منوعات

رغم عائدات تجاوزت 320 مليار دولار.. أوروبا ضجرة من سائحيها

تشهد حركة السياحة العالمية نموا مستمرا لم يستثن أيا من قارات العالم، ويبدو هذا النمو مرشحا للتزايد في السنوات المقبلة، حيث شهدت آسيا زيادة بنسبة 9٪ في عدد السائحين عام 2016، ومن المتوقع أن ترتفع مساهمة السياحة إلى الناتج المحلي الإجمالي في بلدان أمريكا اللاتينية بنسبة 3.4٪ هذا العام، ولم يمنع موسم الأعاصير المدمر في منطقة الكاريبي تدفق السائحين، لترتفع عائدات السياحة هناك بنسبة 1.7٪ في عام 2017، في حين شهدت الولايات المتحدة انخفاضًا في السياحة الأجنبية، أرجعه الخبراء جزئياً إلى ارتفاع سعر الدولار.

وسط كل هذا الكم من السائحين، تتحمل أوروبا العبء الأكبر، وحسب بيانات الأمم المتحدة فإن أوروبا اجتذبت نحو 51% من أصل 1.3 مليار من حركة السياحة العالمية في عام 2017، بزيادة 8٪ عن العام السابق، وتصدر القائمة السائحين الأميركيين الذين ينجذبون إلى سحر القارة الأوروبية، إضافة إلى استفادتهم من القوة الشرائية المتزايدة للدولار، حيث عبر أكثر من 15.7 مليون سائح أمريكي المحيط الأطلسي عام 2017، بزيادة 16٪ في غضون عام واحد.

ومع التوقعات بتحطيم السياحة خلال عام 2018 للأرقام القياسية السابقة، يبدو أن استياء سكان أوروبا في ازدياد، فقد شهد الربيع الماضي مظاهرات مناهضة للسياحة في العديد من المدن الأوروبية. على سبيل المثال، استقبل المتظاهرون في جزيرة مايوركا  بأسبانيا السائحين بلافتات مكتوب عليها “السياحة تقتل مايوركا”، وذلك تعبيرا عن قلق المواطنين في عدد من البلدان الأوروبية من تحول مدنهم إلى وجهات سياحية لم يعد فيها مكان لسكانها المحليين ليعيشوا حياتهم الطبيعية.

عوامل جاذبة

تعزى تلك التدفقات إلى أسباب عدة، منها توسع شركات الطيران منخفضة التكلفة مثل “إيزي جيت” و”رايان إير” و”فويلينج” وغيرها، خاصة منذ مطلع الألفية الجديدة، وهو ما أدى إلى توفير أسعار تذاكر تنافسية وبالتالي زيادة عدد السائحين.

كما ازدهرت السفن السياحية في أوروبا في الفترة ما بين 2008 إلى 2016، محققة نموًا بنسبة 49%، علاوة على ذلك فقد ساعد موقع مثل “أير بي إن بي” الذي تم إطلاقه عام 2008 والذي يوفر خدمة استئجار أماكن السكن على تخفيض تكلفة الإقامة. أدى أيضًا الازدهار الاقتصادي في دول مثل الصين والهند إلى تحول المقتدرين من أبناء الطبقة الوسطى إلى مسافرين متعطشين. وحتى تغير المناخ لعب دوراً في المعادلة، حيث أدت درجات الحرارة الأكثر دفئاً إلى إطالة مواسم الصيف.

تشابكت تلك العوامل معًا ليحطم عدد السائحين للدول الأوروبية الأرقام القياسية، حيث زار 87 مليون سائح فرنسا عام 2017 ، بينما ذهب 58.3 مليون إلى إيطاليا، وحتى هولندا الصغيرة استقبلت 17.9 مليون زائر.

ضجر متزايد 

 رغم ما تدره السياحة من أموال لصالح دول الاتحاد الأوروبي، حيث بلغت أرباحها 321 مليار دولار عام 2016، فيما يعمل نحو 12 مليون شخص في مجال السياحة، إلا أن الحكومات لا تزال تنفق مبالغ كبيرة لجذب السياح خاصة حائزي الدولار، كما بالغت الحكومات في الترويج للسياحة دون حساب تداعيات تزايد أعداد السياح على بلدانها وسكانها.

على سبيل المثال فإن عدد سكان فينيسيا آخذ في التراجع منذ عقود، فقد انخفض سكانها من حوالي 175 ألف عام 1951 إلى حوالي 55 ألف فقط الآن، وأصبحت المدينة غير صالحة للسكن في مناطق معينة، نتيجة لازدحام شوارعها بالمتسوقين، لتحل محلات بيع التذكارات محل أطباء الأسنان ومحلات الأجهزة، وهو سيناريو متكرر في برشلونة وفلورنسا والعديد من البلدان الأوروبية.

كما تدفع السياحة السكان المحليين إلى الانتقال من مدنهم، ما يترك المزيد من المساحات لتستعمرها المطاعم والمحلات التجارية التي تلبي احتياجات السياح. ففي بعض المدن لا يوجد موطئ لقدم للسير في الشوارع أو ركوب مواصلات أو حتى شراء أي شيء، حيث تعج المدن خاصة الشهيرة منها بالمجموعات السياحية في كل مكان.

محاولات السيطرة 

تسعى السلطات الأوروبية المحلية إلى السيطرة على أعداد الوافدين إليها، حيث بدأت برشلونة باتخاذ إجراءات لتحسين السلوك السياحي، مثل تغريم الزوار الذين يتجولون في وسط المدينة بملابس السباحة. وفي يناير الماضي، منعت حكومتها بناء فنادق جديدة في وسط المدينة، كما تحاول السيطرة على أعداد السفن السياحية، إضافة إلى تحديد أوقات معينة للسائحين لزيارة سوق بوكويريا.

على الجانب الآخر تسعى مدينة دوبروفنيك الكرواتية إلى السيطرة على عدد زائريها، خاصة بعدما ذاع صيتها بسبب مسلسل “صراع العروش” الشهير، وأصبحت المدينة تعج بمحبي المسلسل، وقد حددت المدينة عدد الزائرين يوميًا بما لا يتجاوز 8000 زائر فقط العام الماضي، ويسعى عمدة المدينة الجديد الآن إلى خفض هذا العدد إلى النصف.

 وفرضت العاصمة الهولندية غرامات على السلوك الفوضوي، في الوقت الذي تحاول فيه جذب الزوار إلى مواقع أقل ازدحاما مثل زاندفورت، وهي بلدة ساحلية تبعد مسافة 17 ميلاً عن وسط المدينة، في حين رفع العديد من المدن الأوروبية الضرائب على السائحين لتصل إلى 6%.

 

التحدي الأكبر

رغم كل أسباب الشكوى السابقة، إلا أن ثمة حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن مصدر دخل العديد من السكان المحليين في هذه الأماكن يأتي من السائحين، كما أدى ظهور موقع مثل “أير بي إن بي” إلى تحقيق سكان وسط المدينة لأرباح مقابل تأجير مساكنهم، وبالتالي فإن فرض قيود وغرامات مبالغ فيها على السائحين، سوف يؤثر سلبًا على العديد من المواطنين.

وتعتبر موازنة احتياجات السكان المحليين مع السياح تحديًا بالنسبة لدول أوروبا الآن، حيث تعمل مؤسسة من كل 10 مؤسسات داخل الاتحاد الأوروبي في مجال السياحة، مما يجعل مصالح العديد من السكان مرتبطة بازدهار السياحة، ولكن في الوقت نفسه مع مغادرة السكان لمدنهم، واحتلالها من قبل السياح، فإنها تفقد سحرها ويجعل الأمور تخرج عن السيطرة.

هذه المقالة مترجمة (بتصرف)

المادة الأصلية

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق