فن

«التبهيم السينمائي».. كيف أمسى الإبداع شذوذا؟

“العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة”، ليس هناك ما هو أكثر تعبيرا من قانون كريشام الاقتصادي عن حال السينما ببلدنا، فالفيلم الردئ أصبح طاردا للفيلم الجيد إذا وجد، لينفذ قانون كريشام إلى دنيا السينما بعد أن أقرته عائلة السبكي الحاكمة لهذا العالم.

الأمر هنا لا يتعلق بالفيلم التجاري بحسب مفهومه القديم، وهو بالمناسبة كان حاضرا وله مساحة معتبرة ربما منذ السبعينات، بل عبر المعنى الجديد الذي اكتسبه المصطلح، فأمسى الفيلم التجارى مرادفا لمعاني التفاهة والغباء والحمق والتكرار، بجانب ضعف الأداء وفقر التقنيات وسطحية المحتوى التي ميزت الفيلم التجاري من قبل، وإن لم يخلو من رسالة رغم ذلك.

استطاع آل السبكي أن ينقلوا الفيلم التجاري وفق المفهوم الجديد من الهامش إلى الصدارة، وأن يفرضوا ذوقا معينا على الجمهور غلب عليه الابتذال والتفاهة بل والبلاهة، لتهيمن على صناعة السينما “الصورة ـ الكليشيه” أي الصورة المكرورة، المبتذلة، البلهاء، السطحية التي تعادي أي محاولة للإبداع وتسد كل منفذ إليه.

هذه “الصورة الكليشيه” ـ بحسب الفيلسوف الفرنسي  جيل دولوز ـ تحمل في معنى من معانيها ـ رغم ما تحمله من تفاهة وابتذال ـ قدرا من السلطوية يتيح قولبة العقول والمخيلات وفق ذوق آل السبكي المرتبط ضمنا بالمنظومة الرأسمالية في شتى تجلياتها.

ما تفرضه تلك المنظومة من قولبة يمر عبر ثلاث آليات متداخلة، تستهدف القضاء على أي ممكن إبداعي، وتتمثل في:

ــ السلعنة، ليس فقط عبر سلعنة المنتج السينمائي جملة، بل سلعنة كل مفردة من مفرداته، وفي مقدمتها الجسد البشري، بالإلحاح على عرض مفاتن الممثلات، كذلك إبراز التكوين العضلي لبطل الفيلم لتتوارى وراء المفاتن والعضلات أي رغبة في مشاهدة عمل إبداعي.

ــ التنميط: ويجري من خلال استنساخ أفكار وسيناريوهات الأفلام، بحيث لا يسمح ذلك بتسلل أي لمحة إبداعية إلى “الأعمال الفنية”.

ــ التبهيم: ويبرز في تعميم كافة صور البلاهة والحماقة والابتذال والغباء لتتحول إلى معايير يُستند إليها في تقييم الأنماط السلوكية وطرق العيش، بحيث تصبح النزعة الإبداعية بمثابة خروج غير مرحب به عن المألوف والسائد، بل وغير مفهوم.

وبذا لا تترك سينما السبكي أي مساحة يتحرك فيها تفكير أو خيال المشاهد، فأفلامها صُنعت لتصيب تلك القدرة بالشلل، في الوقت نفسه نجدها تستهدف إثارة جانب آخر لدى الجمهور هو الغرائز، لكنه وعد بلذة غير متحققة، “صك مؤجل إلى ما لانهاية”، فالمشاهد ـ والتعبير لفيلسوفا مدرسة فرانكفورت أدورنو وهوركهايمر ـ عليه أن يكتفي بـ”قراءة المنيو” دون أن يتناول الطعام.

هذه النوعية من السينما، المتضمنة داخل المنظومة الرأسمالية لـ”الصناعة الثقافية”؛ تعمل على تحويل المرء إلى “واجهة استهلاكية”، لتفرض عليه أذواقا بعينها تروج لمنتجات هذه الصناعة دون أن يتوفر للفرد قدرة على مقاومتها، وهو ما جعل دولوز يؤكد على أن السينما التجارية بما تحتويه من عنف اعتباطي وجنس مبتذل وترويج البلاهة بصورة من الصور تفضي نهايةً إلى “ترهل المخيخ”، بينما الإبداع السينمائي إذا وُهب الفرصة، بما يضمه من مساحات محدثة أو معان بكر أو صور خلاقة فإنه يستحدث “دورات دماغية جديدة”.

اختفاء الإبداع بصورة شبه كاملة هو نتيجة إذن  لسيطرة تلك المنظومة على قطاع الثقافة عامة، والسينما خاصة، على اعتبار أنها القطاع الفني الأكثر جماهيرية، ليتوسل المهيمنون على الصناعة بأدوات “التبهيم” والتنميط والسلعنة لضبط أذواق الناس وفق منطق النظام الرأسمالي، وبذلك يتحول الفن السابع من فعل تحرر إلى سلعة استهلاكية، ومن أداة للتوعية والتفهيم إلى وسيلة لتخدير الناس وتدجينها، لتستحيل السينما نهايةً إلى حالة نمطية بعد أن فقدت كل قيمة جمالية.

الوسوم

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق