فن

سعيد صالح.. من مقعد عبد الناصر إلى سجن مبارك

في أوائل أغسطس من عام 2014م أسدل الستار وغادر المشاهدون مقاعدهم عقب رحيل الفتى (صالح) سلطان الكوميديا وإمام المضحكين، بعد حياة ماجت بالمواجهات والمصاعب وحفلت بالأعمال الفنية الجميلة التي ستظل إلى ما شاء الله باقية في ذاكرة المواطن العربي الذي دخل سعيد قلبه من أوسع الأبواب.. لا لخفة ظله التي لا تقارن فحسب؛ لكن لصدقه وإيمانه الشديد بالفن كرسالة دفاع عن الإنسان، وكمحرض له على رفض الظلم ونيل الحقوق.

اختار سعيد صالح طريقه بكامل إرادته ودفع الثمن راضيا.. لم يستطع رغم كثرة المغريات أن يسير في ركاب السلطة كغيره.. كان من السهل جدا أن يصبح صالح من أصحاب الثروات ومن المقربين من ذوي النفوذ.. حدثه أصدقاء كثيرون في الأمر بعد أن بلغهم أن أحد كبار رجال السلطة في عهد الرئيس مبارك قد وضعه تحت المجهر مما ينذر بعواقب وخيمة؛ لكنه لم يلتفت لقولهم الذي كان يخالف منهجه جملة وتفصيلا.

كان سعيد صالح يؤمن أن الممثل متى صار نجما فقد وقعت عليه مسئولية كبرى لا يمكنه التنصل منها، وإلا صار خائنا لأمانة الكلمة.. وأن هذه المسئولية الملقاة على عاتقه تٌلزمه أن يكون بين الناس طوال الوقت لا يبتعد عنهم مهما كانت الظروف؛ ليكون لسان حالهم والمعبر عن آلامهم وآمالهم في كل ما يقدمه من أعمال فنية.

قدم صالح في السينما أكثر من 500 عملا.. وللحقيقة أن كثيرا منها كان تجاريا ضمن موجة أفلام المقاولات التي اجتاحت السينما المصرية في الثمانينات، وكان سعيد هو نجمها الأول بلا منافس.. لكن ما يشفع له في العمل بهذه الأفلام محدودة القيمة أنه كان ينفق كل ما يكسبه منها على المسرح.. وقد نصحه عدد من المقربين أن يستغل تلك الأموال في شراء عقارات تنفعه في كبره لكنه رفض تماما وظل يعيش في شقة مستأجرة إلى أن توفاه الله.. برغم ذلك كان يطيب للفنان أحيانا أن يفخر بهذا العدد الكبير من الأفلام فيقول «مساهمتي في ما قدمته السينما المصرية من أعمال يفوق الثلث».

يتذكر سلطان المضحكين أيام طفولته الأولى بحي الدقي الشهير بالجيزة، وكيف كان سعيد الحظ لكونه أول حفيد في العائلتين، عائلة والده وعائلة والدته.. وكان والده الذي تلقى تعليمه في الأزهر يعمل بشركة «شل» للبوتجاز.. ولا ينسى أن بيتهم كان أول بيت في الحي يدخله «الراديو».. ومن كتّاب الشيخ عبد الجليل بداير الناحية بالدقي إلى الجمعية العامة للمحافظة على القرآن الكريم إلى مدرسة الماجدية الابتدائية يتلقى سعيد تعليمه الأولي.. وتبرز موهبته في جماعة الأناشيد والإلقاء بالمدرسة، ويروي أنه سمع مدرسا يهمس لآخر عنه أنه يصلح لأن يكون ممثلا.

في زيارة لعمته التي كانت تقطن بحي الظاهر، رأى صالح مدرسة تضج بالنشاط الطلابي وخاصة التمثيل؛ فطلب من والده أن يلحقه بتلك المدرسة. كانت تلك المدرسة هي مدرسة النهضة المصرية التي درس فيها الرئيس جمال عبد الناصر.. جلس سعيد صالح على نفس المقاعد التي تلقى عليها ناصر دروسه الأولى وربما كان ذلك أحد أسباب انحيازه للشعب وتبنيه قضايا المواطن البسيط في معظم أعماله المسرحية.. لكن العام انقضى بين الانهماك في جماعة التمثيل وحضور العروض السينمائية في دار العرض القريبة من المدرسة فكان الرسوب هو النتيجة الطبيعية.. وتم تحويل الراسبين وعلى رأسهم سعيد إلى مدرسة التوفيق القبطية.. وبعد معاناة في التنقل بين المدارس، ينجح سعيد في الحصول على الشهادة الإعدادية ويتقدم للمدرسة السعيدية ثم يسحب أوراقه دون علم والده لرفض المدرسة قبول أوراق صديقه الحميم الناجح بدور ثان.. ويدور الصديقان على مدارس الجيزة حتى تقبل إدارة مدرسة المبتديان الثانوية أوراقهما.. ولحسن الحظ كان ناظر المدرسة هو الأستاذ ذكي الشيماوي الرجل العاشق لفن التمثيل لدرجة أنه كان يستقدم المدرسين من معهد التمثيل للتدريس بالمدرسة وعلى رأسهم الأستاذ أحمد البدوي أستاذ الإلقاء بالمعهد.

يحكي سعيد عن سبب التحاقه بكلية الآداب قسم الصحافة وعدم التحاقه بمعهد التمثيل؛ أنه درس جميع مناهج المعهد خلال المرحلة الثانوية، وأنه قرأ معظم الكتب التي كان الأساتذة يوصون طلاب المعهد بقراءتها.. لدرجة أنه كان يذهب لمسرح الجامعة وهو في سن الخامسة عشرة ليقوم بإخراج بعض الأعمال المسرحية.. يضيف «لم تكن هناك حاجة على الإطلاق للالتحاق بالمعهد؛ فلقد كانت مدرسة المبتديان بحق معهدا عاليا للتمثيل بفضل الأستاذ الشيماوي الذي كان يشبه الرئيس عبد الناصر بدرجة كبيرة».

بعد التخرج في الجامعة تقدم سعيد صالح لاختبارات مسرح التليفزيون وجاء في المركز الأول وكان عدد المتسابقين ثمانمائة.. عين سعيد في مسرح التليفزيون بأجر زهيد هو اثنا عشر جنيها وكان ذلك عام 1962، وقدم عدة أعمال من إخراج نور الدمرداش نال في بعضها دور البطولة، وفي العام التالي تم رفده بسبب عدم التزامه في الحضور وغيابه المتكرر دون عذر.

يعتبر سعيد صالح مسرحية «هالو شلبي» انطلاقته الحقيقية في المسرح برغم أن الجمهور لم ينتبه لها إلا بعد عرضها تليفزيونيا.. ثم قدم عملا مسرحيا على أحد مسارح الإسكندرية اعتبره سعيد قمة الفشل.. فساءت حالته النفسية، وقرر الهجرة إلى أمريكا بعد أن اكتشف أنه لم يحقق شيئا يذكر.. وأقام سعيد في الإسكندرية في أحد الجراجات منتظرا ميعاد السفر.. ولكن القدر كان له تدبير آخر إذ أخبره أحدهم أن الأستاذ سمير خفاجي يبحث عنه وأنه يريد رؤيته لأمر هام.. فذهب إليه سعيد فأخبره سمير أنه سيبدأ الإعداد لعمل مسرحي كبير أجله كثيرا وأنه يريد من سعيد أن يكون معه في هذا العمل.. كان العمل هو مسرحية مدرسة المشاغبين التي نجحت نجاحا فاق كل التوقعات، لدرجة أن عرضها استمر لست سنوات.. أعقبها سعيد بمسرحية «العيال كبرت» التي يذهب البعض إلى أنها حققت نجاحا فاق نجاح المشاغبين بكثير.

في منتصف الثمانينات قرر صالح تأسيس فرقته المسرحية الخاصة باسم فرقة مصر المسرحية.. وقدم من خلالها أعمالا تعتبر إضافة هامة لتاريخ المسرح السياسي في مصر، منها مسرحية «لعبة اسمها الفلوس» التي كانت سببا في أول مواجهة خشنة مع السلطة وأوقفت المسرحية من قبل الرقابة وتم توجيه الاتهام لسعيد بالخروج عن النص وخدش الحياء العام وحبس صالح لمدة سبعة عشر يوما ثم تمت تبرئته.. ثم كانت مقولته الشهيرة في نفس المسرحية بعد استئناف عرضها (أمي تزوجت ثلاث مرات الأول أكلنا المش والثاني علمنا الغش والثالث لا بيهش ولا بينش) وسجن بسبب ذلك خمسة وأربعين يوما.. واستمرت الأعمال الفنية التي تنتقد ممارسات النظام؛ فتجدد التهديد من قبل السلطة.. وعرف سعيد صالح سجن مبارك مجددا مرتين لأربعة أشهر ثم لعام بسجن الحضرة بالإسكندرية.. وكانت القضية الأخيرة ملفقة بشهادة الجميع لإسكات الصوت العالي المنادي بالحرية وحقوق البسطاء.

أغنية ممنوع من السفر لصالح بمسرحية «لعبة اسمها الفلوس»

وتستمر المسيرة الفنية لسلطان الضاحكين إلى أن تحين لحظة الرحيل في الأول من أغسطس عام 2014 بعد رحلة تستحق أن تخلد في ضمير مصر في أنصع الصفحات لفنان أحب مصر وشعبها بصدق ولم يرهبه السجن الذي حوله إلى جنة كما شهد بذلك الجميع.. فظل يمارس فنه بداخله لأنه لم يعترف بكل هذه الممنوعات التي كانت تزيد بإطراد فلا تزيده إلا حبا في معشوقته الغالية مصر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق