منوعات

حافظ محمود.. الأب المؤسس لنقابة الصحفيين

قال عن الصحافة، “إنها أقرب المهن إلى الجهاد الوطني والعمل السياسي معا”.

كان شيخ الصحفيين حافظ محمود “1907- 1996” رحمه الله، عاشقا لهذا الوطن، مقدرا لحملة القلم، حتى أنه أنزلهم منزلة القضاة، وذلك في قوله: “القضاة الذين يحاكمون الطغاة في محكمة التاريخ”، بحسب ما أورد في كتابه” أسرار صحفية” الصادر عن دار الشعب عام 1975.

نبوغ مبكر  

ولد حافظ محمود في 12 يونيو 1907 بمدينة القاهرة، ورغم ولادته في أسرة ميسورة الحال إلا إن وفاة أبيه المبكرة وتعنت الوصي على ممتلكات والده أثر في شخصيته كثيراً، ظهرت عليه علامات التفوق مبكرا، كانت المدارس قديما تقيم اختبارات ذهنية للطلاب المتقدمين للالتحاق بها حتى تبت في طلب الالتحاق، فتقدم حافظ إلى مدرسة أم عباس الابتدائية واجتاز الاختبارات بنجاح، وقررت إدارة المدرسة إلحاقه بالصف الثاني مباشرة، وهو ما تكرر إبان التحاقه بمدرسة الخديوية الثانوية، و لما قرر الالتحاق بكلية الآداب تعنت الوصي مجدداً وألحقه بكلية التجارة فإذا به يلتحق بكلية الآداب ويعدل أوراقه في كلية التجارة إلى “تجارة ليلي” ولم يكن القانون يعارض كل هذا وقتذاك .

فتحي رضوان

 وعن تطور مشواره الفكري والمهني قال رفيقه الأستاذ فتحي رضوان في “الهلال” عدد أكتوبر 1985: “كانت صورة حافظ محمود القلمية من أولى الصور بالتقديم، لا لطول سعيه في مجال الصحافة والخطابة والكتابة في دروب السياسة والأدب والاجتماع، ولا لأنه عاصر أكبر الأحداث وعاشر أكبر الشخصيات واقترب من القمة حتى كاد يعلوها ويستقر عليها وقد خرج من كل هذا سليما معافى، لم يمس أحدا شرفه بكلمه، ولم يجرح خصما، فبقي هادئ النفس، خافت الصوت حسن العلاقة بالجميع بغير اضطرار إلى منافقة أو مصانعة”.

ويقول رضوان أنه وحافظ وثالثنا أحمد حسين، أسسنا جريدة “الصرخة”، “ترأس تحريرها حافظ وراح يكتب المقال الرئيسي بها فزجت بنا السلطة إلى السجن “.

غلاف جريدة الصرخة

“الطرابيش.. والصرخة”

عاد أحمد حسين من أوروبا في رحلة أثرت كثيراً في فكره، في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي، وقرر إنشاء مشروع القرش وكان يهدف إلى جمع تبرعات “قرش من كل موظف” من أجل إنشاء مصنع طرابيش حتى لا يتم التعامل مع المصانع التي تديرها بريطانيا وبالفعل نجح مع حافظ محمود وفتحي رضوان في حملتهم، وأصبح الثلاثة شبان قادة المقاطعة الاقتصادية لبضائع العدو البريطاني في وقت كانت حملات المقاطعه غريبة على أنواع مقاومة الاحتلال .

ثم قرر الثلاثة إصدار جريدة صحفية تمثل رأيهم الثوري وقاموا بتأجير جريدة الصرخة بالفعل وبحثوا عن رئيس تحرير لهم، لكن الكل تخوف من فكر الشباب الثلاثة فإذا بحافظ محمود يتولى منصب رئيس التحرير في مطلع عام 1933، وعمره لم يكن تجاوز الـ25 عاما بعد ليكون بذلك أصغر رئيس تحرير في تاريخ الصحافة المصرية.

كتب حافظ في “الصرخة” مقالا بعنوان :” يا شباب 33 كونوا مثل شباب 19 “، فيما فسر إنها دعوة لقيام الشباب بثورة على غرار ثورة 1919، حكى حافظ كيف شارك وعمره 13 عاما في ثورة 1919، فألقي القبض على ثلاثي شباب “الصرخة”، ولما حان يوم المحاكمة دخل محمد باشا علوبه السياسي البارع والمحامي الكبير وتطوع للدفاع عن شباب الصحفيين، فأمسك بمقال حافظ محمود وتلاه أمام هيئة المحكمة وختم قائلا: “لقد قلت عن اقتناع الكلام الذي تسبب في سجن وكلائي فإما أن تسجنونني معهم وإما أن تفرجوا عنهم مثلي”، فارتجت القاعة من التصفيق ورفعت الجلسة وقدم القاضي استقالته، بعد أن استشعر الحرج، فكيف يحكم في قضية أصبح محمد باشا علوبه متهما فيها، وأفرج عن حافظ ورفيقيه.

الرئيس الراحل محمد أنور السادات

في عام 1937 حصل حزب الأحرار الدستوريين على أغلبية مقاعد مجلس النواب في هزيمة مدوية لحزب الوفد، وتم تكليف الدكتور محمد حسين هيكل بحقيبة وزارية، فتنازل عن رئاسة تحرير صحيفة السياسة لسان حال الحزب إلى تلميذه النجيب حافظ محمود .

و في الأربعينيات تقابل حافظ مع ضابط جيش فصل لأسباب سياسية، ولمس في أسلوب كلامه حسا أدبيا فاقترح عليه أن يمارس الكتابة الصحفية.. فكان هذا الضابط هو الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

انقلاب النقابة

لعب حافظ محمود دوراً هاما في تأسيس نقابة الصحفيين، في صباح 31 مارس 1941 تم تعيينه عضوا في مجلس النقابة المؤقت لحين انتخاب مجلس للنقابة. وبمجرد تأسيسها اشتعل صراع عنيف داخل جمعيتها، إذ أراد أصحاب الصحف السيطرة علي ميزانية ومجلس الإدارة ومنصب النقيب، وكان كلا من حافظ محمود ومصطفي أمين ممثلين للصحفيين الشبان، وفي الاجتماع الأول قال جبرائيل تقلا صاحب ورئيس تحرير “الأهرام” التي عقد في مبناها القديم أول اجتماع لمجلس النقابة المؤقت :” قانون المعاشات يطبق بعد عشر سنوات”، فنهض حافظ يدافع عن حقوق الصحفيين قائلا: “هذا ظلم، كيف يعيش الصحفيون  طوال العشر سنوات القادمة؟”، وهنا نهض فارس نمر صاحب ورئيس تحرير “المقطم” ثم جذب حافظ محمود من الكرافتة قائلا :” عندنا قرشين للعيال بدك تخدهم؟ ” فابتسم حافظ  قائلا :” وهل اخذت شيئا منك يا باشا؟”.

أنقسم الصحفيون داخل النقابة إلى أصحاب صحف ومحررين.. الجناح الأول قاده الصحفيون  الشوام والجناح الآخر قاده حافظ محمود وانضم له العديد من أصحاب الصحف المصريين، وعقد حافظ اجتماعا عاجلا مع الصحفيين، وقرر ترشيح محمود أبو الفتح صاحب ورئيس تحرير جريدة المصري الموالية لـ”الوفد” في منصب نقيب الصحفيين كما تقرر ترشيح مرشحين من المحررين لكافة المناصب .

و كانت المفاجأة أن جناح حافظ حصل على الأغلبية التي رفضت في أول جمعية عمومية أن يقدم جبرائيل تقلا أوراق ترشيحه لمنصب النقيب، وبالفعل تراجع تقلا باشا أمام رغبة الصحفيين وأصبح محمود أبو الفتح نقيبا بالتزكية كأول نقيب للصحفيين، أما حافظ محمود فتم انتخابه كأول وكيل عام للنقابة والمحررين. ويومها كان حافظ عند جبرائيل تقلا بمكتبه في “الأهرام” فنظر تقلا إلى حافظ وقال له :” اتفضل قوم من هنا وغادر المبني فوراً أحسن أقتلك” وتسأل:” كيف يكون محمود أبو الفتح نقيبا للصحفيين وهو محرر عندي ؟؟ “، ووصف عدد من معاصري تلك الفترة ما فعله حافظ محمود بـ”الانقلاب” حيث تمكن من إنهاء سيطرة الصحفيين الشوام على مصائر المحررين المصريين.

العضو رقم 1

كان مجلس النقابة ينتخب مرة كل عام، ثم في نهاية الستينيات ومطلع السبعينات صارت الانتخابات مرة كل عامين، وانتخب حافظ محمود عضوا في مجلس النقابة 26 دورة متتالية وهو رقم قياسي باعتراف اتحاد الصحفيين العالمي، وتولى محمود منصب وكيل عام النقابة لمدة 21 دورة انتخابية، وسكرتير عام لمدة 13 دورة متتالية، ونقيبا للصحفيين 4 دورات متتالية، حتى أن تلاميذه أطلقوا عليه لقب شيخ الصحفيين.

وكان محمود أول من تقدم بطلب للحصول على كارنية النقابة، ففي يوليو 1941 بدأت نقابة الصحفيين في اصدار كارنيهات العضوية، وتقدم حافظ محمود ليسجل نفسه أول عضو في جداول القيد.

ونقل عدد من معاصري تأسيس النقابة أن حافظ كان يقضي نصف يومه كرئيس تحرير لجريدة السياسة ثم يذهب في النصف الآخر للأشراف على بناء النقابة، وذكر بعضهم أنه كان يشارك العمال في حمل الطوب والرمل للانتهاء من بناء المقر.

الرئيس الراحل جمال عبد الناصر

مع ثورة يوليو

ولما قامت ثورة 23 يوليو 1952، تصادم حافظ محمود مع رجالها، تحديداً عام 1953 عندما اكتشف أن الأجهزة الأمنية تتجسس على اجتماعات النقابة وأعلن رفضه لهذا الأسلوب، وبعد أزمه مارس 1954 توطدت علاقة حافظ بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكلف الرئيس حافظ عام 1956 برئاسة وفد مصري يضم ساسة وأدباء لزيارة العواصم الاوربية وشرح وجهه نظر مصر في تأميم قناة السويس، وتصادف أن انتخابات النقابة كانت تجري في الوقت الذي كان فيه حافظ في أوربا، فأدرك خسارته المعركة، إلا أن الصحفيين فاجأوا صاحبهم وانتخبوه في غيابه.

وفي عام 1964 فاز حافظ محمود في انتخابات نقيب الصحفيين، وبدأ في سن ميثاق صحفي معاصر وقانون للمعاشات وفي تأسيس نادي صيفي للنقابة، وسمح بهامش من الحرية والمعارضة في صحيفة النقابة رغم الرقابة الشديدة.

وفي تلك الفترة أصدر حافظ محمود قرارا بفصل أحمد قاسم جودة وأمينة السعيد عن عضوية مجلس النقابة بسبب تغيبهم عن حضور الجلسات عدة مرات، ولما اعترض الأثنان  وضغطت الحكومة لإلغاء القرار، قدم حافظ استقالته وترشح لمنصب نقيب الصحفيين مجددا فانتخب نقيبا للمرة الثانية وسقط أحمد قاسم جودة وأمينة السعيد فكانت رسالة لهما وللحكومة بتأييد الجماعة الصحفية  لقرار حافظ.

معركة مراكز القوى

وعندما ضجرت الحكومة من استقلال حافظ محمود قررت أن تنزل بثقلها في انتخابات 1966 لدعم مرشحها، ويقول حافظ عن تلك الانتخابات: بدأت مراكز القوى معركتها ضدي عندما أشاعوا أنني نجحت في الدورة الماضية بالصدفة والتزوير بعد أن فشلوا في إبعادي وإسقاطي، فرشحوا أمامي فتحي غانم كمنافس على منصب النقيب.

وتابع حافظ: يوم الجمعية العمومية صدر عدد خاص من مجلة روز اليوسف للتأثير على سير المناقشات، وكان الرئيس جمال عبد الناصر في أسوان يتابع السد العالي، وفوجئت بتليفون منه يسألني: ماذا فعلت في الانتخابات؟، فقلت له: لازلنا في الصباح والانتخابات مستمرة، فقال عبد الناصر: لا تجعلهم يغلبونك، قلت له: ربنا موجود.، قال لي عبد الناصر: طيب شد حيلك وسأتكلم فيما بعد لأعرف ماذا فعلت؟.

ويتابع: لقد تحدث معي الرئيس كأنه يريد أن ينصرني  فما الذي يجعله يهتم إلى هذا الحد إلا رغبته في ألا تسيطر مراكز القوى على نقابة الصحفيين؟.

وأكمل: كان موقفا مشرفا من فتحي غانم بعد إعلان النتيجة وفوزي بمنصب النقيب، حين قال: يشرفني أن أكون عضوا تحت رئاستك، ولكي يضايقونني عينوا فتحي غانم رئيسا لمجلس إدارة دار التحرير التي أعمل بها، فكان الرجل كريما وظل يعاملني كرئيس له في النقابة، وكان يقول عني: «نقيبنا، ولما طلب منه علي صبري أن يرفتني، قال له: كيف أرفت نقيب الصحفيين؟ تبقى فضيحة! فقال علي صبري: إذن حافظ لا يكتب الافتتاحية، فقال فتحي غانم: ومن يكتبها؟ فقال علي صبري: أنا أكتبها”.

إنقاذ النقابة

في عام 1979 كتب عدد من الصحفيين الكبار مقالات ضد نظام السادات وقرارته ما دعا الرئيس لتنبيه النقابة بضرورة معاقبتهم، ولكن النقيب علي حمدي الجمال لم يستطع أن يفعل شيئا فمن هؤلاء قامات كبيرة لا يستطيع أن ينكل بهم، وفي أحد لقاءاته بالصحفيين جلس السادات يتحدث عن أوضاع مصر السياسية، وتطرق لـ”الصحفيين الذين يشتمون مصر في الخارج”، وأفصح عن نيته تحويل النقابة إلى نادي للصحفيين، فظهرت علامات الغضب على حافظ محمود وطلب من وزير الإعلام منصور حسن التدخل إلا أنه آثر الصمت، فأشار إلى النقيب فوقف علي حمدي الجمال والعرق يتصبب من جسده ثم راح يعدد حسنات الزعيم حتى مل السادات نفسه ثم اختتم النقيب قائلا: “ما تتحول نادي ولا جمعية يعني هيحصل ايه يعني”.

 فنهض حافظ للدفاع عن الكيان الذي بناه مستغلا علاقته القديمة بالسادات وقال :” لدينا وثيقه موقعه من سيادتك تقر فيها بدور الصحافة في ثورة 23 يوليو ثم تأتي الآن أمام كاميرات العالم وتقول أن الصحافة ضد الوطن كيف تناقض نفسك يا سياده الرئيس؟

المشهد الأخير

لعب حافظ محمود دورا مهما، في إسقاط القانون 93 لسنة 1995، المعروف بقانون اغتيال الصحافة، وكان ضمن الوفد الصحفي الذي التقى الرئيس الأسبق حسني مبارك لإقناعه بخطورة مواد القانون، وظل على تواصل مع مستشاره أسامة الباز ومع مجلس نقابة الصحفيين والنقيب إبراهيم نافع، يدعم الجمعية العمومية بما له من ثقل حتى سقط القانون في 1996.

قبل وفاته في 26 ديسمبر 1996 بشهور أوصى حافظ محمود أن تخرج جنازته من نقابه الصحفيين، وبالفعل خرجت الجنازة صباح الجمعة 27 ديسمبر 1996 من النقابة إلى عمر مكرم وشارك فيها جموع الصحفيين ورموز الساسة، ونعت الصحف في اليوم التالي رحيل شيخ المهنة وأبو النقابة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: