فن

«الساعة الأخيرة».. دراما حياة سفاح هيروشيما

في اليوم الثاني لمهرجان المسرح القومي، عرضت مسرحية “الساعة الأخيرة” من إخراج ناصر عبد المنعم، على خشبة مسرح الغد. العرض بطولة شريف صبحي، وتأليف عيسى جمال الدين، وهي باللغة العربية الفصحى.

يجسد العرض دراما انسانية معقدة، بداية من تراكم الخيبات والصدمات، التي تثمر عن شخصية عنيدة تبحث عن التنافس مقابل أي شيء، حتى الشعور بالهزيمة التامة والشعور بتأنيب الضمير الأبدي ومحاكمة الذات. كل ذلك عبر حياة “توماس ويلسون فريبي”  الضابط الذي ألقى القنبلة الذرية الأولي علي مدينة هيروشيما باليابان.

يبدأ العرض بغرفة يتوسطها توماس فريبي” شريف صبحي” لا يشاركه فيها سوى أثاث غرفة الطعام وتمثال  لتوماس نفسه. التمثال هو مرآة توماس التي يتحدث إليها بعد أن هجره الجميع وعلى رأسهم زوجته وابنه، هو ذاكرة “الكولونيل توماس” وماضيه الذي يؤرقه وفي نفس الوقت يعتز به،ورحلته هي نفسها رحلة التمثال الرمزية من كونة رمزا تذكاريا لبطولة فريبي بعد الحرب العالمية الثانية في أحد الحدائق العامة إلى رفض الناس لاحقا لوجوده وشعورهم بالخزي والتنكر، حتى يصبح المنزل هو مكانه الأخير.

المسرحية تعتمد في  أغلب أحداثها على المونودراما التي قدمها شريف صبحي، بحرفية شديدة لتجسد كل تلك اللحظات والمشاعر المتداعية على الذاكرة، لنشاهد في المشهد الخلفي تصويرا لتلك الأحداث من داخل عقل توماس.

استطاع المؤلف عيسى جمال الدين، اختلاق تصور درامي عن الضرورة التي جعلت الطائرة المشاركة في الجريمة، تسمى بأسم قائد الطائرة، حيث يتداعى لذاكرة توماس وعد والدته التي كانت تحبه مقابل كره الأب الذي يشك في نسبه له. وعد الأم كان باللقاء خلف السماء الزرقاء، ليصبح الهدف الأسمى للطفل توماس هو الطيران والوصول خلف السماء الزرقاء.

الوحدة القاسية التي يعاني منها توماس، كان يقطعها أحيانا جاره”معتز السويفي”، وهو الشخص الوحيد الذي يرى في ماضية شيئا عظيما، وأن الكولونيل جعل أمريكا أمة عظيمة.

طوال أحداث العرض وتداعي صور الذكريات على عقل توماس المجسد في خلفية المسرح، يبرز التناقض داخل توماس نفسه، فنرى في مشهد اعترافه بقتل والده في السادسة من العمر، فخرا بالعملية التي لم يكتشفها أحد، فمن سيساوره الشك في أن الطفل ذا الست سنوات يمكن أن يدس السم لأبيه، لكن الفخر ينقلب لشعور بالضعف والحنين إلى فكرة الأب، ثم الندم، واخيرا العند، بأنه اذا عاد الزمن. سيفعل ذلك مرة أخرى، تلك المراحل تتكرر بشكل أو بأخر.

يمثل التنافس الرئيسي لتوماس فريبي، غريمة تشارلز سويني “نائل علي”، الذي اصبح محتلا لقمة كل ما يراه فريبي مهما في الحياة، بعد ذلك أصبح فقط يحاول ملاحقته، وفي الأخير أصبح يهرب من مصيره بالموت وحيدا، تشارلز سويني هو الضابط المسئول عن إلقاء القنبلة الذرية الثانية على مدينة ناجازاكي.

أما عن ما يمكن أن نصفه بأنه أقوى مشاهد العرض، فهو لحظة القاء توماس للقنبلة التي برر لنفسه أنه لم يكن يعرف حجم الدمار التي ستقوم به، ليقابل فتاة يابانية كفيفة “سامية عاطف” بالقرب من مدينة هيروشيما عقب تدميرها منذ دقائق، لكن الفتاة الساذجة التي سمعت صوت القنبلة، ورأت ضوءا يعبر عن شدته لتراه فتاة كفيفة، تتخيل أن توماس ليس سوى ملاك مرسل ليعيد إليها النظر والدليل هو الضوء الذي تصورت أنها شاهدته منذ لحظات، ها في نهاية اللقاء تعرف أنها لم تقابل أيا من الملائكة وأنها كانت في لقاء مع الشيطان نفسه.

ينتهي العرض بعد أن يصل توماس فريبي في تناقضاته إلى أنه لو عاد به الزمن لألقى القنبلة مرة أخرى، رغم هروب زوجته وأبنه، ورفض الشعب لتمثاله، وتحول اليوم الذي يشكل مجده إلى يوم تنكس فيه الأمة الأمريكية علمها حزنا على جريمتها.

يموت توماس فريبي، بنفس طريقة غريمه التي ظل يسعى لنهاية مختلفة، أزمة صدرية، مع دواء بعيد، ولا أحد في المنزل، لينتهي جثه هامدة على بعد خطوات من الدواء.

**الصور من الصفحات الخاصة بالعروض عبر موقع التواصل الاجتماعي، مع حفظ الحقوق الأدبية لمصوريها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق