منوعات

«الفكر الحر».. كيف يفلت من تسلط الأغلبية؟

كلنا نتطلع أن نمارس التفكير الحر، لكن الحقيقة الصادمة أنه لا يوجد شيء يعادل قوة الضغوط الاجتماعية في تأثيرها على آرائنا  الشخصية. دراسة أكاديمية حديثة أكدت مجددا هذه الحقيقة، وانتهت إلى أن أغلب الناس يغيرون أراءهم وأحكامهم الشخصية في أحيان كثيرة لتتماشى مع المعايير السائدة في مجتمعاتهم، رغم أن تأثير ذلك التغيير قد يستمر لأيام فقط، ولا يدوم طويلا.

وفقا للدراسة التي نشرتها دورية  العلوم النفسية، وهي مجلة تابعة لرابطة العلوم النفسية، يقول رونغ جون يو من جامعة جنوب الصين للمعلمين، أحد مؤلفي الدراسة: “النتائج التي توصلنا إليها تشير إلى أن التعرض لآراء الآخرين يغير بالفعل آراءنا الخاصة، لكنه لا يغيرها إلى الأبد”.

جامعة جنوب الصين

ويضيف: “مثلما تعمل الذاكرة على الاحتفاظ بنحو 7 عناصر أو أفكار ويكون الدواء فعالا لبعض الوقت، يبدو أن التأثير الاجتماعي لديه مساحة زمنية محدودة لتحقيق الفعالية”.

ظاهرة راسخة

ويتابع: حقيقة أن الأحكام الشخصية تتأثر بآراء الآخرين هي ظاهرة راسخة في أبحاث علم النفس، لكن من غير الواضح ما إذا كان التوافق الاجتماعي  يعكس امتثال الجمهور أم أنه يبقى لوقت محدد، مدفوعًا برغبة في التوافق مع المجموعة وتجنب الرفض الاجتماعي أو القبول الخاص، ما يعني أن يؤدي إلى تغيير حقيقي في أراء الأفراد يستمر حتى في حال زوال قوة التأثير  الاجتماعي.

قرر يو وزميلاه، يي هوانغ، وكيث كندريك التحقيق في هذا السؤال في المختبر، فقاموا بتجنيد طلاب الجامعات الصينية للمشاركة في دراسة استكشاف كيفية “إدراك الناس لجاذبية الوجه”، وطلب من الطلاب النظر في 280 صورة رقمية لصغار النساء الصينيات وتقييم جاذبية كل وجه على مقياس مكون من 8 نقاط.

بعد تقييم الوجه، رأوا المتوسط المزعوم لـ 200 تقييم للطلاب الآخرين لهذا الوجه. الأهم من ذلك هو تطابق متوسط المجموعة مع تقييم المشاركين في 25٪ فقط من الوقت. ولبقية الوقت، تغير متوسط تقييمات المجموعة بمقادير تراوحت بين 1 ، 2 ، أو 3 نقاط فوق أو تحت تصنيف المشارك.

لاحقا، تم إرجاع الطلاب إلى المختبر لتقييم الوجوه مرة أخرى بعد مرور يوم واحد، 3 أيام، 7 أيام، أو 3 أشهر.وأظهرت البيانات أن معيار المجموعة يبدو وكأنه يؤثر في أحكام المشاركين عندما يعيدون تقييم الصور بعد يوم أو ثلاثة أيام من الجلسة الأولى.

تأثير موقوت

في المقابل، لم يظهر أي دليل على تأثير الرغبة في المطابقة الاجتماعية عندما كانت فترة التدخل أطول (إما 7 أيام أو 3 أشهر بعد الجلسة الأولى). وفقا للباحثين ، فإن حقيقة أن آراء المشاركين تأرجحت لمدة تصل إلى 3 أيام تشير إلى أكثر من تأثير مختبري سطحي، وأن معايير المجموعة كان لها تأثير حقيقي، وإن كان موجزا، على آراء المشاركين الخاصة.

السؤال الوحيد الذي لا يزال يو وزملاؤه يجهلون الإجابة عليه هو: لماذا يستمر التأثير لمدة 3 أيام؟ هم يخططون للتحقيق فيما إذا كان هناك سبب نفسي محدد لمدة التأثير، وما إذا كان من الممكن التلاعب بالتأثير ليستمر لفترات أقصر أو أطول.

في هذا السياق يقول الباحث و المفكر في العلوم الاجتماعية كينجسلي إل دينيس في مقال له: “يصر الكثير من الناس على أن لديهم الحرية الشخصية في ممارسة التفكير الحر، لكن الحقيقة النفسية تشير إلى أن الغالبية يخافون من إظهار حرية فكرهم، وتبين أن الأشخاص الذين يتقيدون أكثر بمنظومات الفكر السائد من المحتمل أن يكون لديهم قدر أقل من التسامح إزاء أي محاولة للفحص أو الشك في هذه المنظومات.

ملاذ آمن

ويضيف: “وهكذا، فإن التطابق الاجتماعي يغرس الشعور بالسلامة، فالانتماء ملاذ آمن من حيث حماية الشخص، إلا أن هذه المشاعر، من الراحة وعدم الراحة، غالباً ما تكون مقيدة اجتماعية لنا منذ الولادة، فالكثير من سلوكنا البشري ينبع من التأثيرات التي صاغتنا. ومع ذلك، فإن ما لا يتم التحقق منه في كثير من الأحيان هو الدرجة التي يتم بها بناء هذه القوى الاجتماعية عمدا من أجل تشكيل وحكم جماعي”.

و يتابع: من خلال مجموعة من المؤسسات الاجتماعية المختلفة، يتم إنشاء “أنظمة معرفة” محددة، غالباً ما تستخدم لتوفير مجموعة من المثيرات الرضائية والتوافقية لدى الغالبية من الجمهور، فالواقع أننا مجبرون أغلب الوقت على التوائم مع استراتيجيات وأنظمة التقليد التي يتم تدريبنا عليها ويتم من خلالها العمل على حفظ المعلومات التي يتم تمريرها للأغلبية كمعرفة، ثم يتم تعزيز هذه المعلومات من خلال “مؤسسات الاستبداد” التي تعمل لصالح ترسيخ الأفكار القائمة، ما يجعلها تبدو وكأنها حقيقية.

و يشرح دينيس: تتضمن الطرق المختلفة المستخدمة لهذا الغرض كيف تسوق لنا بعض الحكومات إحصائيات دقيقة ظاهريًا تخبرنا عن مواقف معقولة بالنسبة لهم، ولكي تكون هذه المعلومات فعالة لا يمكن أن تكون بعيدة عن الحقيقة، أي يجب أن ترتدي مظهر الحقيقة، وغالبا ما يكون المسئولون عن التجارة والتوظيف والشخصيات المالية مثال على ذلك.

ويعقب على ذلك بقوله: “أي أعضاء من العامة لديهم المعرفة أو الموارد لفحص هذه الأرقام والمعلومات للتأكد من مدى مصداقية ما يقدمه هؤلاء المسؤولون يتم اتهامهم بالتمرد و عزلهم اجتماعيا”.

وصفة الخلاص

ويخلص دينيس إلى حقيقة مفادها أن الساعين من أجل التغيير في كل مجتمع هم أولئك الناس الذين لا يخشون الانفصال عن قواعد التكيف الاجتماعي ويتعلمون ويتدربون على التفكير بأنفسهم بشكل مستقل، غالباً ضد قوة الجماهير، في اتجاه ما يرونه صحيحا وفقا لما يعتمدونه من قواعد موضوعية وعلمية.

ويضيف: “العقل اليقظ” مطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى، حتى يستطيع التفكير والسلوك الواعي لتمهيد الطريق للمضي قدمًا وتجاوز “المستنقع” المحيط بنا وإضاءة الطريق نحو السير بأفضل السبل في الاتجاه الصحيح، (الخاطئ) بنظر الأغلبية السائدة.

هنا يتعين علينا أن نذكر مقولة المفكر الاجتماعي الشهير إدوارد دي بونو: “إذا كان الجميع يسيرون في نفس الاتجاه، فإن أي شخص يسير في اتجاه مختلف يعتبرونه خطأ، ورغم أن الاتجاه الآخر قد يكون هو الأفضل، إلا أنه يظل بنظرهم خاطئًا”.

إدوارد دي بونو

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: