ثقافة

نساء رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» الثوريات (1-2)

 في منتصف الستينات من القرن الماضي أطلق الطيب صالح طلقته الأولى في عالم الرواية فأحدثت دويا هائلا في الأوساط الثقافية العربية، واعتبرت فتحا جديدا ومعبرا نحو نوع آخر من الرواية العربية  تنداح عوالمه مفسحة أكبر قدر من التوهج لطاقات إبداعية صادمة في صدقها وتجردها للحقيقة وانتصارها العميق للروح الممزقة على مذابح الصراع الممتد بين الشرق والغرب.       

وقد برز في تلك الرواية -وما تلاها من روايات- فكرة الأنثوية كفكرة محورية تمثل الحضارة التي تتعرض للعدوان دوما، برغم أنها تمثل الجانب المضيء الذي يسهم بالقدر الأكبر في الثقافة والفن والموسيقى، كما أنها صانعة التغيير الذي يعوّل عليه الطيب صالح كثيرا في نهضة الأمة العربية وخلاصها من كل أسر.

      إن الأنثى عند صالح ليست هي الأنثى الواقعية الزاخرة بالتفاصيل التي تصطبغ بالمعاناة والألم، وتقاسي عبر مراحل حياتها منذ النشأة حتى الممات، ولا سبيل لديها سوى الصبر والتجلد فحسب؛ لكنها الأنثى القادرة على اقتناص فرصتها في الحياة ومزاحمة الرجال، وفتح نوافذها الخاصة على عالم رحب فسيح تتخلص فيه من التسلط الذكوري الذي لا يرى فيها إلا أداة للمتعة أو مطية للاستعباد والقهر؛ وكأنها كائن خلق بلا روح.

      تحمل الأنثى في رواية موسم الهجرة إلى الشمال العديد من الدلالات الرمزية.. فهي الشرق الفتي العصي المناوئ للغرب وسيطرته، المتميز بتراثه وثقافاته وسحره، وهي إفريقية القارة السمراء المتمردة التواقة للحرية الساعية دوما للمتعة والخيال بعيدا عن أي التزام قاس يُفْرضُ عليها دون أن تعي جدواه أو تتبصر فوائده، وهي الفرس العربية الأصيلة التي تقدر قيمة نفسها، وتتخير رجلها عن قناعة، ولا ترضى له بديلا حال غيابه مهما كانت العواقب، وهي قارئة المستقبل المتطلعة نحو آفاق العلم والنور، المتمردة على التقاليد البالية والأعراف المقيدة للمجتمعات، المانعة لها من التطور والتحديث.

      إن نساء الطيب السودانيات في موسم الهجرة إلى الشمال لسن ككل النساء، إنهن مزيج من ثقافات متعددة وحضارات متنوعة تلاقت هناك على ضفاف النيل، واعتملت عناصرها عبر قرون، وتناوبت عليها صروف الدهر، حتى كانت الصياغة النهائية فريدة في سحرها، نادرة في غناها، رائعة آخر حدود الروعة فيما تكشف عنه من كوامن النفس الإنسانية التي تتوق لبلوغ الكمال، وتطمح إلى السعادة، وتضحي من أجل القيمة مهما ضعفت السبل، وعز النصير.

     في شخصية فاطمة عبد الصادق والدة بطل العمل مصطفى سعيد يُظهر صالح قوة المرأة الوحيدة التي هجرها زوجها أو مات عنها- لم يحسم الكاتب الأمر وتركه للقارئ- فتراها لا تبدي ذلك النوع من العطف أو الحنو تجاه ولدها، حتى عندما يخبرها مصطفى بأمر التحاقه بالمدرسة؛ فإنها تكبح رغبتها في معانقته وتقبيله مؤثرة تجلدها وصمتها، ظنا منها أن الحنان سيفسده، أو أنه سيكون مضعفا له في وجه صعوبات الحياة التي من المتوجب عليه أن يواجهها.

      “نظرت إليَّ برهة نظرة غامضة، كأنها أرادت أن تضمني إلى صدرها. فقد رأيت وجهها يصفو برهة، وعينيها تلمعان، وشفتيها تفتران كأنها تريد أن تبتسم أو تقول شيئا. لكنها لم تقل شيئا. وكانت تلك نقطة تحوُّل في حياتي. كان ذلك أول قرار اتخذته، بمحض إرادتي”. ص23

     هل كسرت الأم بفعلها هذا قلب الفتى؟ وهل هذا التحوّل كان على مستوى الفعل المتولد من الإرادة الحرة فقط، أم كان له بُعد عاطفي أحال روح الفتى إلى غابة من جليد، أو صحراء قيظ لا تعرف الرِّي؟.

 كان حرص فاطمة على أن تصنع رجلا صلبا قادرا على الاختيار وتحمل العواقب، لا يعيَّر يوما أنه رُبِّي في حجر امرأة- أقوى حتَّى من عاطفة الأمومة وميلها الفطري للحنو على ولدها، إنها حتى لا تُظهر رضاها الخاص عن صنيع ولدها بل تذكر أباه مؤكدة أنه ما كان ليفرض عليه شيئا “لو أن أباك عاش ما اختار لك غير ما اخترته بنفسك، افعل ما تشاء، سافر أو ابق أنت وشأنك، إنها حياتك أنت حر فيها، وفى هذه الصُّرَّة ما تستعين به، كان ذلك وداعنا لا دموع ولا قُبل ولا ضوضاء مخلوقان سارا شطرا من الطريق معا ثم سلك كل منهما سبيله”.ص25

     تُمثِّل أم مصطفى سعيد ذلك النموذج للمرأة الذي تفضل أن تقسو على نفسها، وتذيقها ألم الحرمان لغاية كبرى تصغر إلى جوارها كل غاية، وهي أن ينشأ الابن رجلا مكتملا ناضجا واعيا؛ كأنما نما جذعه إلى جوار أبيه لم يفارقه أبدا.. وهذه سمة من سمات المرأة العربية التي تخلع عنها بهجة الحياة بكاملها عندما يغادر رجلها؛ مفضلة أن تهب قادم أيامها لرعاية صغارها حق الرعاية بأن تكون لهم أبا قبل أن تكون لهم أما.

     يطرح الطيب نموذجا أنثويا مغايرا يبدى من خلاله وجها مكشوفا نعرفه في مجتمعاتنا العربية، ولو على نطاق محدود، إنها بنت مجذوب المرأة التي تجالس الرجال، وتدخن بشراهة، ولا تجد غضاضة في الحديث عن أزواجها الثمانية، والمفاضلة بينهم في الفحولة، وتصدر حكمها النهائي لصالح “ود البشير” في نبرة عالية تختلط فيها الأنوثة بالحب الإنساني المطلق.. وبنت مجذوب لا ترى في نفسها غرابة ولا تفردا، إنها تتسق مع ذاتها تماما، ولا ترى حرجا في أن تربي بناتها على هذا النحو من المكاشفة الماجنة، ولكن بالمقابل هي امرأة قوية صاحبة رأي لا تعرف النفاق ولا تطيقه، ولا تحب الحياء المصطنع الذي تبديه النسوة بينما تضج مجالسهن في الحزن والفرح بتلك الأحاديث الفاضحة…لكنها لا تخفي انحيازها المطلق في حوارها الصاخب مع “ود الريس” لبنات بلدها، فليس أدرى منهن بالرجال، أوهن في أسوأ الأحوال كغيرهن من النساء.. لكن لا أحد يفضلهن على الإطلاق.

      تعبر شخصية بنت مجذوب عن السودان الإفريقي الذي يحن إلى عفويته وانطلاقه وانسلاخه من قيود العادات؛ إنها رمز لذلك التوق الجارف إلى الحياة البرية، والتماهي مع الطبيعة التي تمنح الخصب والخير للجميع، وهي من جانب آخر لا تفتقر إلى الحكمة التي هي نتاج تجربة إنسانية ثرية كانت لها الغلبة فيها، حيث كان رجالها مجرد محطات عابرة في حياتها الممتدة.

      كما تمثل بنت مجذوب جانبا من الثورة الاجتماعية التي يُكشف عن كثير من جوانبها في أعمال الطيب الروائية، إذ أنها تعتبر في مسلكها بمثابة دعوة صادقة للمكاشفة والشفافية لعلاج أمراض مجتمعاتنا العربية وآفاتها المستحكمة، كما أنه تمثل صرخة ضد النفاق الاجتماعي والتجمل الزائف الذي تُبنى عليه كثير من العلاقات في المجتمع، كما تمثل دعوة للنقاش لكل ما هو مسكوت عنه.

     يقدم الطيب صالح نموذج “حُسْنَة بنت محمود”  كنموذج مُبتغى له في المرأة الوطن التي تجتمع فيها خصال الكمال وأوصاف الجمال، فهي إلى جانب قوتها، وإرادتها المتحررة، وصبرها على المواجهة ذات ” قامة ممشوقة تقرب من الطول، ليست بدينة، ولكنها ريانة، ممتلئة كعود قصب السكر، لاتضع الحناء في قدميها ولا في يديها، ولكن عطرا خفيفا يفوح منها، شفتاها لعساوان طبيعة، وأسنانها بيضاء منتظمة، وجهها وسيم، العينان السوداوان واسعتان يختلط فيهما الحزن والحياء، حين سلمت عليها أحسست بيدها ناعمة دافئة في يدى، امرأة نبيلة الوقفة، أجنبية الحسن، أم أنني أتخيل شيئا ليس موجودا حقيقة؟ امرأة أحس حين ألقاها بالحرج والخطر فأهرب منها ما أستطيع”.ص82

      إن حُسْنَة تلك المرأة الوفية التي اختارت الزواج من رجل غريب، رأت فيه أبا لأولادها، وعاشت معه الرضا والقبول رغم معاناته النفسية القاسية التي أصابها منها ما أصابها؛ إلا أنها تأبى أن تكون لغيره بعد رحيله، إنها لا تتصور ذلك، وهي تؤكد هذا بقولها” بعد مصطفى سعيد لا أُدْخِلُ عَلَىَّ رجل”. ص 88 لذلك فهي عندما تقتل “ود الريس” وتنتحر؛ تكون قد طرحت بما أقدمت عليه عددا من التساؤلات المُلحَّة لا تثير في الحقيقة الشعور بالرثاء أو التعاطف أو الإدانة فحسب؛ لكنها تدين ممارسة اجتماعية متوارثة تجبر المرأة على الزواج دون إرادتها مما يخالف الإنسانية والشرع الحنيف، وهي بما فعلت تكون قد كسرت ذلك النير الذي يستعبد به الرجال النساء في مجتمعاتنا، وبمقتضاه تستذل النسوة وتهدر كرامتهن ويجبرن على طاعة أزواج استحلوهن بقوة العرف والعادة لا بشرع الله الذي يفترض الإيجاب والقبول.

      إن تلك الصفات التي أدت بحُسْنَة إلى ذلك المصير لم تكن وليدة زواجها من مصطفى سعيد، فهي منذ صغرها لا تهتم كثيرا بتلك الفروق المتوهمة بين الجنسين، ويذكر الطيب صالح ذلك على لسان محجوب صديق الراوي “هل تذكرها وهى طفلة شرسة تتسلق الشجر وتصارع الأولاد، كانت وهى فتاة تسبح معنا عارية في النهر” ص92. لكنها من ناحية أخرى وبعد خمس سنوات قضتها في بيت مصطفى سعيد صارت غريبة على نحو ما عن تلك البيئة صارت “كنساء المدن”.. حتى أنها أقدمت على ما اعتبرته أم الراوي عيبا، عندما طلبت أن يتزوجها زواجا صوريا اتقاء للمصير المؤلم الذي رأته محتوما إذا هي تزوجت من “ود الريس”.

      لقد كسرت حُسْنَة الطوق بما فعلت، لقد قتلت الأوهام المسيطرة، وحطمت نير الاستعباد، وصارت علما على الوفاء، وعدم الرضوخ حين أقامت في بيت “ود الريس” أسبوعين لا تكلمه ولا يكلمها” ولما أراد أن يكسر إرادتها كان منها ما كان.

**موسم الهجر إلى الشمال- رواية للطيب صالح- طبعة دار العين للنشر/1425هـ-2004م- رقم الإيداع بدار الكتب المصرية:9748/2004

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق