فن

«العش».. التحرر من شباك بيت العنكبوت

نجحت مسرحية “العش” المأخوذة عن “بيت الدمية” للكاتب النرويجي هنريك ابسن، وإخراج إبراهيم بوشا، والتي عرضت ضمن عروض المهرجان القومي للمسرح، أن تجسد لنا في تتابع مكثف لا تتجاوز مدته 45 دقيقة، ما يمكن أن نٌطلق عليه رحلة الفرد في البحث عن ذاته الحقيقية، والتي تكمن في تحقيق الحرية والسعادة بعد رحلة من المعاناة ومصاعب الحياة وشق الطريق إلى المجهول.

يبدأ العرض بديكور كوخ “هلمر ونورا”، الذي يبدو مثل عش الطيور، ويبدو لنا هلمر (يجسد شخصيته إسلام علي) ونورا (تجسد شخصيتها نانسي نبيل) يؤديان رقصة بسيطة تعبر عن مراحل تطور العلاقة بين الزوجين في العرض بأكمله.

 تبدو نورا  كطائر يستعد للتحليق في سعادة بعد أن ملت من “عش أبيها”، ومعها هلمر الذي يغمرها بالحب، لكن هلمر أيضا في نهاية الرقصة يقيد أجنحتها لتجد نفسها في عش جديد. على الجانب الأيمن للمسرح تطالعنا شجرة الكريسماس التي تجسد لنا مشوار مشاعر الحب في الحياة الزوجية، فهي تبدو في البداية شجرة جميلة قبل أن ينتهي بها الأمر إلى شجرة ذابلة.

عام واحد فقط،  كان كافيا لينقلب عش نورا إلى سجن، أصبحت لا تحب هلمر.. لا ترحل لكنها لاتحبه، وهو ما يظهر على لسان نورا التي جسدت نانسي نبيل ببراعة وصدق حزنها وحاجتها للانطلاق والحرية: “لقد كنت في بيت أبي كالطائر الصغير في عشه، أنتظر تعلم الطيران كي أشق طريقي للسماء، لكن أبي أحب أن تظل صغيرته في مكانها ترى السماء وتشعر بنسمات الهواء وهي ثابته في مكانها، فمللت العش ومللت أبي، هنا جاء هلمر.. لكن حياتي أصبحت فارغة، لم يعد لدي شيء أعيش من أجله”.

حياة نورا التعيسة  كان يقطعها لحظات من الراحة مع الشخص الباقي لها من عائلتها بعد هروبها من بيت أبيها، العم رانج (ميشيل ميلاد)، صديق والدها، الرجل العجوز خفيف الظل الذي يعزف على آلة الميلوديكا.

خفة ظل العم رانج، الذي جسده ميشيل بحرفية عالية، تظل طوال العرض تكسر إيقاع المنزل الكئيب، يكسر عبوس وجه نورا ويرسم ابتسامة حتى وإن ظلت لدقائق، لكن ذلك لم يكن يحظى بإعجاب هلمر الذي كان يشعر بالغيرة.

 طريقة إسلام علي، وخفة ظله أيضا تجعلان المشاهد يشعر بأن الغيرة سببها الرغبة في تملك تلك الفتاة حتى لو كانت تستمتع لدقائق في الحديث مع رجل عجوز. العنف النفسي والجسدي الذي يمارسه هلمر على زوجته يجعلها تترك المنزل لأول مرة، تدخل العم رانج عبر حديث ثنائي بينه وبين هلمر يحدث لمرة واحدة فقط طوال مدة العرض، ما يدل على أن ذلك الشخص البادي القسوة “هلمر” لا يزال يحب زوجته ويراها السبب الوحيد لبقائه على قيد الحياة.

قبل أيام من احتفال العائلة بالعام الجديد تكتشف نورا أن ذلك الرجل العجوز التي تراه بمثابة والدها، يحبها هو الأخر، وتقرر أن تستمر في معاملته كما كانت، بعد أن أخبرها بمرضه واقترابه من الموت. الصراع على نورا تبدل بين والد وزوج، إلى زوج وحبيب، هي الوحيدة التي تعرف، ليضاف إليها ثقل جديد، فيما تضطر للنزول إلى العمل دون معرفة هلمر حتى توفر بعض النقود للمنزل.

في ليلة عيد الميلاد نفسها يصل الصراع بين الرجلين إلى ذروته، عندما يعلن هلمر عن مشاعره التي تبدو قائمة على الملكية، ملكية المنزل والأثاث ونورا، فيما يفصح العم رانج عن سبب حبه نورا، هو يراها “تحفة فنية” عاينها وهي تتشكل أمامه، ولذلك يجب أن تعود ملكيتها له.

في المقابل يتبدى لنا تماسك نورا وصمتها إزاء مشهد تناقلها بين أيدي الرجلين كدمية. يتعين هنا التنويه ببراعة الإضاءة التي لعبت دورا مهما في العرض، ونقلت للمشاهد في سلاسة، من خلال شدتها وخفوتها، تباين مشاعر الحزن والتعاسة، والراحة والحرية، الذي تجسده الشخصية.

في مشهد النهاية تبدو لنا واجهة المسرح بأكمله على هيئة ستارة من الخيوط المتشابكة تشبه بيت العنبكوت، لتعكس نظرة نورا أخيرا للعش، وإحساسها أن استمرارها في تلك الحياة يعني الموت، فهي ترفض أن يمتلكها أحد الرجلين المتصارعين عليها، فتقرر الخلاص من خيوط العنكبوت وترحل، تاركة وراءها جثة العم رانج، فيما هلمر يصرخ أسفا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق