رياضة

على هامش بطولة كأس العالم..هل فقدت كرة القدم روحها؟(2 – 2)

في بداية سبعينيات القرن الماضي، لم ينضم لاعبو كرة القدم إلى زمرة الأثرياء جراء ممارستهم اللعبة. وكان اللاعبون المحظوظون يمتلكون محلات ملابس رياضية أو غيرها من المشروعات التي يدعمون بها دخولهم، لكن أحدا منهم لم يجمع من كرة القدم ما يؤمن له حياته بعد الاعتزال.

وفي نهاية السبعينيات بدأت دخول اللاعبين في التصاعد، إلا أن ذلك لم يثر ضدهم ضغائن الجماهير. وبعد مرور عقدين من الزمان، ومع بداية تدفق الأموال من شركات الدعاية، بدأت أجور اللاعبين تخرج عن نطاق السيطرة، وانطلق السباق بلا هوادة نحو القمة المادية – أو ربما القاع الأخلاقي، بحسب وجهة نظر القارئ.

في كتابFootball Leaks: Uncovering the Dirty Deals Behind the Beautiful Game(تسريبات كرة القدم: الكشف عن الصفقات القذرة وراء ستار اللعبة الجميلة) يروي الصحفيان المتخصصان في مجال الرياضة في صحيفة دير شبيجل الألمانية، رفايل بوشمان ومايكل فولزينجر، كيف حصلا عن طريق مشجع برتغالي – أشارا إليه باسم “جون” – على أكثر من 18 مليون وثيقة سرية تحتوي على تفاصيل كاملة تتعلق بأساليب لاعبين كبار في عقد صفقات انتقال من ناد إلى آخر، وآلياتالاتفاق على المقابل المادي.

 لا يكشف الكتاب – الذي نشر في يونيو من هذا العام – عن وسائل الحصول على هذه المعلومات، أو ما إذا كان شخص آخر غير “جون” شارك في الكشف عنها. لكن، برغم التدفق الهائل للمعلومات و الأسرار بين دفتي الكتاب، لم يقدم أحد من اللاعبين، أو وكلائهم، أو منالمسئولين الواردة أسماؤهم على تكذيبها.

ربما باتت كثير من الآليات التي يتم توظيفها في صناعة كرة القدم معلومة بالفعل لدى الجميع؛ فأغلبها يتضمن التهرب من الضرائب، واستخدام طرف ثالث للتلاعب بالتعاقدات، ودفع أموال طائلة إلى وكلاء اللاعبين لخدمة مصالح أندية على حساب أندية أخرى صاحبة حقوق على موائد المفاوضات.

يكشف الكتاب أيضاعن البنود السرية التي تتضمنها العقود والقيم التعاقدية الحقيقية. على سبيل المثال، تزيد القيمة الحقيقية لانتقال اللاعب الويلزي،جاريث بيل، إلى ريال مدريد 10 مليون جنيه إسترليني عن القيمة المعلنة، بخلاف تعاقد إحدى شركات الدعاية الشرق أوسطية مع اللاعب على عقد جلسة تصوير على مدى أربع ساعات ونصف مقابل 1.1 مليون جنيه إسترليني.

يرجع الكتاب سبب هذه الظاهرة– في حالة بيل مثلا -إلى احترام غرور رونالدو باعتباره اللاعب الأعلى سعرا في العالم. لكن الأمور بوجه عام تسير دائما على هذا النحو.

تبقى قضية ولاء اللاعب للنادي الأكثر إلحاحا في هذا السياق. فالقضية، من جانب، تجعل ’الاحتراف‘ كلمة مثيرة للسخرية. كما أنها تتعلق، من جانب آخر، بإزكاء روح التعصب لدى الجماهير التي لا تطيق أن ترى لاعبا يتحول إلى قوة تدميرية، أو حتى يتراجع مستوى أداؤه بسبب رغبته في الانتقال إلى ناد آخر، فضلا عن انتقاله فعليا.

لكن الكتاب يفاجئنا بأن هؤلاء اللاعبين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم الطرف الأقل استفادة في المنظومة، أو ربما “مجرد هواة مقارنة بالأشخاص الذين يجلسون على مقاعد إدارة هذه اللعبة”.

ففي كتابRed Card: How the U.S. Blew the Whistle on the World’s Biggest Sport Scandal (البطاقة الحمراء: الولايات المتحدة تكشف النقاب عن أكبر فضيحة رياضية في العالم)يفضح الصحفي كين بينسينجر الجشع المفزع الذي يتسم به أعضاء الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، والعاملين فيه.

في هذا الإطار يكشف الكتاب عن الصفقات غير الأخلاقية وغير القانونية التي تم إبرامها من أجل إقامة بطولتي كأس العالم في روسيا هذا العام، وفي قطر في عام 2022.

ربما لا تمثل التفاصيل التي ينشرها الكتاب – الذي نُشر في شهر يونيو 2018– مفاجأة، أو حتى أمرا غير مألوف لمتابعي أخبار المسيرة المهنية للمسئولين عن كرة القدم المثيرين للجدل، مثل جوزيف بلاتر، وتشاك بليزر، وجاك وارنر، وقت أن كانوا في مناصبهم. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أننا ننسى، أو على الأقل لا نهتم.

يداعب التفاؤل بوتشمان وفولزينجر وبينسينجر إلى درجة تجعلهم يؤمنون تماما أن الناس ستثور عندما تتكشف لها هذه الحقائق، وستحاول البحث عن تلك ’الروح المفقودة‘، أو بالأحرى ذلك ’النقاء الفطري‘ الذي يسلط عليه هندرسون الضوء في كتابه -الذي عرضنا له في الجزء الأول– في محاولة لاسترجاعه. إلا أن كثيرا من النقاد لا يشاركونهم هذا التفاؤل.

لقد غدا التشكك جزءا أصيلا من معادلة كرة القدم. وعندما يقوم لاعبون من أمثال بول بوجبا وزلاتان إبراهيموفيتش بتغيير فريقهما يعتقد الجميع بأن الصفقة غير أخلاقية، وربما دنيئة. لكن هؤلاء الجميع يكتفون بهز أكتافهم، وكأن لسان حالهم يقول: “ما الجديد؟”.

ينطبق الأمر نفسه على بطولة كأس العالم الحالية. فبينما نقترب من إسدال الستار على منافسات الحدث الرياضي الأهم في العالم، لا أحد يتساءل عن الطريقة التي كسبت بها روسيا هذا الرهان. وستنسحب الحالة نفسها على البطولة التي ستنظمها قطر بعد أربع سنوات من الآن. فالعيون جميعها مثبتة على الكرة داخل الملعب، ولا شيء غير ذلك. والجميع يهتم بإحراز الأهداف وحصد الألقاب، ولا شيء يُذكر عن الصفقات السرية والمعلنة. ربما ماتت كرة قدم لتحيا كرة قدم أخرى.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق