ثقافة

السيرة الذاتية.. السير على صراط الاعتراف الأليم

السيرة هي أدب البوح، ماذا يعني أن تكتب سيرتك سوى أن هناك  ضرورة ملحة على نزع ستار عن أشياء لا يعرفها سواك؟ تكتب بالضبط أسطورتك الشخصية، انطباعاتك عن ما يتلبسك من أفكار ترى أنها ستصير قيد النسيان والتجاهل مع الوقت، البعض يمرر سيرته عبر كتاباته الإبداعية، يصبح ظلًا لأبطاله أو العكس.

هنا نتذكر ما قاله الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور: “كتابة السيرة الذاتية هي فن الذاكرة الأول، لأنها الفن الذي تجتلي فيه الأنا حياتها صراحة وعلى نحو مباشر، مسترجعة هذه الحياة في امتدادها الدال”.

جابر عصفور

في محاولة من “أصوات” لوضع النقاط على الحروف، طرحنا على نخبة من مبدعينا سؤالنا الذي قد يبدو غريبا ماذا ستسقط من سيرتك الذاتية؟.

هدف السؤال هو الاشتباك مع البوح، وطرح  الخطوط الحمراء على طاولة النقاش. غايتنا من السؤال هى تسريب أشواق الكتاب عن كتابة ما لا يرضوا بوضعه بين دفتي كتاب يحمل عنوان “سيرة ذاتية”.

ولع نرجسي

يقول الروائي والقاص شريف صالح: كان المصري القديم أول المولعين بأن يسجل على قبره أنه فلان ابن فلان، وأنه قد عاش الحياة بنزاهة وأنجز فيها كذا وكذا. ثم انتقل ما يكتب على ألواح القبور إلى بطون الكتب، حيث يحاول كل مبدع أن يكتب ما كتبه المصري القديم بأنه قد عاش حياته بنزاهة وضمير وأنجز كذا وكذا. فكتابة السيرة في الأساس فعل نرجسي، افتتان بالذات، وقوف أمام المرآة طويلًا، وأيضًا هى نوع من التطويب والتبرئ وغسل اليد مما ارتكبناه في حياتنا من كوارث.

الروائي والقاص شريف صالح

ما الذي يمكن أن يكتبه شخص مثل “هتلر” في مذكراته؟، هل سيقر بأنه يتحمل المشاركة بنصيب كبير في إزهاق حياة خمسين مليون إنسان؟ حتى لو اعترف وأبدى الندم.. هل سيغير ذلك من حقيقة الإبادة؟ هل سيعيد اعترافه الحياة لملايين الضحايا؟.

لذلك لا أميل إلى كتابة سيرتي، فلا أظن أن حياتي التي لم تكن سوى سلسلة من المصادفات الغامضة، والمليئة بسلسلة من الأخطاء والخطايا، فيها ما يستحق، ولا أظنها تملك امتيازًا عن كنّاس الحدائق. لا أملك هذا الولع النرجسي بالذات.

أجدني أقرب إلى ما فعله نجيب محفوظ، حيث أعاد تسريب سيرته وتشفيرها في نصوصه، أو بثها في شذرات حواراته. ولهذا الخيار ثلاث مزايا: تحويل مواد السيرة الخام إلى إبداع قادر على الحياة بنفسه، وأيضًا الالتفاف على الأذى الذي قد يتعرض له شركاء سيرتنا، فمن معضلات كتابة السيرة أننا لم نعشها وحدنا، بل مع آخرين قد لا يروق لهم تصورنا عنهم.

أما المزية الثالثة فهي أن الإبداع يساهم قطعًا في اكتشاف حيل لتجاوز”تابو” أي سيرة والمتعلقة بالدين والجنس والسياسة، لأن ما قد أحجبه أو يحجبه غيري سيتعلق دائمًا بأحد تلك “التابوهات”. وللأسف مع سقف حريات متدنٍ في العالم العربي تأتي معظم السير المكتوبة منزوعة الدسم، فيها كل شيء إلا ما كان يجب أن يُكتب.

الصندوق الأسود

من ناحيته، يقول الروائي والمترجم  أشرف الصباغ: الأعمال الأدبية المتعلقة بكتابة السيرة الذاتية في غاية الصعوبة والتعقيد، فالكاتب قد يستخدم أدق وأخطر الأحداث وأكثرها حساسية في مسار حياته بشكل حر في أعمال أدبية ذات موضوعات متنوعة، لكن عندما يصل الأمر إلى كتابة السيرة الذاتية نصطدم بعملية “الإخفاء” أو النسيان

أشرف الصباغ

وفي الحقيقة، فالكاتب لا يقصد إطلاقا أن “يخفي” أو “ينسى”، كل ما هنالك أن هناك أحداثا معينة في حياة الكاتب لم يتمكن بعد من فهمها أو حلها مع نفسه، هذه الأشياء تظل في داخل “صندوقه الأسود” كأسرار على الرغم من أنه قد يتَعَرَّض لأحداث كثيرة في حياته ويطرحها صراحة في سيرته الذاتية، مع ذلك تظل بعض الأحداث “مخفية” في هذا الصندوق، وهي عادة الأحداث التي لم يتمكن بعد من استيعابها وحلها مع نفسه.

الإنسان– الكاتب يخفي بعض الأشياء والأحداث وربما الأفكار عن الناس، لكنه في حقيقة الأمر يخفيها عن نفسه في المقام الأول، ويسمي ذلك نسيانا. هذا النسيان يبدأ بالكف عن كونه نسيانا عندما يبدأ الكاتب – الإنسان في فهم وإدراك واستيعاب هذا الشيء أو ذاك الحدث. وتنتهي عملية النسيان عندما يتمكن الشخص ليس فقط من فهم وإدراك الحدث واستيعابه، بل وأيضا من مواجهته والتعامل معه، بالتالي يصبح الموقف أو الحدث صالحا كمادة للتناول في السيرة الذاتية.

“لو قُدِّر لي كتابة سيرتي الذاتية، فلن أستطيع ذكر شخصيات ساعدتني في مواقف حساسة كادت تعصف بحياتي أو تنهيها، ربما على حساب واجبها الوظيفي. لن أذكر أيضا أولئك الأشخاص الذين خذلوني، أو خانوني ونجحوا في الصعود والترقي وصاروا “كبارا”!، لسبب بسيط للغاية: لكي لا ينعدم الأمل وتنعدم المروءة عند مَنْ سيقرأ سيرتي الذاتية. لن أذكر أي من المواقف والأحداث التي لم أحل طلاسمها مع نفسي وأدركها وأتعامل معها كجزء من طبيعتي الإنسانية، ستظل كلها مخفية ومنسية في صندوقي الأسود إلى أن أتصالح معها ومع نفسي ومع طبيعتي الإنسانية”.

نعمة النسيان

وتقول الروائية زينب عفيفي: لولا النسيان لانفجرت الذاكرة، وأصابنا ما أصابنا من الجنون، ومع تلك النعمة التي نتمناها أحيانا وتستعصي علينا كثيرا، ونتمنى أن نفقدها في لحظات، خاصة حينما نريدها بقوة وتتدلل علينا ويصعب تطويعها، ما يضطرنا إلي الخضوع لذكرياتنا مأمورين كجنود علي جبهة القتال، وتبقي الذكريات مستيقظة نهمة تلتهم حاضرنا وتضعنا علي حافة اليأس، لولا مشاغلنا اليومية التي تنقذنا من نهم الذكريات المؤلمة التي لا ينجو منها أحدا مهما بلغت قوة إرادته في التغلب عليها.

الروائية زينب عفيفي

يبقي النسيان والذكري هما لعبة الحياة الأبدية، أبدية اللحظة التي نصارع فيها آلامنا وأفراحنا، فلا يمكن نسيان من دهس حلما أو أيقظ قلبا من غفوته، لا أحد يستطيع أن ينسي يدا امتدت نحوه في موقف مؤلم أو حاله حزن أو شد كف في لحظة فرح، أو نظرة عتاب تحمل كل سمات التسامح، عمرنا هو اللحظة، أننا لا ننسي خسارتنا في الحياة، قد ننسي أفراحنا أما أوجاعنا فهى دوما تعيدنا إلي أنفسنا لترتيب حساباتنا مع ذواتنا كلما هاجمنا موقف ما علي غفلة من الزمن أو حكاية عابرة توقظ خلفها حكايات قديمة كانت في طي النسيان. لا أستطيع أن أنسي ما حييت موقف اكتشافي أن أمي لا تبصر مثلنا، وهي التي لم تشعرني طوال طفولتي أنها فاقدة للبصر. كانت تذاكر لي دروسي وتعلمني كيف أواجه مشاكلي الدراسية، كيف أواجه أفعال صديقاتي. وأنا صغيرة كنت أعود باكية لأن صديقتي التي اعتقدت أنها صديقة مقربة اشاعت لكل الزميلات حكاية خاصة اعتبرها سرا من أسراري الصغيرة والمح في عيون زميلاتي نظرات وغمزات من الاستهزاء والسخرية، فتقول لي أمي: اجعلي صديقتك هذه مصدر لنشر أخبارك التي تريدين إذاعتها للجميع، أما اسرارك الخاصة فأحكيها لي أو دونيها في كراسة صغيرة حتي تصبح يوما مصدرا للنكات والضحكات.

 كلنا مررنا بهزائم عاطفية صغيرة، كانت وقت حدوثها كواراث تبكينا طوال الليل، بكيت مع صوت أم كلثوم في أغنية فكروني ورقصت علي أنغام أغنية الناجح يرفع أيده لعبد الحليم حافظ وغنينا نشيد الله أكبر في طابور الصباح. يظل الحب هو العذاب الكبير، معه نعذب أنفسنا وتصبح حكاياته هي أجمل الذكريات وأعذبها. الحب في حياتي نوع من الجنون والشغف، والقوة الحقيقة للارتباط بالحياة، متى وعيناه يبقي بداخلنا يكبر وينمو ويتطور ويأخذ أشكالا وأطوارا، تارة يحملنا عذاباته، وتارة يطير بنا فوق السموات السبع، نعلو ونهبط في أرجوحته، ويبقي هو المكتوب علينا مهما كبرنا ومهما نسينا ومهما أخذتنا الحياة. في لحظة يشعل الحرائق وفي لحظة ينير القلب بنور لا ينطفئ أبدا، نور إلهي يشبه روعة النسيان، العلاج الوحيد لنسيان أوجاعنا هو عدم أخذ الذاكرة مأخذ الجد.

مناوشة النفس

الشاعر مؤمن سمير يقول: سبق لي أن ناوشتُ سيرتي الذاتية عن طريقين: أولاهما طريق مباشر وواضح، يكمن في النظر في (المكان) الذي اعتبرته وعاء صُبَّت فيه الدراما السيرية التي صنعتني فكان ترددي بين أماكن عدة كافياً لصنع حياة كاملة تشبهني، وهو ما عبرت عنه في مقالات كثيرة. الطريق الآخر هو طريق الرمز والتخييل، طريق الإبداع الأكثر مكراً وعناداً ومخاتلةً.

الشاعر مؤمن سمير

لكن هناك نقاطاً منيرةً في حد ذاتها أو مظلمة في حياة كل مبدع، لم تظهر في سياق حكيه لسيرته ولم يومئ لها وهو يكتب إبداعاً، بشكل مقصود أو عفوي. بالنسبة لي سيبقى أبي منطقة لم أمسها، رغم القصائد الكثيرة التي تحاورت معه فيها، أعني أبي الحقيقي وليس المكتوب والمرسوم كنت دائماً أهرب من هالاته ومن كونه إنساناً حقيقياً رائعاً بحق، بما يصل لدرجة المثال والأيقونة. من أجل هذا خلقت واحداً آخر أكثر طبيعية وميلاً للخطأ بل والقتل كذلك! حولته من وَليٍّ في نظر كل مَنْ اقترب منه إلى صورة أكثر درامية كأن يكون أباً جباراً قام باضطهادي وتعذيبي على الدوام حتى رَبَّى لي عُقَداً حاولت أن أخرجها بالإبداع، كأني كنتُ أعتذر عن إبداعي بخلق سببٍ وراءه وقيمة ألهث وراءها لأتطهر.

 أمر آخر هو البهجة، حيث اكتشفت وأنا أعد مختارات شعرية من دواويني الصادرة أن كتابتي كلها عبارة عن تنويعات على مقام الحقيقة بالنسبة لي وهو المقام المكتنز بالخوف والألم والغربة في هذا العالم .. ربما لغلبة هذه المشاعر على حياتي وربما لإدراكي أن هذه المشاعر أكثر فنية ودرامية في الكتابة .. لهذا تجاهلت تماماً بشكل طبيعي وغير مفتعل لحظاتي المبهجة، وهي لأنها قليلة فهي مهمة وتصلح كل لحظة منها للاقتراب والتحاور واللعب الفني، لكني لم أفعل ذلك مطلقاً وبإصرار، كأني أعترف طول الوقت باستثنائية الفرح وديمومة الموت.

الأمر الثالث الذي افتقدته طول عمري كإنسان لكني اخترعته في الكتابة هو الحب، حيث ظل هذا الأمر بكراً بالنسبة لي، فرغم العلاقات المتعددة التي كنت طرفاً فيها إلا أنني كنت أحولها لنهر من الأسئلة يخص الأنثى كأسطورة وكينونة وفلسفة وواقع، ما كان يجعل مصير هذه العلاقات الوحيد هو أن تصير ثقيلة على الطرفين وبالتالي تظل عابرة لا تسكن وتهدأ وتتمتع بأوهام الخلود الجميلة أبداً. لكن لإدراكي أن هذا الجانب من الحياة يظل معيناً لا ينضب لتفجير الشعر أفردتُ له قصائد كثيرة تتناول كل مفردات وتفاصيل العلاقة وكأنني أعاينها كل لحظة، حتى أني أذكر لحظاتٍ كنتُ أبكي بالفعل لتأثري من وهمٍ صنعتهُ على الورق.

وهكذا كان الشاعر طول الوقت يلعب بالإنسان داخلي ويستغله ويكرسه لمصلحته وينير مناطق مظلمة في حياته ثم يعود ويسكب عليها العتمة بضراوة المنتقم ويقتل ملائكة مروا به أو يصنعهم أمام عيونه الشاخصة ويطيرهم في الجحيم.

كان الشاعر يخترع له كل لحظات حياته وينقشها بالزهور أو بالدم تبعاً لأوامر وضرورات الفن حتى أيقن الإنسان أن الشاعر كان يخلق له حياة حقيقية بدلاً من حياته الفانية.

 روح الحرباء

بدأت الشاعرة رضا أحمد حديثها معي منشدة:

تلك العاطفة يا رفيقي مازالت تجد طريقها في قلبي

وأنا لا أمتلك خبرة في النسيان

الفانوس الورقي الذي صنعناه ليحلق بين زينة رمضان

وجد بعد ذبوله مكنسة العامل

 الضوء يذبل

ويسقط

ويتلاشى

وامرأة مثلي لم تعرف الشهوة إلا قليلا.

الشاعرة رضا أحمد

ثم تكمل : لم أبرح القاهرة إلا لأقدم نذور العودة ذليلة دون قيود السجان، هذا المكان الذي أحب والذي تعلمت فيه أن ضريبة التأقلم ستفقدنا بعض أدوات التعجب وأفعال الاستفهام. إلا لأعبر أنا والشاة في أمان “الحاتي”  بينما كنت في سن يحسدونني عليه عرفت انه علي أن استمر رفيقة لخوفي لأخطو أبعد ما يمكن.

كنت أستطيع الرسم واللعب بالخطوط ولم تكن لوحاتي تجد فرصتها لتتنفس في كشكولي إلا وتجد يد مدرس ما ليضمها لإنجازاته الوهمية في تعليم طالب موهوب. الأغنية عن الوطن لم تجعل النيل فيه أزلي وأنا وأحدي عجائب الدنيا مازلنا نصلي للخرافة التي لم تجد لها تفسيرا في أذهان العامة.

لنستمر كان يجب علينا أن نخفي بعضا منا، لربما كان لي ذيل حيوان قارض وآنياب آخر ضارٍ، لربما كانت رأسي ناعمة كالمخمل وأفكاري كحبات الماس، لا أحد يعرف، أنا نفسي حين افترضت أني وجدت وظيفة أخرى لأصابعي غير الرسم عرفت أنني تجاوزت منذ طفولتي بكاء اليأس وبدأت في تجريب شيء آخر لربما أجدته. وماذا عن العزف؟  لربما حظي مع مستطيل البيانو  كان أفضل من رقعة الكيبورد، من يدري؟

هذا هو الشيء الذي أعشقه فيّ، لا يمكن توقع ما سيحدث معي ولكن على كافة المستويات أستطيع الاعتياد على الحدث وترويضه، لقد رزقت شيئًا من روح الحرباء وليس الشعر في النهاية.

 ﻗﻠﺖ للشعر اﺫﻛﺮ ﻟﻲ ﺃﺳﻤﺎﺋﻚ، ﺻﻔﺎﺗﻚ، ﺣﻴﺎﺗﻚ ﺍﻟﺴﺮﻳﺔ، ﺍلمرأة ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺐ أن تتعرى أمامك، ﻟﻮﻥ ﺍلحبر ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺠﻠﺒﻚ، ﺍلورقة ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻌﺜﺮ فيك ﻭﺗﺴﻘﻂ، ﻭﺍﻟﺮﺟﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﺰﻋﺖ ﻋﻦ ﻋﻴﻨﻴﻪ ﺍﻟﻐﻤﺎﻣﺔ، ﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻳﺬ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺠﻌﻠﻨﺎ ﻧﻨﺪﻡ ﺣﻴﻦ تختارنا، ﺃﻱ ﺟﻼﺩﻳﻚ ﺳﻴﻠﻘﻨﻨﺎ ﻛﻮﺭﺱ ﻟﺬﺓ ﺍﻷﻟﻢ ﺑﺸﻐﻒ؟

أوقفت لها روحي وحزني وأوهامي، ولم تجلب لي الكتابة شيئا أكترث له، حاولت أن تترك لي قارئا يستيقظ معي في قصيدة؛ كنت وحيدة، لم يطاردني قاتل في صندوق البريد ولم يصعد معي مغفل برج القاهرة لنرسل تحياتنا إلى مروحية تترنح في الجحيم.

ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌﺎﻃﻔﺔ ﻳﺎ ﺭﻓﻴﻘﻲ ﻟﻢ ﺗﺠﻌﻠﻨﻲ ﺃﻛﺘﺮﺙ للغلاف، ﺃﻧﺎ ﺃﻗﺮﺍ جيدا ﻣﻮﺍﺻﻔﺎﺕ ﺍﻟﻠﺤﺪ، ﺻﺮﺕ ﻋﺎﺟﺰﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻧﻜﺎﻳﺔ ﻓﻲ ﻗﺪﺭﺗﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺴﻴﺎﻥ؛ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻲّ ﺃﻥ ﺃﺻﻨﻊ ﻃﺮﻳﻘﺔ ﺗﺤﻤﻴﻨﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻗﺎﺑﻞ ﺟﺜﺘﻚ ﺗﻤﺸﻲ ﻭﺗﻘﺘﺮﺏ ﻣﻨﻲ، ﺃﻥ ﺃﺗﺬﻛﺮ ﺇﻧﻨﻲ ﻻ ﺃﺣﺒﻚ ﻭﺃﻧﻚ ﻓﻲ ﻗﺒﺮ ﻣﺎ ﻷنني ﻗﺪ ﻧﺴﻴﺘﻚ. ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺒﺚ ﻓﻌﻼ ﺃﻥ تصافح ﺍﻟﻤﻮﺗﻰ ﻭﺗﻘﻠﺐ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺨﻬﻢ ﺍﻟﻤﺮﺿﻲ.

اللعب بالنار

وتعترف الروائية عبير درويش: الممتع في كتابة السيرة الذاتية أنك لا تحتاج إلى ابتكار أحداث، فقط تسجل ما حدث معك وأنت ممتلئ بالمشاعر التي ترغب أن تصل القارئ بكل زخمها لترضي فضوله لمعرفة سيرتك وما واجهت بمعترك الحياة. أن تكون مكتوبة بشكل أدبي جيد، يرغب في قراءته العامة، وتصبح مطالبا بذاك التوازن الذي يشبه اللعب بالنار؛ ففي عالمنا العربي كتابة السيرة الذاتية لا تعني سوى الاعترافات أو التطهر، وعلى الكاتب ألا يهاب ازدراء الناس وأفراد أسرته وأقاربه إذا كتب شيئاً يثير حفيظتهم أو ينبش بقلمه في ماضي أحدهم متضمنا كونه جزءا من سيرته باعتبار الصلة العائلية.

الروائية عبير درويش

إلى أي حد يمكن للمجتمع أن يفهم هذا النوع من الكتابة ولا يعتبره رغبة في الشهرة وإثارة الفضائح، وهل سيظل كتاباً مثل “الخبز الحافي” يثير ذات الاستهجان؟. السيرة الذاتية تُبنى على الثقة بين الكاتب والقارئ، ويجب تحري الصدق عند كتابة السيرة، وإلا لما توجب عليه خوض غمار هذا اللون الكتابي، بالرغم من أنني أرى أن الصدق الخالص صعب التحقق.

أقدمت على كتابة بعض فصول من سيرتي على هيئة متتالية قصصية “تعاريج”، طبعت بالعام 2015 ونوقشت في رسالة ماجستير ضمن”مختارات، حاولت فيها قدر الامكان تقصي الصدق في سرد بعض المواقف والأحداث، بغض النظر عن التحرج الذي قد أواجهه.

ماذا أسقط من سيرتي التي أنوي استكمالها؟.. ربما الألم، فلا أرغب في إيلام القارئ، ولا التعاطف المستلب، ربما لأكون صريحة أرغب باسقاط الموت، الوحدة في الظلام، الجوع، الألم الناتج من ترصد الحدث، لا لتجنب الحرج  ولكن للترفق بالقارئ؛ فكل الذين قرأوا “تعاريج” وهي مجتزأ من السيرة  تألموا رغما عني.

برمجة المجتمع

يقول الشاعر فتحي عبد السميع: لحظة الكتابة لها أحكامها الخاصة، ولا أستطيع تحديد ما يمكنني كتابته ومالا يمكنني الخوض في ذكر تفاصيله

الشاعر فتحي عبد السميع

أتمنى أن أكون حرا  تماما وقت الكتابة، وأسعى لذلك، وبخبرتي ككاتب  أعرف أن تلك الحرية سوف تلعب دورا في رفع  قيمة الكتاب، لكن، هل بإمكاني أن  أكون حرا تماما وأنا أسرد عملا لا يقوم على الخيال، بل على تفاصيل حياتي الفعلية؟

بالطبع لا، فمهما بلغت درجة شجاعتي أو حتى تهوري، سوف تبقى مناطق لا يتحكم فيها الوعي، بل يتحكم فيها اللاشعور الفردي واللاشعور الاجتماعي، لأن المجتمع الذي نعيش فيه يبرمجنا منذ طفولتنا على كبت أمور معينة، وتلك البرمجة تعمل بقوة كبيرة وبطريقة سحرية وكأنها تنتمي للغريزة لا الثقافة، وهناك أمور تخصني وأستطيع تحمل نتيجة البوح بها، وهناك أمور تخص غيري، ومن الظلم توريطه في تحمل نتيجتها، وهذا تحديدا ما سوف أحجبه بوعي عن القارئ.

   تبقى الأسرار الشخصية مثيرة، ومرغوبة للقارئ العام لكنها في تقديري ليست شرطا جوهريا لجمال الكتابة، أو لكشف مناطق عميقة في الذات والعالم المحيط.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: