليس في بيته قرش، علما بان الطريق كان مفتوحا أمامه لأن يكون علما ثريًا بعدما بلغ أرقى المناصب، وتركها غير آسف، ليعمل في مجال الصحافة الملئ بالمتاعب والأشواك.

في حضرة محمد عبده و”المؤيد”

انتقل جاويش في سن مبكرة من الإسكندرية إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف، ثم التحق بمدرسة دار العلوم، وتخرج منها عام 1897، وأتيح له في هذه الفترة أن يلتقي الشيخ محمد عبده فحضر مجالسه في عين شمس واتصل به عن قرب وأحبه وارتبط به. وفي حضرة محمد عبده  تعرف على مصطفى لطفي المنفلوطي، وحافظ إبراهيم، ورشيد رضا، ومصطفى عبد الرازق.

كما اتصل بالشيخ علي يوسف صاحب جريدة “المؤيد” التي كان يكتب فيها في ذلك الوقت مصطفى كامل، والتقى فيها بشباب الحركة الوطنية ومنهم سعد زغلول، والشيخ توفيق البكري، وعبد الكريم سليمان، وفتحي زغلول، وقاسم أمين، وإسماعيل أباظة.

بعد أن حصل على إجازة من دار العلوم تم تعيينه مدرسًا للغة العربية في مدرسة الزراعة، ثم بُعث إلى إنجلترا ليدرس طرق التدريس والمناهج في جامعة برورورد. كتب بعد البعثة: ذهبت إلى تلك الديار فوجدت الناس متمسكين بدينهم فزادوني تمسكًا بديني، رأيتهم شديدي الحرص على لغتهم فزادوني حرصًا على لغتي، أبصرتهم يتفانون في الدفاع عن بلادهم ويحرمون على الأجانب الاستيلاء على بعض شؤونهم أو التصرف في أموالهم ورقابهم فأخذت أحاكيهم في هذه البلاد (بلادنا) السيئة الحظ بالاحتلال وأشياعه».

دفاعه عن القرآن

وبعد عودته تم تعيينه مفتشًا في وزارة المعارف عام 1901، ثم عاد لتدريس اللغة العربية في جامعة أكسفورد ببريطانيا وأمضى نحو 7 سنوات أخرى في بلاد المحتل.

ألغى الإنجليز بعثات وزارة المعارف من مدرسي اللغة العربية إلى جامعات إنجلترا بعد ما لمسوه من جاويش، الذي عاد ليخوض معركته ضدهم بسيف التعليم والثقافة، وكتبت “الإيجبيشان جازيت”: “ربما كان من فائدة إلغاء الإعانة وعدم إمداد نظارة المعارف بمدرسي اللغة العربية في جامعات إنجلترا ألا يعود منها رجال شديدو العداوة والكراهية ومن ألد خصوم إنجلترا كالشيخ جاويش”.. فرد جاويش: “ونحن نقول للجازيت إنها أخطأت فيما نشرت، فإن سفر المصريين إلى بلاد الإنجليز لا يجعلهم أعداء للإنجليز ولكن للاحتلال وللمحتلين”.

وقع عليه الاختيار كعضو في مؤتمر الاستشراق الذي عقد بالجزائر عام 1905م حيث كتب المستشرق الألماني فولرس وكان يعمل مديرًا لدار الكتب المصرية بحثًا تقدم به إلى المؤتمر يطعن في بلاغة القرآن. فانبرى الشيخ جاويش للرد عليه وفند أدعاءاته بحجج أبهرت الحضور، مبينًا كره المستشرق الألماني  للغة العربية وجهله بها وببلاغتها.

وخسر المستشرق المعركة وطالب بأن يتم سحب بحثه من ملفات المؤتمر على أن يقوم الشيخ بسحب ردوده أيضا، ووافق الشيخ ووافق المؤتمر على ذلك، وهو ما أثار إعجاب الزعيم محمد فريد أحد حضور المؤتمر فطلب منه ترأس تحرير جريدة اللواء.

محطة “اللواء”

هنا بدأت حياة جاويش الصحفية، ملأ خلالها الدنيا وشغل الناس بأرائه الجريئة وأسلوبه العنيف وحملاته النارية على الاستعمار والاستبداد، فقدم للمحاكمة ثلاث مرات وأحيل للتحقيق أربع مرات وسجن مرتين.

جمال الدين الأفغاني

لم يقف عند المطالبة بالجلاء والدستور والحياة النيابية واطلاق الحريات العامة، لكنه وسع قاعدة العمل وطرح قضايا التنوير والتعليم والمرأة والأسرة وحقوق العمال ومحو الأمية في العالم العربي والإسلامي، وكأنما هو خليفة جمال الدين الأفغاني في معالجته لقضايا العالم الإسلامي ووريث محمد عبده في حلوله لمسائل الإصلاح الاجتماعي والتربية، وفقًا للكاتب أنور الجندي.

كانت “اللواء” قبل جاويش وبعده هي الصحيفة الوحيدة التي يحسب الاحتلال حسابها فهي جريدة وطنية لم يستطع الاستعمار إغواءها أو إخضاعها، فضلا أن لها قاعدة من الجمهور الشعبي الوطني العريض.

ودع مصطفى كامل الدنيا في فبراير 1908، وعرض محمد فريد على جاويش ترأس تحرير “اللواء” فترك وظيفته بوزارة المعارف ورفض عرض سعد زغلول – وزير المعارف- بالاستمرار وكتب مقاله الأول في افتتاحية “اللواء” في 3 مايو 1908: «بعونك اللهم قد استدبرت حياة زادها الجبن وخدر العزيمة ومطيتها الدهان والتلبيس في أسواقها النافقة نشتري نفيسات النفوس بزيوف الفلوس وتباع الذمم والسرائر بالابتسام وهز الرؤوس، وبسمك اللهم أستقبل فاتحة الحياة الجديدة، حياة الصراحة في القول، والجهر بالرأي، حياة الاستماتة في سبيل الدفاع عن البلاد العزيزة .. فإما الصدر و إما القبر موقنا بما أعد الله لعباده العاملين المخلصين من الظفر والفتح المبين، عارفًا أن الحي لا يموت إلا مرة، والموت أحلى من حياة مُرة”.

لم يكد جاويش يمضي في طريق معاداة الاحتلال وتثوير الناس عليه حتى ضاق به الإنجليز، فوضع تحت المراقبة الشديدة وقدم للنيابة وحوكم وسجن.

من”اللواء” إلى “العلم”

اختلف جاويش مع ورثة “اللواء” فانتقل إلى “العلم” وواصل فيها افتتاحياته النارية حتى تم تعطليها في مارس 1910، فتنقل بين صحف “العدل” و”الاعتدال” و”الشعب”.

كتب في “العلم”: “ألا تعز الأرواح على أصحابها، فإن من عزت روحه هانت عليه نفسه، ومن عزت نفسه كانت روحه أهون الأشياء عليه”. وعن دوره هو ورفاق الصحافة والوطنية قال: “نحن لا نقبل أن نباع بيع السلع في الأسواق، نحن لا نصبر على العسف والجور”.

وعندما هاجمت ايطاليا طرابلس الغرب، حول جريدة العلم إلى صيحة مدوية تطالب العالم الإسلامي كله بالتقدم والتطور والتبرع بالمال، “النجدة النجدة إيها المسلمون فأنكم إذا تباطأتم فأنه لا مطمع لكم بعد دولتكم في الحياة.. إن لم تفعلوا اليوم فليأتين يوم فيه تشردون عن أوطانكم وتصادر أموالكم..”. وذكرت بعض المراجع أن جاويش قاد حملة تبرعات لشراء أسلحة للمقاومة الليبية وتواصل مع قادتها سنوات طويلة.

قانون المطبوعات

وعندما أعاد خليفة كرومر، اللورد الدون جورست، العمل بقانون المطبوعات في مارس 1909 وأجاز للحكومة إغلاق الصحف وتعطيلها بدون إجراءات قضائية وألغى الضمانات والحقوق التي كان يتمتع بها الصحفيون وجعل محاكمتهم تتم على درجة واحدة فيحالون إلى “الجنايات” مباشرة ليكون الحكم فيها نهائيا، كتب صاحبنا مقاله “أيها القلم”: أيها القلم استلانوا عريكتك واستهانوا بقوتك فمدوا إليك يدا مجرمة ما كان أولاها أن تقطع، كفروا بنعمتك وأنت جميل الغرض نبيل المقصد”.

وقال في “اللواء”: “أن غاية ما تستطيع الحكومة فعله هو أن تكمم الألسنة عن الكلام، وتمنع الكلام عن الصرير، والاشخاص عن الاجتماع، ولكنها لا تستطيع أن تمنع القلوب عن التقلب والعقول عن التفكير”.

وكتب في “العلم”: “أما يكف الاحتلال عما رمى به هذه الديار من النوائب، وهل ذهب عن ذاكرتنا تلك الفظائع الدنشوانية وتبديد الأموال الاحتياطية وإعادة العمل بقانون الصحافة”.

بعد سلسلة مقالاته ضد قانون المطبوعات وجهت له النيابة تهمة تكدير الأمن والسلم الاجتماعي وتأليب الرأي العام على الحكومة وحكم عليه بالسجن.

بطرس باشا غالي

وفي ذكرى دنشواي، بعد أن صار رئيس محكمة دنشواي بطرس باشا غالي الذي أمر بتعليق المشانق للفلاحين قبل أن تنطق المحكمة هو ذاته رئيسا للوزراء، وصار فتحي زغلول عضو المحكمة وكيلا لوزارة الحقانية، فكتب جاويش يقول: “سلام على أولئك الذين كانوا في ديارهم آمنين فنزل بهم جيش الشؤم والعدوان فأزعج نفوسهم وأحرق حصادهم وسيقوا في السلاسل والأغلال ثم صلبوا على مرأى ومسمع من زوجاتهم وأمهاتهم وعيالهم.. سلام على تلك الأرواح الطاهرة التي انتزعها بطرس غالي رئيس المحكمة من أجسامها كما ينتزع الشوك من الحرير فقدمها قربنا إلى ذلك الجبار الظالم الغاصب القاهر القائم في بلادنا”.

الوسام الوطني

ويقال أن جاويش هو من أطلق على إبراهيم الهلباوي ممثل الإدعاء في محاكمة دنشواي لقب “جلاد دنشواي”.. اُتهم جاويش بإهانة رئيس الوزراء ووكيل الحقانية وقدم للنيابة العامة وحكم عليه بالسجن 3 شهور دون أن يتمكن من الطعن بسبب إعادة العمل بقانون المطبوعات.

وبعد أن خرج من سجنه اُستقبل استقبالا شعبيا، وأهدى إليه ممثلو الطوائف “الوسام الوطني” وهو نيشان من الذهب الخالص، في احتفال حضره عدد كبير من الشخصيات الوطنية والقيادات الشعبية.

قدم للمحاكمة للمرة الثالثة في 1910 بتهمة كتابة مقدمة ديوان “وطنيتي” للشاعر علي الغاياتي، وتم اتهامه بتمجيد القصيدة التي جعلت من قاتل بطرس غالي –الورداني- بطلا، وتم اتهامه بالحض على القتل والكراهية وسجن 3 شهور. وكان قد أحيل للتحقيق في قضية اغتيال بطرس باشا غالي لما عرف بصلته بالمتهم إبراهيم الورداني أحد شباب الحزب الوطني والذي تغنى باسمه الشعب المصري.

الهجرة إلى تركيا

بعد سنوات من السجن والرقابة والتضييق، هاجر إلى تركيا، وأصدر صحيفة “الهلال العثماني” في اسطنبول عام 1912، وتم اتهامه بتكوين مجموعة ثورية، تهدف إلى قلب نظام الحكم في مصر، وطلبت مصر تسلمه، فتم ترحيله إلى الاسكندرية واحتجز في سجن الحضرة وحقق معه النائب العمومي عبد الخالق ثروت، وبعد حجزه شهرا في السجن، أخلي سبيله بعد أن أثبت ألا صلة بينه وبين المنشورات المحرضة على الإطاحة بحكم أسرة محمد علي، وطُلب منه المغادرة بشكل غير رسمي، باعتباره شخصا غير مرغوب فيه، فعاد إلى الاستانة وأصدر جريدة “الحق يعلو”.

وبعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى هاجر إلى ألمانيا وعانى ظروفا مالية صعبة، أضطرته إلى الاحتطاب في الغابات ليحصل على ما يسد رمقه في الغربة. ثم عاد إلى تركيا بعد أن استقرت الأمور وبدأ عهد  كمال أتاتورك الذي أمر بتعيين جاويش رئيسا للجنة الشؤون الإسلامية بأنقرة، وعرض عليه بعد ذلك أن يعينه شيخا للإسلام في تركيا، وفقا لبعض المصادر، إلا أن صاحبنا توجس من أتاتورك وتوجهاته، فقرر الهروب من أنقرة والعودة إلى مصر.

الرحلة الأخيرة

 بعد عودته إلى مصر ظل متخفيا فترة  حتى تمكن بعض أصدقائه أن يرتبوا له أموره، وظهر على سطح الأحداث مرة أخرى، وخاض انتخابات دائرة الجمرك في الاسكندرية ضد جلاده وزير الداخلية السابق محمد سعيد باشا رجل الوفد الذي أمر بالقبض عليه وأمر بإغلاق صحف الحزب الوطني، وخسر جاويش الانتخابات كما خسر معظم مرشحي الحزب الوطني أمام مرشحي “الوفد”.

سعد زغلول

وبعد واقعة الاعتداء على سعد زغلول في محطة باب الحديد من بعض الشبان ألقي القبض على جاويش وعدد من قادة الحزب الوطني باعتبارهم حرضوا على سعد، وظل مسجونا حتى 5 أغسطس 1924، بعد تلك الواقعة غادر الصحافة والسياسة واتجه إلى التعليم والاصلاح والتربية وتولى منصب مدير التعليم الأولى بوزارة المعارف حتى صعدت روحه في 25 يناير 1929.

جرافيكس: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق