ثقافة

نساء رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» الثوريات (2-2)

 في تناوله لشخصية المرأة الأوروبية في روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” نجد قيمة الصراع بين الشرق والغرب حاضرة بقوة مع وجود تراوح بين الانجذاب والنفور،  والاحتياج وروح الانتقام،  والافتتان والطوق نحو التحرر.

  تحمل شخصية مسز روبنسن رمزية أوروبا التي يتمناها الكاتب، أوروبا التي لا تسيطر عليها غريزة الطمع، ولا تهيمن عليها نوازع الاستعباد في علاقتها بالشرق.. أوروبا التي تعطي الاهتمام والرعاية في مقابل حرارة أنفاس الشرق وسحره وحيويته وشبابه النابغ.

  يصف الطيب صالح اللقاء الأول بين مصطفى ومسز روبنس على نحو بارع “وفجأة أحسست بذراعي المرأة تطوقانني، وبشفتيها على خدي. في تلك اللحظة، وأنا واقف على رصيف المحطة، وسط دوامة من الأصوات والأحاسيس، وزندا المرأة ملتفان حول عنقي، وفمها على خدي، ورائحة جسمها، رائحة أوروبية غريبة، تدغدغ أنفي، وصدرها يلامس صدري، شعرت وأنا الصبي ابن الاثني عشر عاما بشهوة جنسية مبهمة لم أعرفها من قبل في حياتي، وأحسست كأن القاهرة، ذلك الجبل الكبير الذي حملني إليه بعيري، امرأة أوروبية، مثل مسز روبنسن تماما، تطوقني ذراعاها، يملأ عطرها ورائحة جسدها أنفي. كان لون عينيها كلون القاهرة في ذهني، رماديا أخضر يتحول بالليل إلى وميض كوميض اليراعة” ص 26.

 وهي من جانب آخر تمثل القاهرة في علاقتها الملتبسة بالسودان، بحكم مشاركة مصر آنذاك في مهام عسكرية في السودان التي كانت تحت الاحتلال البريطاني. ولعل ارتباك تلك العلاقة واضطرابها على هذا النحو هو ما جعل مصطفى سعيد في حال أقرب إلى الذهول، لكنه يستجيب لما تفيض به عليه مسز روبنسن من الحنان الذي حرم منه، ويظل طوال الوقت محتفظا بمشاعر طيبة تجاه المرأة وزوجها؛ معتبرا أن الفترة التي قضاها بينهما هي أهدأ فترات حياته وأقلها توترا.

  “كانت تريدني أن أناديها باسمها الأول، إليزابيث، لكني كنت أناديها دائما باسم زوجها، تعلمت منها حب موسيقى باخ، وشعر كيتس، وسمعت عن مارك توين لأول مرة منها. لكني لم أكن أستمتع بشيء”. وتضحك مسز روبنسن وتقول لي: “ألا تستطيع أن تنسى عقلك أبدا” ص 29.

     يكشف لنا الطيب هنا عن جانب آخر في علاقة الشرق بالغرب يبدو معكوسا، فالشرق هنا متعقل لا يسمح بسحر الفن أن يشغله عن التفكير، بينما الغرب هو الذي يٌسحر بالموسيقى والشعر، وقد يكون ذلك الوضع المعكوس هو تصور آخر للطيب عن هذه العلاقة المتوترة بين الشرق والغرب.

      تمثل شخصية آن همند صورة الغرب الذي يحاول الانفلات من صقيع الحياة في الشمال بتلمس سحر الشرق، والشغف بدراسة حضاراته ولغاته، كما تمثل في أصولها كل ما يعاديه الجنوب ويبغضه في الشمال، فهي ابنة ضابط في الجيش في إشارة للاحتلال العسكري، وأمها تنتمي إلى إحدى العوائل الثرية، في إشارة إلى أن ثراء الشمال كان دائما بإفقار الجنوب “أي شيء جذب آن همند إليّ؟ أبوها ضابط في سلاح المهندسين، وأمها من العوائل الثرية في ليفربول،     ” كانت صيدا سهلا، لقيتها وهي دون العشرين، تدرس اللغات الشرقية في أكسفورد. كانت حية وجهها ذكي مرح وعيناها تبرقان بحب الاستطلاع. رأتني فرأت شفقا داكنا كفجر كاذب. كانت عكسي تحن إلى مناخات استوائية، وشموس قاسية، وآفاق أرجوانية. كنت في عينها رمزا لكل هذا الحنين. وأنا جنوب يحن إلى الشمال والصقيع. آن همند قضت طفولتها في مدرسة راهبات. عمتها زوجة نائب في البرلمان. حولتها في فراشي إلى عاهرة”ص31.

      من خلال تلك العلاقة استطاع مصطفى سعيد أن ينزل انتقامه القاسي بالشمال الثري الناهب المتعجرف، وبالغرب الغاصب المحتل، ولم يجد في قلبه ذرة رحمة تشفع لآن همند، ولم يزده شغفها الجنوني به وبالقارة السمراء التي جاء منها إلا رغبة في الانتقام والتشفي مما تمثله من ثقافة لا ترتكز إلا على الاستعلاء حتى في أضعف وأحط فتراتها. ” وذات يوم وجدوها ميتة انتحارا بالغاز ووجدوا ورقة صغيرة باسمي. ليس فيها سوى هذه العبارة: “مستر سعيد. لعنة الله عليك” ص31.

      تلك اللعنة التي أرادت آن استنزالها على مصطفى سعيد كانت لعنة الزيف والخداع الذي تعامل بهما معها، كما أنها لعنة العدل المكذوب، والإنصاف المتوهم الذي يروج له الغرب دائما في علاقته بالشرق.. هذا الافتعال المؤسف الذي تجسد في شخص والدها الجنرال في شهادته بالمحكمة “كانت آن ابنته الوحيدة، وقد عرفتها وهي دون العشرين، فخدعتها وغررت بها وقلت لها نتزوج زواجا يكون جسرا بين الشمال والجنوب، وحولت جذوة التطلع في عينيها الخضراوين إلى رماد، ومع ذلك يقف أبوها وسط المحكمة ويقول بصوت هادئ: إنه لا يستطيع أن يجزم. هذا هو العدل وأصول اللعب، كقوانين الحرب والحياد. هذه هي القوة التي تلبس قناع الرحمة”.

      هذه العدالة المُنَاوِرَة آخر ما يمكن أن نقبله منكم معشر القتلة المختالون في الملابس الرسمية.. هكذا يفصح مصطفى سعيد عن امتعاضه من هذا المشهد الهزلي الذي يحاول فيه الجنرال تبرئة نفسه من دماء آلاف الضحايا في الشرق، لا تبرئته هو من دم آن همند.

     ومن خلال نموذج شيلا غرينود يؤكد صالح على كلية الصراع بين الشرق والغرب، وعدم التهاون، حتى مع النماذج التي تبدو أقرب للشرقيين.. فالفتاة التي أوقعها حظها العاثر في طريق مصطفى هي قروية ساذجة لا تجارب لها في الحياة، عرفها مصطفى بتولا بكرا، ليس لديها ما تضيفه له، ربما لم تكن تستحق هذا القدر من الإغواء.. لماذا ينتقم منها مصطفى إذن على هذا النحو؟ إن المستقرئ لتاريخ الاستعمار الغربي لبلادنا سيجد كثيرا من حالات استهداف القرويات بالقتل والتنكيل من جانب جنود المحتل.. فقبل هذا التاريخ بقليل تداول الناس قصة الفلاحة المصرية التي قتلت برصاص جندي إنجليزي في قرية دنشواي بدلتا مصر، ويمثل هذا النموذج في الصراع فكرة المعاملة بالمثل بعيدا عن المحاذير الأخلاقية، انتصارا لفكرة الإيلام بضرب الأضعف، واستغلال البسطاء في إذكاء نار الصراع.. فمما أكد عليه الغرب الاستعماري دائما أن الأبرياء هم من يدفعون الثمن الأفدح في أتون الصراع.

      إن دفع شيلا غرينود المرأة البسيطة إلى الانتحار بعد امتهان آدميتها وهدر كرامتها واستغلال أنوثتها على هذا النحو، يؤكد على فكرة أن الواقع الصراعي مع الغرب يقتضي التخفف من الموروث الشرقي في الرحمة الإنسانية في مقابل عدو لا يٌلقي لهذه الأمور بالا طيلة الوقت، وهو أمر علينا أن نتوقف عنده كثيرا؛ خاصة أنه يتعارض مع القيم الإسلامية التي تؤكد على الرحمة بالضعفاء حتى في ظروف الحروب وساحات المعارك.

      لا ينسف صالح مساحة التعاطف مع الغرب بالكلية لذلك فهو يعرض بدقة نموذج إيزابيلا سيمور زوجة الجراح الناجح- الأم لابنتين وإبن، التي عاشت حياة زوجية سعيدة امتدت لأكثر من أحد عشر عاما، كانت إيزابيلا تواظب على الذهاب للكنيسة كل أحد، وتساهم في أعمال البر، ويبدو أن السبب الأهم في تحول حياتها على هذا النحو كان إصابتها بالسرطان. سرطان الغرب الذي أصاب الشرق فأنهكه وأصابه بالخلل والضعف، مما أوجب استئصاله بكل وسيلة ممكنة، إن إيزابيلا المسكينة ليست إلا رمزا لكل قيمة نبيلة في الغرب لن تصبح بمعزل عن الانتقام طالما استمر الغرب في انتهاج سياساته العدائية تجاه الشعوب في الشرق، إنها نموذج يؤكد على أنه ليس بأحد ناج من عواقب الظلم والتجبر، الكل سيأتي ميعاد حسابه، الكل سيدفع الثمن، حتى أفضل العناصر، ما بقي هذا الضيم مستمرا.

      ترمز شخصية إيزابيلا أيضا إلى جهل الغرب بحقيقة الشرق، وعمق أصالته، وحاجته القوية للخروج من غيابة جُبِّ التاريخ، والأخذ بأسباب التطور والتحديث، إنها تعشق في ذلك الشرق بدائيته، وقبوعه خارج الزمن.. إنها لا ترى في النيل العظيم سوى أسطورة مغذاة بالأكاذيب، وهي ليست حريصة على التفكير في حقيقة ذلك البؤس المهيمن على الحياة في صحراء العرب أو غابات إفريقيا، كل ما هنالك أنها تنتشي لوجودها ضمن تلك الأجواء؛ ولكونها ليست مٌنبتة الصلة عن تلك الأسطورة الساحرة فهي من أم إسبانية.

       ثم تأتي أهم الشخصيات الأنثوية الغربية في الرواية، وهي شخصية جين مورس تلك المرأة التي أوقعت مصطفى سعيد في شباكها وحولته من صياد إلى طريدة، ومن ثم إلى فريسة. بوضوح تام ظهرت صورة الغرب الاستعماري المتغطرس في جين مورس التي تختلف عن غيرها من نساء مصطفى سعيد البائسات، فهي لا ترضى بأدوار الجارية مثل آن همند أو العاشقة كشيلا أو المتعبدة في محراب غروره كإيزابيلا.. لقد اختارت منذ البداية أن تكسر أنفه وأن تحيل أكاذيبه إلى حقائق مفزعة، وتتجلى قسوتها واحتقارها له وهيمنتها الكلية عليه في مشهد كسر المزهرية وتمزيق المخطوط النادر، وإحراق المصلاة الحريرية الأصفهانية التي كانت أثمن ما يملك مصطفى من أجل أن تمنحه نفسها.. لكن المشهد ينتهي بعد كل هذه التضحيات بضربة موجعة بين رجليه تفقده الوعي حتى إذا أفاق لم يعثر لها على أثر.. وهذا مشهد عميق الدلالة إذ يجسد سعي الغرب الاستعماري إلى عزل الشرق عن تراثه وحضارته وموروثاته في مقابل أوهام ووعود كاذبة لا تتحقق على أرض الواقع.

        ومع تكرار مشاهد الإهانة والإذلال من جانب جين مورس لمصطفى يزداد تعلقا بها، برغم تمنعها عليه، وبرغم يقينه من خيانتها المتكررة له، ولا شك أن تباين العالمين لا يسمح لهما باللقاء بقدر ما يفرض عليهما المواجهة والصراع.

      وفي مشهد عميق الدلالة تتحقق غاية مصطفى باستسلام جين له، بعد أن دفعته بكل ما أوتيت من قوة إلى قتلها أثناء العلاقة الحميمة.. وقد تحقق لها ما أرادت باعتبار أن الشرق استحق مصيره بعد أن خاض في الدماء الملعونة التي سبقه إليها الغرب قبل “ألف عام” وهو تقديريا تاريخ بدء الحملات الصليبية على الشرق.

       إن قتل مصطفى سعيد لجين مورس يؤكد على أن لا سبيل للخلاص من الاستعمار إلا باجتثاثه، وأن أي محاولة للتعامل معه بشكل آخر لن تؤدي إلى شيء.. كما أن ما أصاب مصطفى بعد ذلك من آثار مدمرة هو بمثابة الثمن الفادح المتوجب دفعه بلا مماطلة.

**موسم الهجر إلى الشمال- رواية للطيب صالح- طبعة دار العين للنشر/1425هـ-2004م- رقم الإيداع بدار الكتب المصرية:9748/2004

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: