منوعات

داود بركات.. لبناني المولد «أهرامي» الهوى

انتقل داود بركات من بلاد الأرز إلى أرض الكنانة، بحثا عن فضاء أرحب، فمصر كانت دار هجرة للعلماء والأدباء والساسة، وفتحت أبوابها لأصحاب الرأي المضطهدين والمطاردين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حتى أن عبد الرحمن الكواكبي وصفها قبل استقراره فيها عام 1899 بأنها “دار العلم والحرية”.

إخلاص “صاحب الجلالة” داوود بركات للبلد التي قضى فيها أكثر من ثلثي حياته، لا يقل عن إخلاصه لبلده الأم “لبنان”، فُخلدت ذكراه في القاهرة وبيروت، برفع اسمه على شوارع وميادين في “مدينة نصر” كما في “الرميل”.

داوود بركات

ترك بركات إرثا لا تزال جريدة “الأهرام” التي تولى رئاسة تحريرها لنحو 34 عاما تحمل آثاره، لدرجة أن بعض مؤرخي الصحافة قالوا: إنه إذا نسبت “الأهرام” تحريريا وصحفيا وسياسيا إلى واحدا بعينه فإنها تنسب إلى دواوود بركات، لا إلى أصحابها من آل تقلا.

المؤسس الثاني

تولى بركات المولود في عام 1867، بقرية “يحشوش” إحدى قرى فتوح كسروان في لبنان، منصب رئيس تحرير الأهرام في يونيو من عام 1901، تحديدا بعد وفاة صاحبيها، بشارة تقلا ومن قبله بتسع سنوات شقيقه سليم، وكان الأخير يتولى مسئولية “الأهرام” قبل انتقالها إلى القاهرة. ظل بركات في المنصب حتى عام 1933، وهو ما جعل البعض ينسبها إليه باعتباره المؤسس الثاني، الذي أدخل عليها تطويرا جعل منها الجريدة الأولى في مصر والعالم العربي.

تلقى بركات وهو في عهد الطفولة في قرية “يحشوش” مبادئ العربية والسيريانية والإيطالية واللاتينية على يد عمه الخوري يوسف بركات الذي كان من حملة لواء العلم والأدب، ودخل بعد ذلك مدرسة المحبة في بلدة “عرامدن” وهي مدرسة قديمة كانت تتقن تعليم العربية، وانتقل منها إلى مدرسة الحكمة في بيروت وهي مدرسة مشهورة بتخريج الكتاب والشعراء والعلماء، فكان داود من أنبغ تلامذة العلامة عبدالله البستاني، بحسب ما أورده شقيقه بركات بركات في مقدمة كتاب داود “البطل الفاتح إبراهيم وفتحه الشام 1832”.

أكمل بركات دراسته في مدارس “بير الهيت” وهي من المدارس المحلية، لم ير صاحبنا في لبنان المساحة التي أراد أن يصنعها لنفسه، فقرر الهجرة إلى محيط أرحب حيث الثقافة والسياسة والحرية، فشد الرحال إلى أرض الكنانة، وحصل على  وظيفة بمصلحة المساحة بمديرية الغربية، ثم انتقل وفقا لما رواه شقيقه إلى التدريس في إحدى مدارس زفتى، “كان يميل بطبعه إلى الكتابة والصحافة وكان ينشر في الصحف بين الحين والآخر، إلى أن حدثت فاجعة في زفتى والتهمت النار بيوت أحد الأعيان، وأثرت تلك الحادثة في نفسة فكتب عنها وأرسل مقاله إلى جريدة المحروسة فأعجب به صاحبها وطلب منه المشاركة في تحرير الجريدة”.

لم يطل عمل بركات في “المحروسة” وانتقل جوالا بين عدة صحف منها “القاهرة” و”النيل”، ثم أنشأ مع صديقه الشيخ يوسف الخازن وابن عمه إبراهيم بركات جريدة الأخبار التي راجت في ذلك الوقت رواجا كبيرا.

مع انتقال “الأهرام” في سنة 1899 إلى القاهرة، تولى داود بركات رئاسة تحريرها، تسلمها 4 صفحات وسلمها 14 صفحة، انتهج فيها نهجا صحفيا وعلميا، وبحسب ما أورده رياض نخول في كتابه “داود بركات شيخ الصحافة العربية.. من بلاد الأرز إلي وادي النيل”، فإن بركات كان “صحفي بارع له المقام الأول بين كتاب العصر، وسياسي خبير له معرفة بدقائق الأمور وأسرارها، كان من أبرع الصحفيين في الشرق، ومن أعفهم قلما، ومن أقدرهم علي استخراج النتائج من الحوادث، امتاز بدقة النظر وسعة الاطلاع، فهو سياسي قدير وقف علي أسرار السياسة الشرقية وعالج مشاكلها وقضاياها علي ضوء مصالح مصر والعروبة والإسلام، وكان له أياد بيضاء وهجمات عنيفة في سبيل القضية الفلسطينية”.

وقال في موضع آخر “خبا عنده الشعور الدينى لمصلحة الروح الوطنية فهاجم تدخل رجال الدين فى السياسة وتبنى مبكرا الجنسية الوطنية دينا ودستورا وطرح العلمنة السياسية سبيلا لإدراك الوطنية الحقيقية المنبثقة من الاشتراكية العادلة كحل لقضايا الشرق المعقدة لكى لا تحيله جلافة تقاليده وموروثاته البالية والمتحجرة سطحا بلا عمق فتصب تنوعاته الحية فى القالب القاهر للغالبية العددية”.

محاكمة طه حسين

وأورد الدكتور يونان لبيب رزق في سلسلته “الأهرام ديوان الحياة المعاصرة” ما يدحض به رؤية نخول عن مهاجمة بركات لسطوة رجال الدين، حيث عرض المؤرخ الأهرامي في مقاله “محاكمة طه حسين”، حملة داود بركات على عميد الأدب العربي طه حسين بعد نشر الأخير كتاب “في الشعر الجاهلي”، وأشار إلى أن “الأهرام” شنت حمله ضارية على طه حسين بسبب تعرضه للقصة القرآنية عن نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل، فافردت “الأهرام” صفحتها للنيل من طه حسين وأفكاره “الإلحادية”، ونشرت لمشايخ الأزهر ومدرسي دار العلوم مطولات في ذم طه حسين وكتابه، وقال رزق: “اتخذت الأهرام موقفا معاديا من طه حسين وهو ما فطن إليه بعد ما جاء في افتتاحية الجريدة في عددها الصادر يوم ‏30‏ سبتمبر 1926، والتي يكتبها رئيس التحرير من نعوت له لم تعتد جريدتنا علي استخدامها‏، فهي تصف “في الشعر الجاهلي” بأنه كتيب تعيس تافه نقله صاحبه عن أحد المستشرقين‏،‏ وتكتب عنه في موقع آخر بأنه كتاب تافه لا يستحق الذكر الأمر الذي دفع صاحبه إلي كتابة رد مطول،,‏ نشرته الجريدة في اليوم التالي‏”.‏

عميد الأدب العربي طه حسين

ووفقا لرزق، فقد جاء الرد علي شكل أسئلة موجهة إلي داود بركات‏:‏ هل تستطيع أن تنبئني عن الصلة بين هذه الألفاظ وبين الكتاب؟.  وهل تستطيع أن تنبئني عن الصلة بين هذه الألفاظ وبين كرامتك وما ينبغي لك من طهارة اللفظ ونقاء اللسان؟. إذن ففيم هذه الألفاظ وفيم هذا الشتم الذي لم تكن في حاجة إليه لولا أنك تريد أنت أيضا أن تتملق عواطف السواد وأن ترضي هذه الشهوة المنكرة‏..‏ شهوة الكيد والإغراء والانتقام.‏

ولوح الدكتور طه حسين في نهاية رده بأن القانون يخول له أن يدفع عن نفسه ضد الصحف التي هاجمته “إني وقد رأيت من إسرافك ما رأيت أريد أن استمتع بهذا الحق‏”،‏ ولعل هذا التهديد الخفي هو الذي دفع داود بركات إلي نشر رد صاحب كتاب “في الشعر الجاهلي” كاملا.‏ وليس من تفسير لهذا الموقف من الأهرام تجاه العميد، بحسب رزق، سوي أن الرجل كان قد كف عن الكتابة في الجريدة فجأة في أواخر عام ‏1922‏ وهاجر بقلمه إلي جريدة السياسية.

رواية رزق لا تنفي عن داود بركات انحيازه إلى الصحافة وإلى الأهرام، فقد صنع رئيس التحرير معركة جعلت مصر تتابع جريدته وتتناقل المقالات التي هاجمت صاحب “في الشعر الجاهلي”، ورد طه حسين، بذكاء شديد.

انتصاره لحرية الصحافة

أشادت “البلاغ” الوفدية بدور بركات القومي وانحيازه إلى استقلال الصحافة وحرية الرأي والتعبير ودعمه للحركة الوطنية في ثورة 1919 وقالت في نعيه: “لقد وسع صدره الأمة حين ضيقت السلطة العسكرية الدنيا على صحافة مصر وكتابها فكانت الأهرام هى الصحيفة التى ينشر فيها الوطنيون دعوتهم ويبعثون منها إلى الأمة برسالتهم فما كان داود فى كل حياته إلا مناصرا للوطنية المصرية ومؤيدا لدعوتها، ولقد كانت الصحف فى عهد الاحتلال تناوئ مصطفى كامل أو تخالفه إلا داود بركات فقد كان يصفو إلى الزعيم الوطنى بالود ويشايعه ويظهره وينصره بقلمه وبجريدته الأهرام”.

وقال عنه محمد حسين هيكل رئيس تحرير جريدة السياسة لسان حال حزب الأحرار الدستوريين أن: “داود بركات قد تمثلت فيه إرادة أمة وثورة أمة.. أدى الوفاء للبنان الحبيب وأخلص الولاء لمصر العزيزة”.

كتب بركات في نهضة مصر الحديثة بعد إبراهيم باشا، وفي الثورة العرابية في الحجاز عام 1916 وحوادث السودان، كما كتب في السياسة الانجليزية في الشرق.

اعتبر لسنوات طويلة من الشخصيات الصحفية ذات النفوذ الواسع في السياسة المصرية، بحيث كان يوجه الرأي العام والحكومات، وقال نخول في كتابه سالف الذكر أن “مكتبه في الأهرام كان مجتمعا أدبيا للساسة والكتاب، يحسن استقبالهم ببشاشته ولطفه، فأجمع الناس علي حبه واحترامه، وكان الوزراء يقصدونه للتداول معه حول العديد من القضايا الكبري آخذين برأيه ونصائحه في المسائل المهمة، وقد لعب دورا سياسيا مهما، حيث أصبح المرجع الأهم للحكومات المصرية التي كانت تؤلف في مكتبه وتستقيل من مكتبه”.

ويضيف نخول: مع انتقال جريدة الأهرام إلي القاهرة عام1898 طلب بشارة تقلا من داود بركات عام 1899 أن يتولي رئاسة التحرير وظل في منصبه حتي وفاته سنة1933، وقد اتسعت الأهرام في أيامه، إذ عندما تسلمها كانت تصدر في أربع صفحات، فتوفي وهي أكبر صحيفة في الشرق العربي تصدر في أربع عشرة صفحة، حتي قال صديقه بولس غانم إنه ساس أمورها بحكمة وإخلاص، وقادها وسط العواصف قيادة الربان الماهر حتي أصبحت أرقى الصحف وأوسعها انتشارا، فأمكن الأهرام إبان الحرب العالمية وفي ظل الأحكام العرفية أن تطلع قراءها علي كل خفي ممنوع نشره من دون أن تتعرض إلي إيقاف أو تعطيل، وقد أطلق عليه شيخ الصحافة لما تحلى به من الثقافة العالية والمقدرة الصحفية ولمواقفه السياسية البعيدة عن المتاجرة بالمبادئ.

حرص خلال فترة رئاسته لتحرير الأهرام على كتابة مقال افتتاحي يومي عنوانه: “السياسة في العالم العربي”، وكان يتقاضى راتبًا شهريًا قدره 50 جنيها بحسب ما أورده أمير الصحافة محمد التابعي في روز اليوسف في نوفمبر عام 1926.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق