فن

«سجن اختياري».. رسالة ضد الطمع والقهر

حاولت مسرحية “سجن اختياري” من تقديم مسرح كلية الهندسة بجامعة القاهرة، والتي عرضت ضمن برنامج المهرجان القومي للمسرح المصري، من تأليف وإخراج محمود جمال، أن توضح أهمية القناعة، ودور الطمع في جعل الفرد قد يختار “سجن” ما في مقابل فرصة أسهل للحصول على المال، بالإضافة إلى دور القهر والعنف النفسي والجسدي، في صناعة فرد غير مقبل على الحياة.

العرض من بطولة ” وسام طارق، وأحمد حمدي، وأيمن عبد العزيز، وأحمد فوزي، وحسام سالم، وأحمد موسى، ومصطفي ناصر، ومحمد مدين، وبسمه المحمدي، ومحمد بكر، ومروة محمد، وحمد جبر، وأحمد أسامة، وعبد العزيز محمد

أما ديكور العرض الذي صممته  “هبة الكومي”، فقد قام ببراعة بتصوير قصر الرجل الثري رفيق، حيث قسمت خشبة المسرح لمستويين، تارة تشعر بأنهم غرف مختلفة، وأخرى باتصالهم واعتبارهم جزءا من بهو كبير للقصر، وهو ما يعطى مساحة أكبر لحوار جانبي بين شخصيات العرض.

يبدأ العرض بتجمع كل الشخصيات “الأصدقاء” في ذلك القصر في حضور رفيق “أحمد حمدي” لنعرف أنهم كانوا أصدقاء أثناء الجامعة، ومرت 10 سنوات لم يجمعهم لقاء واحد، إلى أن طلب رفيق لقائهم، وهم الذين لم يروه واختفت أخباره طيلة تلك السنوات، حتى عاد وقد أصبح رجلا ثريا متزوجا.

 حمدي جسد الدور بشكل رائع في توضيح مدى رغبة صاحب المال في التحكم في شخصيات العرض، يعيبه فقط تأثره بشكل الرجل الثري الشرير في السينما المصرية خاصة الجزء المتعلق بالملابس.

وأثناء لقاء الأصدقاء بعد غياب طويل، يقدم لهم رفيق عرضا سخيا، وهو القيام بمسابقة، أن أخر من يخرج من قصره، سيقدم له 20 مليون جنيه، وهو ما يوافق عليه الأصدقاء باعتباره مكسبا مجانيا لا يتطلب منهم سوى الصمود والبقاء في القصر لبضعة أيام أو أسابيع على أقصى تقدير.

المسابقة التي بدت سهلة في عيونهم، أصبحت سجنا اختاروه مقابل المال، سجن مسوح به بزيارة من الخارج كل مدة معينة، وكما يقال أن السجن يخرج أفضل وأسوأ ما في البشر، فقد انقلبت النقاشات التي كانت تملؤها الضحكات في الساعات والأيام الأولى، إلى تنافس وتشاحن وشر مطلق بين المتنافسين.

فارس “أيمن عبد العزيز” وزوجته هاجر “مروة محمد”،  فارس خبير التنمية البشرية والذي كان يعمل في أحد مراكز علاج الإدمان وتعرف على هاجر وأحبها، وتزوجها، هاجر التي هجرت الإدمان، كانت أكثر إصرارا على البقاء بالمسابقة والحصول على الأموال، لتجبر فارس على البقاء بعد “ابتزاز زوجها عاطفيا”، وأن تخرج هي للبقاء بجانب أبنهما، لكن مع تطور أحداث المسرحية، نجد أنها عادت إلى الإدمان، وأن فارس أيضا له أخطاء يعترف بها في النهاية، وهي أن خوفه على زوجته جعل من حياتها سجنا لا يطاق، فلا أصدقاء ولا حياة خاصة بها بديلة لحياة الإدمان، لتنتحر هاجر في النهاية ويقرر فارس الخروج بعد أن خسر كل شيء خارج القصر، إلا ولده.

قدم أيمن الدور بشكل بارع، واستطاع  تقديم التفاوت بين مدرب التنمية البشرية الذي يدافع عن الحياة خارج القصر، وبين الزوج الراضخ، والحبيب المعترف، وأخيرا الشخص الباحث عن بداية جديدة يملؤها الأمل.

من أبرز شخصيات العرض، عمرو” حسين سالم”،والذي عبر للمشاهد وخاصة الشباب عن أزمة ربما يعاني منها الجميع، فهو المصور، الذي كان يرى في الثورة أملا شخصيا وطموحا عمليا، وكما يقول خلال العرض” أول الثورة ما قامت خدت الكاميرا ونزلت أصور، الغضب والهتاف والرصاص مبيهمنيش، كانت الكاميرا بيتعملها ألف حساب، وانا كنت من أشطر المصورين الصحفيين، شغل ليل نهار ومبانامش، لكن دلوقتي خلاص، الزمن أتغير، وبقيت أصور مهرجانات وفنانين سعداء، فبطلت تصوير، وبقيت عاطل بقالي سنتين”، لكنه يخرج أيضا بعد مرور بضعة شهور، باحثا عن أمل جديد ويحمل بين يديه قصة مصورة جديدة.

سلمى “بسمة المحمدي” وهشام “محمد مدين” زوجان، سلمى طموحة للغاية، وتحمل أيضا حقدا على حياتها التي تتصور طوال الوقت أنها يجب أن تكون أفضل وأغنى من كل من قابلتهم أو ستقابلهم في الحياة، أداء بسمة المقنع يجعل المشاهد يكره تلك الشخصية بالتدريج وفي نفس الوقت يشفق على زوجها، الذي يكد ويعمل دون أن يصل لرضا الزوجة المتسلطة، هشام سيقرر الخروج من القصر دون زوجته، التي قامت ببيع كل شيء يمتلكانه خارج القصر معلنة أنها ستظل في المسابقة حتى نهايتها.

طوال أغلب أحداث العرض هناك شخصية كريم “أحمد جبر”، مساعد رفيق في خدمة ومراقبة الأصدقاء، في بعض الأحيان يمثل كريم دور الضمير لكل شخصية محاولا إيجاد أمل خارج أسوار القصر، ويمكن أن نعتبره الجانب الإيجابي في شخصية رفيق نفسها.

في نهاية العرض وبعد عام من بقاء الأصدقاء في القصر، تبقى ثلاث شخصيات تتنافس على الجائزة، سلمى، وحسن “أحمد فوزي”، الذي يعمل بمجال التمثيل وينتظر فرصة أكبر من الأدوار الصامتة والصغيرة التي تعرض عليه منذ سنوات، وزياد “أحمد موسى” الموظف الذي عانى من قهر الأب له في الصغر.

يعاني زياد من “الزائدة الدودية”، ويرفض طلب المستشفى حتى لا يخرج من المسابقة التي في سبيلها ضحى بحضور وفاة والده وأبنه، ويموت ويخرج حسن سريعا مع وفاة زياد.

أخيرا يظهر الثري رفيق، ليسلم الجائزة لسلمي، التي أصبحت وحيدة تماما، بعد أن خسرت حياتها الماضية كلها، وفي سبيل المال خسرت نفسها أيضا، وهو نفس شعور رفيق نفسه منذ عشر سنوات، عندما سافر إلى الخارج، وعرض عليه أحد الأثرياء مبلغ من المال مقابل دخول السجن بدلا منه، ووافق لكنه كان سجنا بلا اختيار للخروج، ليعود مقدما لأصدقائه نفس التجربة والاختبار لكنها هذه المرة سجنا اختياريا.

الإضاءة داخل العرض لعبت دورا هاما في إيضاح تتابع الليل والنهار على سكان القصر، بالإضافة إلى تتابع الفصول على مدار شهور المسابقة.

المسرحية سبق وقدمتها الفرقة على مسرح الهوسابير، كما سبق وقدمها المخرج والمؤلف محمود جمال عبر مسلسل عرض على “اليوتيوب” في رمضان الماضي، وهنا نأتي لإشكالية صغيرة، أن كثرة عدد الشخصيات، جعل التصاعد الدرامي لكل شخصية يبدو غير مبرر أو به شيء من التسرع، ربما يكون ذلك مبررا لقصر وقت العرض وعدم الإطالة، ربما كان من الأفضل تقليل عدد الشخصيات لتعطى لكل منهم مساحة التطور اللازمة، أما العدد الحالي للشخصيات فهو أنسب للمسلسل بطبيعة الحال، لكن كل ذلك لا يقلل من براعة فريق العمل ومن جودة المسرحية ككل.

تعبر المسرحية أكثر عن أزمات أبناء الطبقة الوسطى، وهي على كل حال الطبقة التي يدفعها الطموح لخوض مثل تلك التجربة، كما أن كل الأزمات التي عبر عنها الشخصيات ربما مرت بالكثير منا، لكنها تدفعنا للتساؤل هل كنا نقبل ذلك السجن الاختياري مقابل المال ؟

العرض المسرحي – سجن اختياري -ضمن فاعليات المهرجان القومى للمسرح الدوره الحادية عشرعلى مسرح ميامي .. يومي 27/7 – 28/7

Posted by Abd El Aziz Mohamed on Saturday, July 14, 2018

تصوير – عادل صبري- صفحة المهرجان عبر موقع فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق