فن

إنجي أفلاطون.. الفن في خدمة القضية

جاءت أول ضربة فرشاة لإنجي أفلاطون في لوحة حياتها بعد أن حصلت على شهادة البكالوريا، إذ رفضت السفر إلى باريس لدراسة الفن. الرفض كان قاطعا ومثيرا للدهشة؛ نظرا لحب إنجي البالغ للرسم منذ صغرها، ولم تدرك الأسرة أن هناك متغيرا جديدا اقتحم حياة فتاتهم ليصاحبها حتى المنتهى، ويصل دهشتهم بدهشة كثيرين عرفوا إنجي الارستقراطية المنشأ والتربية، الاشتراكية الهوى.

في سن الخامسة عشر شاءت الصدفة أن تتلقى دروسا في الفن التشكيلي على يد فنان كبير هو كامل التلمساني، فتعرفت معه على المدارس الفنية المختلفة، وصقلت عبر توجيهاته موهبتها، وبعد فترة وجيزة وصلها التلمساني بجماعة “الفن والحرية” الشهيرة آنذاك، لتشارك معهم في عدة معارض، وعبر الفنان اليساري الكبير تعرفت أيضا على مجتمع أو بالأحرى طبقة جديدة عاشت الفتاة البورجوازية حتى تلك المرحلة العمرية بمعزل عنها، طبقة الكادحين، لتمتد حبال الوصل الفنية معها بقية حياتها.

كانت اللغة العائق الأول أمام إنجي لتعيش حياة “ولاد البلد” المحببة إلى نفسها، وتندمج بمجتمعها الذي لا تعرف عنه إلا القليل، ففتاة الليسيه حفيدة محمد باشا أفلاطون أدركت الفرنسية كلغة أولى، لذا سعت لتعلم العربية، وانضمت في هذه الأثناء إلى تنظيم إسكرا الشيوعي.

 روحها المتمردة هدتها إلى الاشتراكية العلمية، لتنمي الأيديولوجية أفكارا طبعتها وانتقلت معها من الاتحاد النسائي الدولي الديمقراطي إلى لجنة أنصار السلام إلى الاتحاد النسائي المصري، وغيرها من أطر مارست عبرها إنجي العمل العام.

حققت إنجي ما كانت تبتغيه، فذابت في تلافيف المجتمع المصري، لكنها انقطعت في تلك الأثناء عن ريشتها وألوانها، لتصلهما بعد سنتين من الانقطاع، وتسجل بهما واقع وأحلام الكادحين، ومن الريف الذي أحبته كثيرا أتى كل أبطال أعمالها، فتنقلت ريشتها بين جمال الطبيعة وبؤس أهلها، خاصة الفلاحة التي جمعت إلى جانب عملها بالبيت عملا شاقا بالأرض.

الفنانة الشابة والقيادية النسائية نشرت عام ١٩٤٨ أول كتاب لها “٨٠ مليون امرأة معنا” بتقديم من الدكتور طه حسين، ليكلل جهدها المتواصل في تعلم العربية، ثم تلاه الكتاب الثاني: “نحن النساء المصريات”، فيصادره القلم السياسي، ثم الكتاب الثالث (١٩٥١): “السلام والجلاء”، بجانب كتابتها المقالات بجريدة المصري.

حملت هذه الفترة الحية من تاريخ مصر لإنجي حياة فاعلة كفنانة متميزة أقامت العديد من المعارض الناجحة وكناشطة نسوية معروفة مثلت مصر دوليا وكمناضلة سياسية انتظمت في عدة تنظيمات شيوعية.. أما الفترة الأكثر درامية في حياة إنجي أفلاطون فقد تأخرت قليلا، لتدخل عبرها إلى عالم جديد وحياة ليست كالحياة، ٤ سنوات ونصف السنة قضتها فنانتنا في المعتقل بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي “حدتو” (١٩٥٩).

رغم السجن ورغم قيوده استمرت إنجي في المقاومة عبر الرسم، فتحايلت للحصول على هذا الحق؛ رسمت داخل عنبر تسكنه عشرون زميلة، ورسمت لصالح السجن على أن تشتري هي لوحاتها من إدارته، واتفقت مع أحد مسؤولي السجن على الرسم بالفناء مقابل حصة من لوحاتها، وهربت لوحات أخرى مع أطباء السجن.. المقاومة بالرسم كانت سلاحا أخيرا في يد إنجي يدفع عنها الهزيمة.

في الفترة الأولى من حياتها تبنت أفلاطون السيريالية، وخصتها بمجموعة كبيرة من لوحاتها أهمها: الفتاة والوحش 1941، الوحش الطائر 1941، الحديقة السوداء 1942، وانتقام شجرة 1943، وباعتناقها الاشتراكية هجرت السريالية إلى الواقعية الاجتماعية، فلاحقت بريشتها الفلاحين في الحقول، والفلاحات داخل بيوتهن، وسنابل القمح وكيزان الذرة في الغيطان.

سجلت في دفتر لوحاتها قضايا اجتماعية طالما شغلتها، كتسلط الرجل على المرأة، واستغلال أصحاب المال للعمال، كما في لوحاتها: روحي وإنت طالق، الزوجة الرابعة، تعمل كالرجال، عمال الترام، وقضايا وطنية كما في لوحتها المفعمة بالروح الثورية ضد الاستعمار البريطاني حينها: لن ننسى.

وصفت إنجي تطلعاتها الفنية في هذه المرحلة قائلة: “كانت أمنيتي الرئيسة في ذلك الوقت التعبير عن الواقعية وأحلام العامل الذي يكدح تحت ظروف عمل مزعجة من دون قانون يحميه”، وفي مرحلة السجن، ازدادت التعبيرية بلوحاتها، كما في: الصور النسائية في السجن، وفتاة خلف القضبان، وليلة خلف قضبان السجن.

غادرت أفلاطون المعتقل عام ١٩٦٤، فانعتقت ريشتها من قيود الكآبة التي طبعت رسوماتها، وأضحت ألوانها مبهجة وقوية، وانسابت أعمالها عبر العالم، من روما إلى باريس إلى برلين الغربية إلى موسكو إلى نيودلهي إلى براغ.. وعاشت إنجي أفلاطون حتى آخر عمرها كما وصفها الفنان الفرنسي جون لوكرا: “لم تسمع لشخص ولم تنصت لشيء إلا للصوت المصري الذي يمثل إرثها الأساسي، وهذا الصوت هو الصحراء والنيل والأفق الواسع لروحها المشتعلة”.

الوسوم

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: