ثقافة

سليمان فياض يكشف المؤلف الحقيقي لكتب السادات

بفضل الله أولًا وأخيرًا ثم بدأب وحرص السيدة سمر إبراهيم أرملة الكاتب الكبير سليمان فياض صدر لفياض ـ قبل أسابيع ـ كتاب “ألاعيب الذاكرة”.

الكتاب من منشورات سلسلة “إصدارات خاصة” التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، ثمن النسخة ثلاثة جنيهات، وهذا الثمن يعد لا شيء قياسًا على أسعار الكتب الملتهبة في دور النشر الخاصة.

الكتاب هو رابع كتاب للراحل الكريم في سياق “فن النميمة”، الكتاب الأول كان “المثقفون..وجوه من الذاكرة”، والثاني “نبلاء وأوباش”، وحمل الثالث عنوان “المساكين”، أما الرابع الذي بين أيدينا فلا نعرف على وجه اليقين من الذي أختار عنوانه: “ألاعيب الذاكرة”، هل أوصى به الكاتب الراحل أم هو من اختيار أرملته، وهى سيدة تعرف الكتابة، أم من اختيار الناشر؟.

الكتاب، مثله مثل سابقيه، يرسم بأفصح الكلمات الملامح الخارجية والداخلية لعدد من الأدباء مثل أمل دنقل، وإبراهيم أصلان، ويوسف إدريس. النميمة عند سليمان فياض ليست هذا الفعل الذي ينفر منه الأتقياء، هى عنده تقوم بدور المرآة التي لا دور لها سوى إظهار تفاصيل ملامح الواقف أمامها، وكلما كانت المرآة مصقولة طيبة المعدن كانت الصورة أوضح وأجلى.

الكتاب في أصله الأول كان مقالات نشرها فياض في صحف ومجلات شتى على مدار العشرين سنة الأخيرة، وتتبع تلك المقالات وجمعها وذكر تاريخ نشرها، هو عمل طيب من أعمال السيدة سمر إبراهيم، تشكرعليه.

عنوان الكتاب دال على مضمونه وعلى نهج كاتبه، ولقد اختبرت بنفسي صدق العنوان، وذلك عندما توقفت طويلًا عند أبرز فصول الكتاب، وهو ذلك الفصل الذي كتبه فياض عن أمير القص العربي يوسف إدريس.

نشر فياض ذلك الفصل في جريدة القاهرة في العام 2004، ولا شك عندي أنني طالعته فور نشره، ولكن من ألاعيب الذاكرة أنني رحت أتحدث عن ذلك الفصل الفاتن ناسبًا نشره إلى جريدة أخبار الأدب!. وقد بقى في ذاكرتي من القراءة الأولى أمور وسقطت أخرى، وهذا يؤكد أن الاعتماد على الذاكرة أمر لا تحمد عواقبه.

الذي بقي من القراءة الأولى يمكن تلخيصه في فيما يلي:

1ـ كان إدريس كغيره من الكبار لا يقرأ لغيره من القصاصين إلا وفق المصادفات السعيدة، فهو قدم بهاء طاهر ومحمد المخزنجي ولكن هذا لم يكن منهجه، فقد كان يقرأ وفق مزاجه هو الشخصي.

يوسف ادريس

2ـ ذلك المزاج الشخصي، شديد الخصوصية سيجعل أمير القص يلجأ إلى تعاطي أنواع خطيرة من المخدرات، حتى أنه قام بتهريب مادة من تلك المواد إلى مستشفاه الذي كان يعالج به من أزمة صحية، بل والعجيب أن كاتبًا – لم يذكر فياض اسمه ـ رد على تعجب فياض من تدفق قصصه قائلًا:” لقد نصحني يوسف إدريس بالقيام بصنع تفجير ذري لدماغي، فعملت بنصيحته، ومن يومها تدفق قصي”!، واضح من سياق الكلام أن التفجير الذري كان تعاطي مادة مخدرة.

3ـ إدريس كريم جدًا، كرمًا يصل لحد السفه، فهو ينفق على جلسائه إنفاق من لا يخشى الفقر، ثم هو يحترف الدعاية لنفسه، وينصح فياض بإقامة الولائم لرؤساء التحرير والنقاد وتوزيع نسخ مجانية على القراء. وعندما يقول له فياض إنه رقيق الحال، ينصحه إدريس بالتضحية بأي شيء ولو وصل الأمر إلى بيع الأثاث، فتلك تضحية لا تذكر مقابل شيوع أدبه!.

4ـ الرواية الوحيدة التي كتبها محفوظ وجعلت إدريس يقف على أطراف أصابعه كانت الحرافيش، فعندما نشرها محفوظ صاح إدريس :” أخيرًا فعلها ابن الـ …

5ـ كان إدريس مؤمنًا بأنه فوق إمارة القصة القصية، كان بداخله إيمان عميق بأنه فردها الفذ الذي يحق له ما لا يحق لغيره، وآية ذلك أنه طلب من فياض يومًا أن يجلس إليه لكي يملي عليه كتابًا في كيفية كتابة القصة القصية. هنا صاح سليمان في وجهه: “كف عن نرجسيتك يا عم يوسف، فلا أحد يعلم أحدًا الكتابة”.

تعليق فياض سيصيب إدريس بغضب هائل، فعندما عاد إلى بيته وجد السيدة زوجته تنتظره على العشاء، وعندما دعته للمائدة قام بركلها مسقطًا أطباقها على الأرض، وذهب إلى سريره مضربًا عن الطعام. بطريقة ما عرفت السيدة “رجاء” زوجة إدريس ما كان بينه وبين فياض من نقاش، فقامت بالاتصال بفياض ورجته مراعاة حساسية إدريس الشديدة.

ثم يعترف فياض بندمه على إهدار فرصة الإملاء التي عرضها إدريس، وذلك لأن فياض يعترف دائمًا بأن إدريس كان عقلًا فذاً رزقه الله حسن التبويب وثراء المادة وتألق المعاني، فلو أملى كتابًا عن كيفية كتابة القصة القصيرة فلا شك كان ذلك سيكون فتحًا.

ذلكم ما بقي في ذاكرتي من القراءة القديمة لفصل “نرجس والصدى” الذي كتبه فياض عن إدريس، ولكن الذي أسقطته الذاكرة كان أخطر. ملخص ذلك يقول: كان الرئيس الأسبق محمد أنور السادات يرأس منظمة المؤتمر الإسلامي، فاختار يوسف إدريس ليكون سكرتيرًا له.

الرئيس الراحل أنور السادات

في تلك الفترة حصل إدريس على دور كامل بعمارة بحي الزمالك ثم على عوامة وعلى غير ذلك من الامتيازات، وفي مقابل تلك الامتيازات كتب إدريس كتاب “معنى الاتحاد القومي”، وهو الكتاب الذي سيظهر وعليه اسم السادات.

إدريس اعترف لفياض بتلك الواقعة في سياق شكواه من تجاهل السادات له بعد أن أصبح رئيسًا للبلاد. فياض يعلق على تلك الواقعة فيقول إنه تأكد من صحتها من مصدر آخر، ثم يضيف إن إدريس كتب للسادات أيضًا كتاب “يا ولدي هذا عمك جمال”، فأسلوبه أرقى من أن يكتب مثله قلم السادات.

أذكّر أنا القارئ بأن الفصل الذي كتبه فياض عن يوسف إدريس قد نشر قبل أربعة عشر عامًا ولم يكّذب أحد ما جاء فيه من أحداث ووقائع.

سطوري هذه لا تغني عن قراءة كتاب فياض الذي يفيض بمتع شتى، ومجددًا نشكر كل الذين وقفوا خلف هذا الإصدار الممتع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: