رياضة

على هامش بطولة كأس العالم.. هل فقدت كرة القدم روحها؟ (1 – 2)

مع اقتراب وصول قطار كأس العالم إلى محطته الأخيرة مساء الأحد بتسليم كأس البطولة للفائز في مباراة نهائي المونديال المرتقبة بين فرنسا وكرواتيا، وبعيدا عن متعة الملايين بمتابعة منافسات البطولة الأشهر للساحرة المستديرة، تسلط الأضواء من أكثر من جهة في الوقت نفسه على ما آلت إليه أوضاع اللعبة الشعبية الأولى في العالم، وحجم الأموال التي تغدق عليها، وكيف بات الفساد يعيث في أوصالها؛ لتجيب في النهاية على السؤال الأهم: هل فقدت كرة القدم روحها الحقيقية؟

فبعد لحظات قليلة من مشاركته مع فريقه الإسباني، ريال مدريد، في إحراز الفوز على غريمه الإنجليزي، ليفربول، في نهائي دوري أبطال أوربا، لم يتحدث اللاعب الويلزي الدولي، جاريث بيل، في لقائه التليفزيوني الذي أعقب المباراة عن هدفه الفذ الذي منح فريقه زمام التقدم، أو عن تحركاته الرائعة التي شغلت حارس مرمى ليفربول وتسببت في إحراز هدف المباراة الثالث، أو حتى عن شعوره بالفخر لحصول فريقه على لقب دوري أبطال أوربا للمرة الرابعة في خمس سنوات.

بدلا من ذلك كله، أعرب بيل عن شعوره بالامتعاض نتيجة عدم مشاركته ضمن اللاعبين الأساسيين من أول المباراة، ليحول بعدها المقابلة التليفزيونية إلى ’إعلان تجاري‘، ويعلن أن مسيرته مع ريال مدريد باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأنه متاح لأي عرض يماثل ما يحصل عليه في ريال مدريد (حوالي 350 ألف دولار  في الأسبوع).

على الوتر نفسه، عزف اللاعب الأعلى سعرا في العالم، كريستيانو رونالدو، في مقابلة تليفزيونية في المناسبة ذاتها، حيث سارع بوضع نفسه في ’فاترينة‘ عرض اللاعبين إلى جوار بيل، وتحول حديثه عن المباراة إلى إعلان تجاري آخر يضمن له البقاء على عرش  اللاعبين الأعلى سعرا في العالم.

رسالة المقابلتين مع بيل ورونالدو قطعت بأنه لا يجب أن ينظر أي فريق إلى ولاء أي لاعب باعتباره أحد المسلمات.

في هذا السياق يمثل كتاب When Footballers were Skint: A Journey in Search of the Soul of Football (عندما كان لاعبو كرة القدم فقراء: رحلة للبحث عن روح كرة القدم) صرخة عميقة يطلقها مؤلفه، جون هندرسون، من عالم الكرة الإنجليزية في حقبة ما بعد الحرب، التي يصفها المؤلف بأنها كانت “حقبة إقطاعية مارست فيها الأندية الرياضية كل صنوف الاستبداد والتسلط ضد لاعبيها، وتحكمت بقوة في دخولهم وانتقالاتهم”.

انتهت هذه الفترة – وفقا للكتاب الذي نشر في مايو 2018 – على نحو عادل تماما في عام 1961، بموجب حكم قضائي أصدره القاضي ويلبرفورس في منتصف عام 1961. قبل صدور ذلك الحكم التاريخي، لم يكن الحد لأقصى للأجور في إنجلترا بوجه عام يزيد على 20 جنيها إسترليني في الأسبوع. وكان المقابل المادي الذي يحصل عليه اللاعبون الذين يلعبون للأندية الإنجليزية لا يزيد على 10 جنيهات إسترليني في الأسبوع، إضافة إلى أن اللاعب كان يُنتظر منه أداء الخدمة الوطنية لمدة سنتين، بينما كانت صفقة انتقال اللاعب من ناد إلى ناد آخر تبلغ حوالي 35 ألف جنيه يحصل عليها النادي الأصلي.

قضى هندرسون أربع سنوات كاملة في مقابلة لاعبين سابقين، مثل جورج إيستهام وكليف جونز وديف ويلان وتوني ألكوك، الذين بلغوا الآن العقد الثامن من عمرهم، ويواجهون خطر السقوط في طي النسيان.

وبينما تنطوي حكايات هذا الجيل من اللاعبين على قدر غير قليل من الإثارة والحنين إلى الماضي، خاصة فيما يتعلق بحالة التواصل العميق التي كانت تربطهم بمجتمعاتهم نتيجة سفرهم لأداء المباريات في وسائل المواصلات العامة، وحصولهم على رواتب مشابهة لما يحصل عليه مشجعوهم، إلا أن هندرسون كان فطنا بما يكفي لئلا يدع قصته تتشعب بها دروب العاطفة.

ويخلص هندرسون إلى أن هذه الفترة خلقت حالة عٌرفت بعد ذلك بـ “روح اللعبة”، التي منحتها “نكهتها الخاصة والخالصة، وأمدتها بتلك الشعبية الجارفة، وعلقت بها قلوب الجماهير في أغلب بقاع العالم”.

إضافة إلى تلك الروح، يؤكد الكتاب أن اللاعبين في هذه الفترة كانوا يتمتعون بجَلد وصلابة لم تعرفهما الأجيال اللاحقة؛ فألكوك يتحدث بزهو عن قصة تحامله على مدى “75 دقيقة في إحدى مباريات كأس الاتحاد على قدم مكسورة”.

ربما كان اللاعبون مضطرين إلى التحلي بهذا الجَلَد؛ ليس فقط لأنه لم يكن هناك بدائل يعوضون غيابهم – وهو ما جعل وجودهم في الملعب ضروريا لاستكمال العدد القانوني للفريق – وإنما لأنهم كانوا عرضة للاستغناء عنهم في أي وقت إذا ما تبين لأنديتهم أن وجودهم صار غير ذي جدوى.

ومع إلغاء نظام الحد الأقصى للأجور، شهدت دخول اللاعبين زيادة لم تتجاوز الحدود المعقولة. كان جوني هاينز أول لاعب كرة قدم يحصل على 100 جنيه إسترليني في الأسبوع، وذلك بسبب أنه تلقى عرضا غير مسبوق للعب في صفوف فريق إيه سي ميلان الإيطالي مقابل التوقيع على عقد بقيمة 15000 جنيه إسترليني، وراتب 200 دولار في الأسبوع، وليس – كما يشيع البعض – بسبب أن رئيس نادي فولهام، تومي تريندر، ألزم نفسه بوعود قطعها للاعب.

ربما كان نادي فولهام سيضطر إلى دفع مقابل مالي أكبر للإبقاء على لاعبه إذا أبدت صديقة هاينز، إيلين فارمر – التي كانت آنذاك في الثانية والعشرين من عمرها، وتعمل راقصة بأحد الملاهي الإنجليزية – أي رغبة للانتقال إلى إيطاليا.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق