فن

عبد الحي حلمي.. مطرب النهضة المستهتر

برحيل الفنانين العملاقين محمد عثمان وعبده الحامولي، على الترتيب عامي 1900 و1901، تطلعت أبصار المهتمين بالطرب إلى نجمين ساطعين، وعلمين كبيرين، هما الشيخ يوسف المنيلاوي، وعبد الحي حلمي.. كانا الأكثر شهرة، والأجمل صوتا، والأعلى أجرا.

وحلمي، هو أحد البلابل المغردة في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، ونجم لامع في دنيا الطرب والغناء حتى بدايات العقد الثاني من القرن العشرين.. عاش حياة بذخ واستهتار، وجعل غناءه تابعا لحالته المزاجية، لكن رخامة صوته وقوة أدائه صنعت منه أهم منافس ليوسف المنيلاوي.

عبد الحي حلمي

ولد عبد الحي حلمي بمحافظة بني سويف عام 1857، وإن كانت بعض المصادر تذكر تواريخ أحدث لميلاده، وتلقى في مسقط رأسه تعليما أوليا قبل أن يرحل إلى الإسكندرية، ويلتحق بسراي إسماعيل باشا حافظ، ناظر خاصة السلطان حسين كامل، وأحد أبرز الأعيان المهتمين بالموسيقى والغناء، فقد كان يجيد العزف على العود والكمان والبيانو، وصاحب صالون فني متفرد يؤمه أرباب الفن من كل حدب وصوب.

وفي بيت إسماعيل باشا، بدأ التكوين الفني الحقيقي لعبد الحي حلمي، وأخذ يحفظ وينشد ألحان الرواد الكبار: محمد عبد الرحيم المسلوب، وعبده الحامولي، ومحمد عثمان، حتى إذا اشتد عوده، وترسخت ثقته بنفسه، بدأ يمارس هوايته الأثيرة في الارتجال والتلوين النغمي والتصرف في مساحات واسعة من اللحن.

عبده الحامولي

وبحسب المؤرخ الموسيقي فريدريك لاغرانج، فقد أتاح صالون إسماعيل باشا عبد الحافظ لحلمي “أن يلتقي بكبار المطربين في مصر أواخر القرن التّاسع عشر وعلى رأسهم عبده الحامولي (1843-1901)، وعنه تعلّم أصول الغناء من خلال عمله مذهبجيّا في تخته قبل أن يجيزه شيخ الموسيقيّين ليكون مطربا منفردا يغنّي على تخته الخاصّ به… وكان من أوّل مشاهير المطربين الّذين أقاموا حفلات عامّة يحضرها النّاس بمقابل ماليّ وغنّى على مسارح مقاهي الأزبكيّة الشّهيرة، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من الغناء في صالونات سراة القوم وفي حضرة الأمراء العثمانيّين في إستانبول سنة 1910، وقد كان شديد الاهتمام بمظهره متأنّقا فكان يكلّف محبّيه الأسخياء ما لا يحصى من المال في شراء أفخر الملابس من باريس حتّى صار فتى المجالس المدلّل في مطلع القرن العشرين.. وكان مقبلا على شتّى الملذّات من نبيذ وحشيش وكوكايين وأفيون مسرفا في تناولها حتّى يبلغ “السّلطنة” الّتي لا بدّ منها لتفتّق أفانين تصرّفاته، وقد أدّى به شططه إلى أن يستهلك عمره قبل الأوان، ومات ثملا سنة 1912 بالإسكندريّة إثر وليمة على سلحفاة البحر”.

(حلمي يغني قصيدة أراك عصي الدمع)

كان عبد الحي حلمي يرى أن المطرب هو أساس العمل الفني، وأن التصرفات الفورية، والارتجال الغنائي مقدم على التمسك بالمسار الذي وضعه الملحن، وكان ينفذ تصرفاته الفنية باستهتار بالغ، معتمدا على حلاوة صوته، وانتشاء الجمهور مع كل جملة وقفلة، وطلب المزيد من الارتجالات والإعادات، المتحررة من الضبط الإيقاعي، فإذا لم ترضه أجواء المحفل ترك جمهوره وخرج إلى حديقة أو مكان هادئ أو شاطئ النيل أو بحر الإسكندرية ليغني لنفسه أو لجمهور آخر يراه أولى بفنه وإبداعه.

وكان حلمي يرتجل في كل القوالب الغنائية: القصيدة والدور والطقطوقة والموشح، إلا أنه وجد ضالته في قالب الموال، واعتبره ميدانه الذي لا يباريه فيه أحد، ولم يكد يمر له حفل دون أن يستجيب لرغبة المستمعين بغناء موال، يستعرض فيه إمكاناته الصوتية، وقدرته على التصرف الآني اللحظي.

(موال الليل أهو طال)

وقد أدى حلمي عددا كبيرا من المواويل، وصلنا أكثرها مسجلا بصوته، ومنها: قوم في دجي الليل، بحر الصبابة بنار الشوق عديته، ساهي الجفون، الليل أهه طال وعرف الجرح ميعاده، يا ناس أنا رايق عاشق، موارد الصبر، قاضي الغرام، أهل السماح الملاح، يا مفرد الغيد، صبح الصباح، ما تحسبوا إن البعاد، وفيك ناس يا ليل، يا دي الجمال والدلال، وغيرها.

وحتى في أدائه للقصائد، كان حلمي يكثر من التصرفات والارتجال، ولعل المهتمين بطرب عصر النهضة يذكرون جيدا طريقته في غناء قصيدة أراك عصي الدمع، من تلحين عبده الحامولي، وكيف كان يقطع الكلمات ويقف عليها: أراك عصي.. الدمع.. شيمتك الصبر.

(دور عهد الإخوة نحفظه على اسطوانة شركة أوديون)

وعلى ذكر القصائد، فقد أدى حلمي عددا معتبرا منها من ألحان كبار الموسيقيين في ذلك العصر، مثل: عجبت لسعي الدهر بيني وبينها، أسرت فؤاد المستهام عزيزة، ته دلالا فأنت أهل لذاك، لم يكل ليلي ولكن لم أنم، شعرها الليل جال فوق نهار، فيا مهجتي ذوبي جوى، عمري عليك تشوقا قضيته، وقف الهوى بي.

أما قالب الدور فيمثل الجانب الأكبر من أعمال عبد الحي حلمي وتسجيلاته التي وصلتنا، فقد ترك الفنان الكبير ثروة من تسجيلات الأدوار كلها من ألحان عمالقة عصره أمثال الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب، ومحمد عثمان، وعبده الحامولي وداود حسني، ومن هذه الأدوار الخالدة: بستان جمالك، الحلو لما انعطف، على روحي أنا الجاني، قلبي داب، كادني الهوى، البلبل جاني وقالي.

(دور في البعد ياما كنت أنوح)

ورغم اهتمامه الكبير بالموال والقصيدة والدور، لم يترك حلمي قوالب الغناء الأخرى، فنجده قد غنى عددا من الطقاطيق، مثل: يا مسلمين يا أهل الله، إيدي اليمين يا إيدي، الحنة الحنة، لبستم زهر الكتان، كما أدى عددا من الموشحات، منها: وجهك مشرق بالأنوار، يا نحيف القوام، هات يا أيها الساقي بالأقداح.

 كان من عادة حلمي أن يكرر تسجيل أعماله لأكثر من شركة، مثل موال محبكم داب، الذي سجله لشركتي بيضافون وجرامافون، وموال يا دايق النوم الذي سجله لشركتي أوديون وزنوفون، مع اختلاف مقامي، وقصيدة أراك عصي الدمع التي سجلها لجرامافون وبيضافون وأوديون وزونوفون، وطقطوقة قمرة يا قمرة يا أمورة لبيضافون وأوديون، وحلالي بلالي لجرامافون وأوديون.

دور الحلو لما انعطف.. شركة أوديون

وكذلك كرر حلمي تسجيل عدد كبير من الأدوار، منها يا ما أنت واحشني، مليكي وأنا عبدك، لسان الدمع، كادني الهوى، في مجلس الأنس، فريد المحاسن، عهد الأخوة.. وكان حلمي يلجأ كثيرا لتكرار التسجيل لعدة شركات لأجل سداد ديونه ومواجهة إنفاقه الباذخ على ملابسه وملذاته، وكانت شركة زونوفون أول شركة تسجيلات تتعاقد مع حلمي، قبل أن تتسابق كل الشركات العاملة حققت مبيعات تسجيلاته أرقاما قياسية.

الوسوم

هيثم أبو زيد

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق