ثقافة

قدري حفني.. إنسانية الأستاذ، وموسوعية العالِم

في البداية أتقدم لمجلة علم النفس بالتحية والتقدير لسببين: أولهما تلك المبادرة التي تقوم من خلالها بتكريم أساتذتنا الرواد بعد مسيرة طويلة من العطاء، متعهم الله بالصحة والعافية. وثانيهما دعوتها لي للمرة الثانية لأتشرف بالمشاركة في ملف تكريم قامة من قامات علم النفس في مصر والوطن العربي.

غلاف مجلة علم النفس

قدري حفني… هكذا أبدأ الحديث بلا ألقاب- مع حفظها بالتأكيد- وذلك لأن الألقاب لا تفيه حقه، ولا يمكن للكلمات أن تعبر عن مدى تقديري واحترامي له، لا لكونه أستاذاً فاضلاَ فحسب، بل ولكونه صديقاً كريماً امتدت صداقتي به -قبل أستاذيته- أكثر من 34 عاماً.

هل أكتب أنا الآن لكوني أحد تلامذة هذا العالِم الجليل أم لكوني صديقاً له؟. الحقيقة أن عدد سنوات التلمذة المباشرة على يد أستاذنا الفاضل ليست بكثيرة، فقد تلقيت العلم على يديه من خلال عدة مقررات دراسية قليلة، وبعدها غادر القسم إلى مركز دراسات الطفولة بنفس الجامعة. ولم تتح لي الفرصة لأنهل من علمه بشكل مباشر كطالب دراسات عليا، وهي المرحلة التي تنضج فيها العلاقة بين الأستاذ وتلميذه، لكنه دوماً -وعلى مبعدة-  يواصل عطاءه، ويقدم آراءه، ونلتقيه في مناقشات الرسائل العلمية. وإذا كانت التلمذة تعني علاقة الإشراف العلمي على الرسائل، فأنا بهذا المعنى لا أكون تلميذاً للدكتور قدري. بل إن التلمذة العلمية من وجهة نظري تتم من خلال التعلم من قيم هذا الأستاذ من أبحاثه، من مقالاته، من رؤيته ومنهجيته، من تفاعله مع طلابه، من تواصله الدائم مع أبنائه، من قبوله لأراء تلامذته وعدم الحجر عليها. ومن هذا المنطلق وبهذا المعنى أستطيع أن أقول وبكل فخر، أنني تلميذ الدكتور قدري حفني.

أتناول رؤيتي لأستاذنا الجليل من خلال ثلاثة محاور: العلاقة أثناء الدراسة الجامعية، العلاقة بعد الدراسة، وأخيراً العلاقة الإنسانية. وليكن حديثي حديث الذكريات –وما أكثرها وأجملها- التي جمعتني بهذه القامة، وتركت آثارها الإيجابية على مشاعري نحوه. ففي مرحلة الليسانس، كنت قد التحقت بقسم علم النفس كطالب انتساب في العام 1980، وكنت انتهيت لتوي من دراسة الطب، وأعمل طبيب امتياز، ولم أكن استطيع حضور كل المحاضرات المقررة علينا، ومن ثم كنت أكتفي بشراء الكتب، وحضور بعض المحاضرات التي كنت أراها تستحق الحضور. كان قدري حفني واحداً من أولئك الذين أجبروني على متابعة محاضراته المباشرة داخل قاعات الدراسة، من خلال ما تمتع به من قدرات المُعلم الحكيم. وكنت أستمع إليه بطريقته الرزينة والهادئة، وأقول لنفسي هذا ليس مجرد تدريس لمادة دراسية، وإنما هي رؤية عالِم مثقف صاحب وجهة نظر ومنهج، وفلسفة خاصة.

المشهد الثاني كان في العام الدراسي 1982/1983، كان مقرراً علينا كتابه المعنون: “الإسرائيليون من هم: دراسة نفسية”، وكان الكتاب قد أثار زوبعة من الجدل، وهجوماً واستنكاراً كبيراً من قبل العديد من المفكرين عند صدوره، لما تضمنه من رؤية جديدة للصراع العربي الإسرائيلي، والدعوة إلى فهم العدو من خلال الحوار المباشر، والتي أطلق عليها دكتور قدري “استراتيجية السلام الهجومي”. وكانت الساحة تعج بالجدل والحوار حول عملية التطبيع مع إسرائيل، وهو أمر لم يخطر على بال الكثيرين أنه في يوم ما يمكن أن نجلس جنباً إلى جنب معهم، فما بالك بالحوار والدعوة إلى تجاوز هذا الحاجز النفسي –كما سُمي في هذا التوقيت- الذي يفصل بيننا وبين إسرائيل.

غلاف كتاب الاسرائليون من هم؟

كنت أختلف –كما اختلف الكثيرون آنذاك- مع هذه الرؤية، والكتاب كان مقرراً علينا، وكما هي العادة في امتحاناتنا بشكل عام، يجب على الطالب أن يقدم إجاباته من الكتاب المقرر وإلا يرسب، وهو ما شكّل لي مشكلة في كتابة ما أختلف معه لمجرد النجاح في المادة. وجاء الامتحان في سؤال مقالي واحد: من موقعك كدارس لعلم النفس، ناقش طبيعة مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي؟ .. أو شيء من هذا القبيل. وكنت أثناء العام الدراسي تابعت كتابات عديدة وقراءات كثيرة من مصادر أخرى مختلفة، وحين وجدت هذا السؤال أمامي في الامتحان، ما كان مني إلا أن صلت وجلت عبر ما لدي من أفكار وقَناعات، كلها تناقض أو تقف في الاتجاه المعاكس من رؤية المقرر الذي ندرسه. وكنت على يقين أنه مع اختلاف وجهة نظري مع وجهة نظر الكتاب المقرر، أني لن أرسب في المادة، لإن دراسة المقرر لم تكن بهدف التعليم البنكي، واسترجاع المادة على ورقة الإجابة، على قدر ما هي طريقة لفتح الحوار، وإعمال العقل، وربط العلم بدراسة الواقع وأحداثه، وتحويل الطالب من مجرد متلقٍ، إلى مفكر يفند وينقد ويناقش دون خوف. وبالفعل نجحت في المادة مما أكد لي رؤيتي في أستاذية هذا الرجل الذي يسمح لك بالاختلاف في الرأي، وهذه واحدة من أهم سمات العلماء، والتي يندر أن تجدها لدى الكثيرين من أساتذة الجامعات أو مدرسي المدارس، وهي آفة التعليم عندنا.

وتأتي ثالثة المفارقات عندما أصبح الدكتور قدري رئيساً لقسم علم النفس، وكنت قد أنهيت دراسة الليسانس بترتيب الأول على الدفعة. وفي لقاء حدث بالصدفة بحضور دكتور قدري مع أستاذي الراحل عماد فضلي الأستاذ بكلية الطب -وكنت أستعد لدراسة ماجستير الطب النفسي- وجدت الدكتور قدري يسألني سؤالاً استفهامياً: أتود أن تعمل معنا في قسم علم النفس؟. وترك لي الإجابة على السؤال لاحقاً، قائلاً: فكر في الأمر. وقد كان أن أخذت بفكرته، وانتقلت من عملي لأنضم إلى أعضاء هيئة التدريس بالقسم، ومن ثم فقد كان قدري حفني بدعوته الكريمة السبب الأساسي -إن لم يكن الوحيد- الذي نقلني إلى هذا العالم، الذي كنت أدرسه دون أدنى تفكير في الانتقال للعمل به.

أما أكبر مفاجأت الأستاذ فكانت عند حصولي على جائزة الدولة في علم النفس عام 1995، لم أكن قد التقيت بأستاذنا منذ سنوات، بعد انتقاله للعمل بمعهد دراسات الطفولة بالجامعة، وكنت مقيماً في السويس. وفي يوم نشر نتائج جوائز الدولة فوجئت في المساء بجرس تليفون المنزل، لأسمع على الطرف الآخر صوتاً سألته من يكون، فكان جوابه: أنا قدري حفني يا دكتور سامي….ألف مبروك جائزة الدولة… يا الله لم يكن قد اتصل بي أحد ليهنئني بعد، ووجدتني أقول له: الآن فقط شعرت أنني حصلت على جائزة الدولة، فقد كانت التهنئة جائزة في حد ذاتها. وترك هذا الموقف الإنساني أثره فيّ حتى الآن، ولن أنساه ما حييت. وتبينت الفرق بين أستاذية اللقب العلمي بقرار لجنة الترقية، وأستاذية تتأتى من سلوك وإنسانية صاحبها، وعلاقته بتلامذته، وحرصه على تشجعيهم مهما بعدت المسافة بينهم زمنيةً كانت أو مكانية.

وعلى الرغم من عملي خارج مصر لسنوات طويلة، وصعوبة اللقاء بيننا، إلا أن هذه العلاقة استمرت بشكل يراه أستاذي صداقة، وليست علاقة أستاذ بتلميذه، والحقيقة أني أراها تجمع الحسنييّن: التلمذة والصداقة، لتستمر كل هذه السنوات يزينها الاحترام المتبادل. أنت مع قدري حفني لا يمكن أن تشعر بأنك تتعامل مع قامة كبيرة تخشى حوارها ومناقشتها، بل يعطيك المساحة لتعبر عن رأيك، وكأنك أنت الأستاذ وهو من يتعلم منك، مجسداً تواضع العلماء في أجمل صورة.

وفي السنوات الأخيرة تجده يطرح عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعض الأسئلة التي تحرك الماء الراكد، فيجيب أصدقاؤه وزملاؤه وتلامذته، ويختلفون معه، ويجادلهم ويتقبل ردودهم. بل إنك إذا بحثت في قائمة أصدقائه ستجدها تتضمن فئات عمرية مختلفة، لا يمكن أن تفسرها إلا بتواصل العالِم مع الأجيال المختلفة، وفتح طرق الحوار والتواصل بغض النظر عن العمر واختلاف الرؤى، إنها مرونة المفكر التي قلما تجدها في الكثير ممن يحملون لقب الأستاذية، لكنها السمة الغالبة لدى قدري حفني.

أما عن سيرته الذاتية كأستاذ لعلم النفس فهي أكبر بكثير من أن تضمها هذه السطور. فقد كان أول من أسس لعلم النفس السياسي، من خلال أطروحته للدكتوراه المعنونة “دراسة في الشخصية الإسرائيلية: الأشكنازيم”. لقد كان أول من تصدى للتعرف على البناء النفسي للشخصية الإسرائيلية رغم قلة هذا النوع من الدراسات على المستوى المحلي من ناحية، وصعوبة الحصول عليها من ناحية أخرى. كما كان أول من أسس وتولى رئاسة وحدة الدراسات الإسرائيلية بمركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس. ثم توالت أعماله التي يصعب سردها في هذا المقام.

غلاف كتاب الاشكنازيم

وإذا كانت الجوائز العلمية تعبر عن قيمة العالِم في مجتمعه، فقد كان لقدري حفني نصيب كبير منها سواء على المستوى المحلي (جائزة الدولة التشجيعية والتقديرية، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى)، وعلى المستوى العربي (جائزة زيور للعلوم النفسية) من لبنان.

وتبدو موسوعية دكتور قدري في تنوع الاهتمامات والموضوعات التي يطرحها أو يشرف عليها في الرسائل العلمية، أو التي تستشيره فيها المؤسسات والهيئات العلمية على اختلاف أنواعها. فأنت ستجد له رأياً أو مقالة أو بحثاً في كل مجال من مجالات الحياة التي تتطلب إسهامات علماء النفس، فكتاباته ومقالاته وثيقة الصلة بما يدور على أرض الواقع، وهذه سمة من سمات العلماء الذي لا يعيشون في أبراجهم العالية، وهي أيضاً سمة لرجل العلم الذي يرى أن علمه بلا فائدة إذا ظل مجرد أفكار في رأسه دون أن يترجمها لواقع يثير الجدل، ويحرك الماء الراكد، تطلعاً لحلول –لا يطرحها بنفسه- قدر ما يدعو الناس إلى المشاركة في طرحها. لقد تحدث عن الصراع العربي الإسرائيلي، وعن العنف بين سلطة الدولة والمجتمع، والجذور الفكرية للإرهاب، وسيكولوجية الفلاح المصري، وثقافة الطفل، والسلم الاجتماعي، والتطرف الديني، وأحوال التعليم، وغيرها. أما المؤسسات التي استعانت بخبرته على المستويات المحلية والعربية والدولية، والكتب التي ألفها أو ترجمها، والمقالات التي نشرها فهذا أمر يطول رصده وشرحه، ويمكن الرجوع إلى بيبلوجرافيا قدري حفني في العديد من المواقع.

وبعيداً عن كم اللجان العلمية التي شرفت بعضويته أو رئاسته، وعن كم المناصب التي تولاها في أثناء هذه المسيرة الطويلة، يبقى قدري حفني علماً لا تخطؤه العقول العلمية، وقامة يقف أمامها العديد من الأجيال التي تتلمذت على يديه، وهي تنحني فخراً واعتزازاً بأنها نهلت في يوم ما من معين علمها الذي لا ينضب. وهو مفعم بالتفاؤل على الرغم من كل شيء، يرى دائماً أن هناك فرصة للتغيير حتى لو كانت الأمور لا تسير في هذه الاتجاه، لكنه يرى أن مجرد تحريك الأشياء في الواقع يمكنه أن يُحدث تغييراً كبيراً فيما بعد، وربما هذه إحدى مسلماته الأساسية في نظرته للأمور.

وأخيراً فإننا لا يمكن أن نفصل بين قدري حفني الأستاذ والعلاّمة، وقدري حفني الإنسان. وأنا لا أتحدث عن أستاذي لأشكره عما قدم، فالعطاء المستمر شيمة العلماء، والشكر عليه لا يوافيه قدره. ولا يعدو حديثي هذا إلا أن يكون مجرد شذرات وقطرات في بحر لا يمكن ثبر أغواره، ولا جمع كنوزه ولآلئه، فالبحر عميق، وكنوزه لا تحصى. متعك الله أستاذي الجليل بكل الصحة والعافية، وأمد في عمرك وبارك فيه، وجزاك خيراً عن كل طلابك ومريديك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق