منوعات

«ماديبا ماجيك» ..عالم مانديلا السحري

احتفل العالم الحر يوم الأربعاء 18 يوليو 2018 بالذكرى المئوية لمرور مائة عام على ميلاد الزعيم الجنوب إفريقي الأسطوري، نيلسون مانديلا (1918 – 2013)، والذي رغم غيابه بات أيقونة عالمية للتحرر والتسامح والرقي الإنساني.

يمثل مانديلا – أو ماديبا، كما يحلو للجنوب إفريقيين أن يطلقوا عليه – عالما فريدا يمكن الولوج إليه عبر مداخل متعددة. أحد أهم هذه المداخل هي رقصة مانديلاالسحرية “ماديبا ماجيك”.

مثلت “ماديبا ماجيك” علاجا ناجعا لحالة التيبس العظمي التي أصابت الجسد الجنوب إفريقي على مدى عقود طويلة، فقد أدت بحركاتها الانسيابية الساحرة إلى إذابة جبال الجليد بين التوجهات المتشددة التي كانت تخيم على الدولة والمجتمع، وأدت إلى بعث قومي رفع عن كاهل جنوب إفريقيا غبار الحقبة العنصرية.

كان لهذه الرقصة وقع السحر على القلوب والعقول؛ وتحولت إلى صرخة لحشد الشعب الجنوب إفريقي بمختلف انتماءاته من أجل إنفاذ مهمة مانديلا في إرساء قواعد التعايش والتسامح وقبول الآخر.

مانديلا يؤدي رقصة “ماديبا ماجيك”

لكن كيف يمكن أن يفهم أنصار مانديلا، داخل جنوب إفريقيا وخارجها، اليوم “ماديبا ماجيك” على نحو أفضل؟ أو، بعبارة أخرى، كيف استلهم مانديلا رقصته، وماذا أودعها من معان لم تبح بها بعد؟

تحتل “ماديبا ماجيك” مكانا بارزا في قلب منظومة القيم الإفريقية، فبالنسبة إلى الإفريقيين القدماء كان الرقص هو أهم أنواع الفنون على الإطلاق؛ إذ كان ينطوي على وظيفة مقدسة تمثلت في تحفيز القبائل والإثنيات المتناحرة على العيش تحت مظلة مجتمع إنساني تعددي، ثم بلورت ذلك الموزايك الديني والقبلي واللغوي داخل إطار شعب واحد.

يقع الرقص الإفريقي على طرف النقيض من البدائية، لأنه لم يكن مطلقا مجرد تعبير غريزي عن الإحساس بالسعادة، وإنما كان يرمق أفق أرحب، وينطوي على هدف أكبر، في الرقص كان ثمة رسالة خفية كامنة تركت أثرا عميقا على حياة الإفريقيين، وصاغت معالم هويتهم.

استند الهدف النهائي من الرقص الإفريقي على قدرته على إعادة صياغة الشخصية، وإصلاح التوجهات وبعث الروح من جديد في جسد البشرية الذي تعتوره البلادة ويصيبه الاكتئاب. كان الرقص مفعما بالغضب لأنه أراد الراقص مفعما بالحيوية. هذا هو الهدف الذي وظف مانديلا من أجله حركات رقصته.

نشأ نيلسون مانديلا في أحضان أسرة تقليدية تتمسك بقوة بالقيم الإفريقية القديمة وتعتنقها حد الاعتقاد. من هنا جاءت حركاته في الرقص كأسلحة منزوعة السلاح لا تصيب ولا تدمي، ومطرقة تحطم كل الأفكار والتصورات البالية عن إنسانية نافرة تضع الآخر في مصاف الأعداء.

تبدو مهمة معقدة – وربما مستحيلة – أن تجمع شتات متناثر في منظومة شعب واحد. لكنها – برغم ذلك – تبدو حتمية إنسانية وضرورة حياتية.

إنها كما قال مارتن لوثر كينج في 10 ديسمبر 1964، في حفل تسلمه جائزة نوبل للسلام: “لقد أسلمت زمام حياتي إلى طريق وعرة تَمثل في نهايتها العدالة، ويستحث عليها رجال بيض وسود، بأعداد متزايدة، الخطا لإنشاء تحالفات جديدة وجادة تمًكنهم من مواجهة مشكلاتهم الإنسانية المشتركة … إنني أرفض الاستسلام لليأس كاستجابة نهائية لما ينطوي عليه التاريخ من أوجه التباس وغموض”.

إن إقامة علاقات صداقة مع أناس ينتمون إلى إثنيات أخرى لا يختلف عن ولوج عالم غير مألوف، حيث يفتقد المرء المهارات الثقافية المطلوبة للتجوال بداخله، والتعاطي مع أحداثه وشخوصه؛ ومن ثم يتجه الإنسان نحو أشباهه في اللون والخلفيات الثقافية، فالغالبية العظمى من الناس يؤكدون دائما أنهم لا يشعرون بالراحة إلا مع أناس من نفس “نوعهم”.

كانت حركات “ماديبا ماجيك” ساحرة؛ إذ كانت بمثابة طقوس مطهِرة وناجعة لأناس متنوعين لا يثقون في بعضهم البعض. في كل مرة كان يرقص فيها مانديلا كان الأمر يبدو وكأنه يصرخ: “إنكم بحاجة إلى أن يكون هناك آخرون لتشعروا بدفء الترحاب وحسن المخالطة. إنها فكرة جيدة. ليس عليكم سوى أن تقوموا بأمر واحد: أن تكونوا ودودين ولطفاء مع الآخرين.. تحرروا”.

على مدى سنين – منذ أن غادر مانديلا طوعا الفضاء العام – لا يزال السؤال يلح بقوة: هل واصل أتباع مانديلا داخل جنوب إفريقيا وخارجها الطريق من حيث انتهى ورحل؟ هل تابعوا مهمته الشائكة التي – برغم ذلك – لا مفر منها من أجل بناء دول التعددية ومجتمعات التراحم؟

ربما هجر كثيرون الطريق معتقدين أن الأمور تحدث من تلقاء نفسها. لكن الأمور لا تحدث من تلقاء نفسها؛ فالدول يتم تصورها بدقة، والتخطيط لها بعناية، ثم بناؤها بتؤدة ووعي.

واليوم يجد الجنوب إفريقيين – وغيرهم من الشعوب التي لم تطالها قيم الحرية والتسامح والتعددية – أنفسهم في حالة أقرب إلى كابوس دولة تعكس قليلا من الشعور – أو ربما عدم الشعور على الإطلاق – بمعنى المجتمع؛ وتمثل مجرد حيز مكاني بلا سردية تبعث على الأمل.

في الذكرى المئوية لميلاد ماديبا تتجدد الحاجة إلى استلهام “ماديبا ماجيك”، حتى لا تتحول حركة العالم إلى رقصة مجنونة ومثيرة للسخرية والاشمئزاز.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: