ثقافة

ديمة محمود: السوشيال ميديا وراء عبث المشهد الشعري

أن تكون شاعراً فهذا يعني الخطر، الخطرالذي تحمله ذاكراتك من كلمات لشاعر يشبه تماما مصنع أسلحة غير مرخص، أو بركانًا خاملًا يمشي بين الناس، فالشعر خطر مثل كل شيء يقلب المائدة ويجعل ما قبله ليس كما بعده .

في زمن الخراب والدمار، الحرب والثورة، زمن شطب الآخر والشللية وقصم ظهورالأصوات الجديدة بالإهمال والخرس النقدي، يعيش الشعر والشعراء في عالمنا العربي حالة تهميش غير مبررة، نتيجة حتمية لصك مصطلح “زمن الرواية”، ليقفز الشعراء من ديوان العرب إلى زمن الرواية.

هذا ما يشغل  شريحة عريضة من الشعراء المصريين المغتربين عن بلدهم، حضورهم النادر يكون غالبا عبر المؤتمرات والفعاليات الثقافية، وغالبا ما تظهر غصة فى حلوقهم من مشهد ثقافي متردٍ، تتسيده الشللية والقطيعة مع أغلب ابنائه المغتربين.

حوارنا مع الشاعرة المصرية  ديمة  محمود، صاحبة “ضفائر روح” و”أشاكس الأفق بكمنجة”، يطوف بنا في مشهد غربة الشعر والشعراء، وهنا نص الحوار:

قال  صلاح عبد الصبور: “الشعر ميلاد بلاحسبان”.. ماذا يعني أن تكوني شاعرة؟ وهل مازال الشعر ديوان العرب؟

الشعر ترنيمة الإنسان الأولى وليس حكراً على العرب، والحضارات الفرعونية واليونانية وغيرها خير دليل على ذلك، بل إنه الصوت الذي عبر به الإنسان منذ الأزل عن رغباته وأحلامه وأفراحه وآلامه وقوته وانكساره وكل ما حوله.

الشعر ليس ديوان العرب، لا اليوم ولا في الماضي، الشعر فن مثله مثل سائر الفنون يتقلب ويتراوح حسب الوعي الثقافي الفردي والمجتمعي والظروف السياسية والاجتماعية المحيطة. وبالنظر إلى العرب في العصور السابقة، فالأمر ارتبط ببساطة بالحاجة إلى رواية ما يجري وإشاعته ولولا هذا لما وصلتنا تفاصيل حياة العرب منذ كانوا رحلاً إلى أن عرفوا القصور والقلاع.

هل الشعر في أزمة؟

المشهد الشعري يميل إلى الفوضى والنمطية والاستنساخ، ويعود ذلك لأسباب كثيرة أهمها ما يسود الجو العام من الرداءة والتردي وما يرتب على هذا من اختلال الذوق العام. بالإضافة للسعة التي تمنحها قصيدة النثر نفسها في الكتابة وهشاشة النقد الأدبي الموجود حالياً، بل وفراغ المشهد النقدي إلا من قوالب تنظيرية مكررة وكلاسيكية ومفرغة من الجوانب التي تمس حداثة اللغة والتراكيب الفنية، وتواكب الشعرية الحديثة وتصر على قولبة ونمذجة النقد والنصوص.

لهذه الأسباب معاً وغيرها: صارالشعر موهبة من لا موهبة له وصار هناك استسهال للكتابة وإلحاقها بقصيدة النثر، وتفشت كتابات تكتظ بالسطحية والرخاوة واللزوجة وألصقت عنوة بالشعر. لكنني مع ذلك أؤمن بحرية الكتابة والإبداع  وستجلو الأيام المشهد ولن تبقى إلا النصوص الجيدة والقوية شعرياً ولو كانت بسيطة، فأشعار الخلود لا تزال تكتب وستبقى وما سواها زائل زائل وإن أحاطت به الهالات والصخب والكثير من المقالات النقدية المبالغة، وأعطيت أكبر من حجمها و قيمتها الحقيقية.

وأشير هنا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تساعد في تفشي العبث في المشهد الشعري، لكن المتلقي للشعر ليس غبيا أوساذجاً وإن اضطربت ذائقته. ومن المنصف أن نقول أنها في الوقت نفسه حفزت تطوير القصيدة، وأتاحت مجالاً للمنافسةوالابتكار واكتشاف طاقات شعرية لم تكن لتظهر لولا وجود هذه الوسائل وهذا بحد ذاته جيد. ويجدر أن أشير إلى أن انتشار ظاهرة المواقع التي تنشر المواد الأدبية وسهولة النشر بها بلا ضوابط ولا معايير تشكل جزءًا من مشهد الرداءة الحالي.

هل للإعلام دور في تهميش الشعر؟

قصور الدور الإعلامي والتعليمي له دور في تهميش الشاعر والشعر فحينما تكرس برامج الشعروالأدب  وقضاياهما في قناة ثقافية، فإن هذا بحد ذاته يعزز الإقصاء والتهميش ويكرس فعلاً للنخبوية، لأن هذه القناة وتلك البرامج لن تشاهد إلا من قبل من يعنيهم الأمر والذين هم في الغالب الشعراء أصحاب اللقاء أنفسهم وبعض أصدقاء .

هناك من يرون أن الشعر بدأ نخبويا وسيظل نخبويا؟

الشعر فن نخبوي بامتياز وهذا لا يضيره لكن حينما يتحول الأمر إلى عزلة وتكلس فعلى تلك النخبة أن تستيقظ وتكف عن تجهيز غرف الموت السريري وحمل الشعر بنفسها إلى المتاحف والجبانات.

وهل مازالت القصيدة ومازال الشاعر قادرين علي اجتياح وجدان المتلقي كما كان الحال قبل ظهور قصيدة النثر؟

في زمن تتقهقر فيه هيبة كل أشكال الأبوية الدينية والاجتماعية والسياسية تنفتح أفاق التعبير واللغة والإبداع من خلال الفنون والآداب بما فيها الشعر لتتحلل من كثير من القيود التي ظلت تمارس عليها خلال الفترات المختلفة وتبكتر أشكالاً أكثر تحرراً ، فكانت قصيدة النثر هي الصوت الأنسب لنمط الحياة الحالي وهي الأكثر تناسباً وتعبيراً عن الإيقاع الفردي والجماعي حالياً.

تخلصت قصيدة النثر من عبء الخطاب الجمعي، فالخارطة السياسية والثقافية تغيرت بشكل كبير ولم تعد هناك قيمة للغة الخطابية والجماهيرية ولغة الحشد الشعبي والقومي والقصيدة بالتالي تواءمت مع هذا الواقع وكان من الطبيعي جداً مع كل المعطيات المحيطة الأخرى أن تتمحور قصيدة النثر حول التعبير عن الذات وحتى الآخر والعام من خلال رؤية أو تعبير ذاتي ولذا صارت قصيدة شاملة وكثيراً ما يجد المتلقي نفسه في قصيدة الشاعر الذي لايعرفه إلا في قصيدته بل إن آخرين كثر باختلافاتهم  يجدون أنفسهم في النص نفسه.

وماذا عن المخاطر التي تحيط بقصيدة النثر؟

الإفراط في السردية والتنظير والمباشرة يجرد النص من التكثيف ويجنح به عن الشعرية وفي الوقت نفسه فإن الإفراط في استسهال الكتابة وتسطيح النص يفرزنصوصاً هشة ويعقّم  النص من الشعرية فيتحول  المكتوب إلى كلام عادي لاعلاقة له بالشعر.كلا الحالتين تقصيان حالة التجلي التي هي من أساس فعل الشعر والتي تنشأ مع كل قراءة جديدة للنص ذاته.

النص الشعري الحقيقي لا يخاطب المشاعر ولا يستجدي الانفعالات، بل يصنع مزيجاً صعب التركيب والوصف من حالة تجلٍ وجداني عالية جداً وجديدة تماماً في كل مرة ومع ذلك قد تكون في حقيقتها بسيطة جداً، يحلق معها المتلقي كما حلق الشاعر في حالتة التي أفرزت النص، بل وربما أكثر منه وإن اختلفت وجهتهما. هذا التجلي مبعثه الحالة الشعرية التي يخلقها النص والتناغم  الداخلي في النص بين إيقاع اللغة والمجاز والفكرة أي باختصار: موسيقى النص والتي أؤكد أنها لا تعني فقط تناغماً صوتياً.

كيف ترين ظاهرة تصنيف الشعر بـ “النسوية”؟

ظاهرة تصنيف الشعر بـ “نسوي” أرفضها جملة وتفصيلا وقد تحدثت في هذا كثيراً ولا أود إعادته لكن خلاصة الفكرة أنني لست مع تأنيث أو تذكير الممارسات لأن منطق الشراكة والتكامل لا يقبل الاستقطاب واستعداء الآخر وتعزيز النقص بمثل هذه التسميات والممارسات. فليكتب كلٌ ما يود أن يكتبه دون استنزاف لإبداعه وتشتيته في أروقة الوهم. ويقتضي هذا برأيي أن تعي الشاعرة جيداً أن من الخطأ الفادح أن تكرس قصيدتها للصوت الواحد واللغة الواحدة وتموضع نفسها في زاوية محددة وتقولب نفسها بقوالب “النسوية”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: