منوعات

«قداس جنائزي».. قصيدة هزمت ستالين

في يوم ما من ثلاثينيات القرن الماضي، حيث تتشابه الأيام بين جدران السجون، طلبت منها إحدى رفيقاتها في سجن لينجراد، “من بين شفتين زرقاوين”، أن تسجل “ما يجري هنا”، فارتسمت “ما يشبه البسمة على هذا الذي كان وجها ذات يوم”.

لم تكن المرأة “ذات الشفتين الزرقاوين” تعرف أن رفيقتها شاعرة كان يطلق عليها في حقبة النضال ضد النظام القيصري “صافو روسيا”، نسبة إلى الشاعرة الإغريقية “صافو”، وأنها تؤذن بهذا الطلب بميلاد واحدة من أهم قصائد القرن العشرين.

راقت الفكرة للشاعرة السجينة، ووجدتها متنفسا لنظم قصيدة طويلة تخلد فيها ذكرى زوجها الذي أعدمته آلة القتل الستالينية في عام 1921، وابنها الذي غيبته معسكرات الاعتقال طوال سنوات شبابه، وفرصة لتسجيل شهادتها على دموية هذا العهد.

قصيدة “قداس جنائزي” كاملة باللغة الإنجليزية

خرجت آنا أخماتوفا من السجن بعد شهور، لكن قصيدتها ظلت حبيسة صدرها حتى تسعينيات القرن الماضي عندما قرر ميخائيل جورباتشوف الإفراج عنها قبيل عام واحد من انفراط عقد الاتحاد السوفيتي في مفارقة تاريخية وضعت هذه القصيدة ضمن أهم أدوات تفكيك الإمبراطورية الحمراء.

لم يكن ممكنا أن تتسامح الدولة الستالينية، ولا من جاءوا بعدها، مع قصيدة تخترق حجب “الجولاج” (معسكرات السخرة التي كانت تنتشر في جميع أرجاء الاتحاد السوفيتي، وتعد أهم معالم الحقبة الستالينية الدموية)، وتسلط الضوء على جرائم النظام الستاليني، وتلفح قراءها بجحيم الحياة في أغلاله، وتصور بدقة مراحل انهيار الإنسان تحت وطأته، بل وتجاهر غير عابئة باسم رئيس البوليس السياسي الذي تخضبت يداه بدماء شعبه.

بعد خروجها من السجن كانت أخماتوفا تعرف أن آلة القمع الستالينية لن تتوقف عن ملاحقتها، وأن مصيرها سيؤول إلى السجن، ورربما تلحق بزوجها، الشاعر نيقولاي جوميلوف، إلى أعواد المشانق؛ لذا قررت أن تعهد بكلمات قصيدتها إلى صدور أصدقائها المقربين، الذين كانوا يقومون باستظهارها ومراجعتها وتناقلها في تكتم شديد لتظل روحا تسري عبر الزمن.

كانت أخماتوفا تتهكم على هذه الأوضاع التي حجبت إبداعات المثقفين وألجأتهم إلى العمل السري، حتى أنها أطلقت على هذا العهد “مرحلة ما قبل يوهان جوتنبرج”. لم تتوقف آلة القمع الستاليني عند حجب الطباعة ومنع النشر، وإنما اضطر المثقفون إلى العيش فيما يشبه عصور الثقافة الشفهية التي لا تتجاوز إيداع الأعمال الذاكرة، وتعهدها بالحفظ والاستظهار.

رغم ذلك، يذهب العديد من النقاد إلى أن أخماتوفا لم تكتف بنظم قصيدتها الطويلة شفهيا، وإنما كتبتها على أوراق، حتى إذا أتمتها قامت بإحراقها، واعتمدت على تداولها شفهيا. فالقصيدة – كما يدلل أصحاب هذا الرأي – لا تحتوي على بنى الأدب الشفهي المتعارف عليها، مثل التراكيب اللغوية التي يمكن تغيير أماكنها بسلاسة، والعبارات الموسيقية المكررة، والارتجال.

لم يشفع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وانصهار أجهزة الدولة في أتونها في الإفراج عن “قداس جنائزي”. وبرغم هرولة أجهزة الدولة الستالينية إلى أخماتوفا للاستعانة بها رسميا عبر إحدى المحطات الإذاعية المحلية لبث الروح المقاومة في مواطني مدينة سانت بطرسبرج (التي تم تعديل اسمها مؤخرا إلى ’لينينجراد‘)، لم يتوان ستالين – بعد أن وضعت الحرب أوزارها – عن اتهام الراهبة بمقابلة “جواسيس أجانب”، بعد أن أبلغه أحد أفراد البوليس السري بمقابلتها مع الفيلسوف البريطاني، أشعيا برلين.

وفي عام 1953 طوى الزمان صفحة العهد الستاليني – ولو ظاهريا – بموت صاحبه، وتنسم الأدب شذرات من عبير الحرية؛ لكنها لم تكن كافية للتسامح مع قصيدة خرجت من رحم السجون، وتقيحت آلام المعارضين، واستلهمت مدادها من أحلام الشعب بمستقبل حر. مات ستالين، لكن نظام الرقابة الذي تمخضت عنه قريحته ظل حيا وفتيا.

وفي ظل استمرار آلة القمع، تمكن مجتمع الكُتاب المعارضين من خلق نظام سري للنشر يقوم على كتابة الأعمال الأدبية القصيرة بخط اليد، أو بإنتاج نسخ كربونية باستخدام الآلات الكاتبة (كان يمكن إنتاج 15 نسخة كربونية في جلسة واحدة). عُرفت هذه الوسيلة للنشر الداخلي لأدب الرفض الروسي سرا بنظام  “ساميزدات”، في مقابل نظام “تاميزدات” لنشر هذه الأعمال في الخارج  عن طريق تهريبها وطباعتها في بعض الدول الأوربية ثم تهريبها مجددا إلى الداخل السوفيتي.

بدأ نظام ساميزدات بالقصائد القصيرة، لكنه سرعان ما توسع ليشمل الروايات والمقالات السياسية. وبرغم أن هذا النظام كان يتم متسترا بجنح الظلام عن أعين القانون، وينطوي على كثير من المخاطر، إلا أنه أثبت قدرة فائقة على العمل والاستمرار؛ خاصة أن العقل الجمعي السوفيتي كان قد تجاوز الحقبة الستالينية دون أدنى استعداد لاستنساخ أدبياتها.

تدريجيا اتسع نطاق “ساميزدات”، وتحول كُتاب المقاومة إلى أيقونات شعبية، وسلاح ماض ينخر في عظام الدولة العجوز.

أدركت أخماتوفا، قبل وفاتها في عام 1966، نشر قصيدتها في الخارج، لكن “قداس جنائزي” ظلت حبيسة الصدور في الداخل السوفيتي لقرابة الثلاثة عقود، وهو ما بث الحياة في كلماتها، ومنحها قيمة أدبية ترفعها فوق مكانة غيرها من الأعمال، لتصبح واحدة من أيقونات الأدب الروسي.

يقول مارتن بوكنر، أستاذ الأدب الانجليزي والأدب المقارن في جامعة هارفارد، في مقالة بعنوان Requiem: How a poem resisted Stalin*: “عندما أقرأ “قداس جنائزي” اليوم أجد نفسي مأخوذا بصورها التي تفيض بالحياة، وبنبرة الصوت الاسيف التي ترصد ما خلفته أدوات القمع والإرهاب على النفس الإنسانية وعلى الحياة بوجه عام، وبتلك المقاطع القصيرة المنفصلة التي تفيض بمشاعر يمتزج فيها الاستسلام للهزيمة بالإصرار على المقاومة”.

ويضيف: “كما أجد نفسي مأخوذا بالصراعات التي خاضت هذه القصيدة غمارها حتى خرجت إلى النور ووصلت إلي. وفوق كل ذلك يجتاحني الرعب أمام مشهد صراع غير متكافئ بين أخماتوفا والدولة، والرهبة أمام انقضائه بموت ستالين وانفراط عقد الاتحاد السوفيتي، وانتصار أخماتوفا”.

يمكن مطالعة مقالة

 Requiem: How a poem resisted Stalin 

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: