دار الكتب

«الزوايا الخفية» في حياة شكسبير.. حيل الإفلات من صراع السلطة (1 – 2)

امتلك شكسبير قدرة فائقة على عدم الزج بنفسه في أي صراعات مع السلطة؛ “لقد كان بحق “سيد الزاويا الخفية” حسب تعبير المؤرخ الأدبي والأستاذ بجامعة هارفارد، ستيفن جرينبلات.

يخلص جرينبلات إلى أن “الكتابة الدرامية لم تكن يوما مهنة آمنة في العصر الإليزابيثي”، برغم أنه كان أزهى عصور إنجلترا الثقافية على الإطلاق، ويتابع: “لم يستطع معاصرو شكسبير الإفلات من براثن هذا الصراع”؛ فقد زُج بصديقه ومنافسه، بن جونسون، في غياهب السجون بعد عرض مسرحيته The Isle of Dogs (جزيرة الكلاب) بتهمة التحريض ضد الحكومة. كما اضطر، توماس كيد، إلى الفرار بنفسه بعد صدور مذكرة بالقبض عليه، وتعرضه للتعذيب المبرح أثناء خضوعه للتحقيقات، بالتهمة نفسها. أما كريستوفر مارلو فقد استقبل طعنة نافذة أودت بحياته على يد عميل موال للحكومة، بينما كان ينتظر التحقيق معه بشأن معتقداته الدينية المثيرة للجدل.

يسعى جرينبلات على مدى صفحات كتابه – التي تتجاوز 200 صفحة من قطع الوسط – إلى استكشاف تلك “الزوايا الخلفية” في حياة شكسبير. في الفصل الأول من كتابه Tyrant: Shakespeare on Politics (المستبد: شكسبير والسياسة) الذي صدر في إبريل 2018، عن دار نشر W. W. Norton & Company، ويقع في عشرة فصول – يبسط جرينبلات الأدلة على خطورة الكتابة المسرحية في زمن شكسبير، التي بلغت ذروتها في نهاية عهد الملكة إليزابيث الأولى، التي كانت تشًبه نفسها بالملك ريتشارد الثاني، بطل مسرحية شكسبير، Richard II (ريتشارد الثاني)، الذي تعرض للهزيمة، ولقي حتفه على يد مجموعة من المتمردين.

لا يمكن أن يشك القارئ لمسرحية Richard II، التي تعبر عن ذهنية الصوت الواحد، في هيمنة قضية السلطة، وطرق ممارستها، على عقل شكسبير حد الافتتان؛ بل إن أغلب أبطال تراجيدياته التي خلدها تاريخ الفن كانوا من المستبدين، وكان جمهوره يتابع هذه الأعمال وهو يعي تماما أن القانون الحاكم خلف جدران هذا المسرح يقضي بالموت على المنشقين السياسيين او الهراطقة الدينيين.

في هذا السياق يشير جرينبلات إلى أن هذه المسرحية تحديدا عرضت لأكثر العبارات سخرية من السلطة في تاريخ الأدب العالمي – “الكلب يُطاع ما دام في موضع السلطة” – إلى جمهور كان لا يخلو من عملاء للحكومة. رغم ذلك، فقد نجح شكسبير في الخروج سالما من هذا المنعطف، وهو ما يمثل “مفارقة تاريخية سعيدة”، من وجهة نظر مؤلف الكتاب؛ “فالعواطف التي لم يكن بالإمكان التعبير عنها في الشوارع أو الحانات، كانت تتجسد على مسرح ’جلوب‘”.

يعود جرينبلات إلى بعض الأسئلة التي شغلته في بداية عمله في مجال النقد الأدبي، الذي حقق له شهرة واسعة، وجعل منه علامة بارزة في المذهب التاريخي الجديد في النقد (يُطلق عليه في مجال الدراسات النقدية “التاريخانية الجديدة” New Historicism). وفي معرض إجابته على هذه الأسئلة يتمسك جرينبلات بالتأويلات المتعمقة للحوارات الواردة في أعمال شكسبير التاريخية، والبحث عن معان خفية وراء المعنى الظاهري، والإيحاءات الكامنة خلف الرموز.

يشتبك جرينبلات مع ثلاثية Henry VI (هنري السادس) لسبر أغوار قضايا المؤامرة والخيانة، بما في ذلك الصعود المروع والسقوط الحتمي للمتمرد جاك كيد، الذي تزعم حركة التمرد ضد حكومة إنجلترا في عام 1450. “إنها قصة ’الدوافع السادية‘ التي يتشاركها كل من يحبون السلطة”.

لكن جرينبلات يرى أن هذه الثلاثية لم تكن أكثر من مقدمة عميقة لمسرحية Richard III (ريتشارد الثالث) التي هالته قدرات بطلها ’المشوه‘ جسديا: “إن مهارة ريتشارد الأساسية تتمثل في قدرته على فرض طريقته في عقول من حوله”. رغم ذلك، لا يعفي ذلك الملك ريتشار من أن يكون مريضا نفسيا؛ فقد كان حريصا على تحقيق “انتصارات جنسية فقط ليثبت لنفسه مرة تلو الأخرى أنه يستطيع أن يحصل على كل ما يريد”.

يمثل الاستبداد نوعا من المرض النفسي الذي يكتسب فصاحة لغوية وعمقا فلسفيا في مسرحيات شكسبير. ربما يبدو ماكبيث سفاحا، لكنه يتكلم بحكمة وعمق لا يدانيهما أحد. وفي مسرحية A Winter’s Tale (حكاية شتاء)، يحول الملك ليونتيس، ملك صقلية، اللغة نفسها إلى سجل شامل وتفصيلي عن البارانويا. برغم كل هذه التعقيدات، تبدو الشخصيات طوال الوقت جذابة ومؤثرة.

إذا كانت التيمة الأساسية للكتاب هي جوهر ممارسة السلطة كما عبرت عنها تراجيديات شكسبير، أو – بتعبير أدق – الطرق التي يجري بها خداع أو تخدير الشعوب أو المتعاونين من أجل المشاركة في المؤامرة، وتمريرها، كما صورتها أعمال شكسبير، إلا أن القليلين الذين يقاومون مثيرون أيضا للاهتمام.

في هذا السياق يأتي خادم دوق كورنوال في مسرحية King Lear كأحد أبطال الكتاب. لم يمنح شكسبير الخادم اسما في المسرحية، لكنه وقف في وجه سيده، وألح عليه بالامتناع عن الرضوخ لزوجته، ريجان، التي كانت تحرضه على فقء عيني أختها، جلوسستر. كان الرجل في خدمة سيده “منذ كنت طفلا صغيرا”، لكنه الآن يقدم له “أفضل خدمة ممكنة” بالحيلولة بينه وبين ضحيته. تتساءل ريجان بازدراء: “هل يجوز لفلاح أن يقف هذا الموقف؟”، بينما تطعنه حتى الموت.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق