ثقافة

المتنبي الذي لم يتنبأ

توقفت قبل أسبوعين أمام بائع الكتب القديمة الذي يعرض كتبه بجوار محطة مترو البحوث، وقعت عيناي على كتاب عجيب، غلافه مصنوع من ورق كراسة غير مسطرة وعنوانه المكتوب بخط اليد “المتنبي”، وتحت العنوان اسم المؤلف “إبراهيم عوض”.

تعجبت من وجود كتاب بهذا العنوان للدكتور إبراهيم عوض أستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس، فالذي أعرفه أن للدكتورعوض ثلاثة كتب عن المتنبي وهى ترجمته وتعليقه ودراسته لكتاب المستشرق “لويس ماسينيون”، المعروفة بعنوان “المتنبي بإزاء القرن الإسماعيلي في تاريخ الإسلام”.

وفي تعليقه على تلك الدراسة، كشف الدكتور عوض عن سطو الدكتور طه حسين على ماسينيون الذي كان أول خائض في عرض المتنبي فقد رماه بأنه لقيط لا يعرف له أبا، فجاء الدكتور طه في كتابه “مع المتنبي” وأخذ تلك الأكذوبة وجعلها النواة الصلبة لكتابه وزعمها لنفسه.

كتاب عوض الثاني عنوان “المتنبي.. دراسة جديدة لحياته وشعره” أما الكتاب الثالث فعنوانه “لغة المتنبي.. دراسة تحليلية”.

بدأت قراءة الكتاب فلم أعرف اسم مؤلفه إلا بمشقة، وعرفت أنه الكاتب العراقي المولد المصري الإقامة “أحمد سعيد البغدادي” الذي يقول عنه معجم البابطين: ولد في بغداد حوالي عام 1870 م وتوفي في القاهرة، قدم إلى مصر صبيا، في صحبة والده، ثم لم يغادرها.

تلقى البغدادي تعليمه في إحدى مدارس القاهرة للتعليم الابتدائي، ثم التحق بمدرسة الحقوق السلطانية وتخرج فيها (1897). عمل موظفًا كتابيًا في الدائرة السنية (الأملاك الخديوية) ثم عمل في سلك القضاء متدرجا في وظيفته حتى شغل منصب رئيس القلم الجنائي في نيابة مغاغة الأهلية بمحافظ المنيا. وله من الكتب «ثغر الحبيب لرشف الأديب»، «مؤاساة البؤساء»، «أمثال المتنبي»، «نديم الأديب» و«دروس الأشياء».

إذن فالكتاب العجيب الذي أضاع الزمن وأيدي القراء الصفحات التي تحمل بياناته هو “أمثال المتنبي” وعنوانه الكامل هو”أمثال المتنبي وحياته بين الألم والأمل وقطع مختارة من شعر المتنبي”.

نشر المؤلف في حياته طبعتين من الكتاب، الأولى كانت في العام 1933 والثانية التي بين يدي كانت في العام 1934. وقد نص المؤلف على أنه أعاد النظر في فصل مهم جدا بل وخطير من فصول كتابه، وهو ذلك الفصل الذي يتناول نبوءة المتنبي.

قصة النبوءة لا يخلو منها كتاب قديم منذ كتاب “يتيمة الدهر” للثعالبي المتوفى في العام الهجري 429، أي كان قريب عهد بزمن المتنبي الذي قتل في العام الهجري 354.

قال الثعالبي:”يحكي أنه تنبأ في صباه وفتن شرذمة بقوة أدبه وحسن كلامه”. تلك الجملة الطائرة التي بدأت بالفعل “يُحكى” والتي لم يسندها دليل أو تدعمها رواية سرعان ما أصبحت قاعدة لا يفلت منها أحد عند الكلام عن حياة المتنبي شاعر العربية الأعظم.

على درب الثعالبي سار الذين كتبوا عن المتنبي لكنهم لم يتحلوا بأخلاقه، فقد توسع بعضهم في الكلام حتى جاء بكل الكذب ورماه فوق رأس الشاعر العظيم.

المحدثون أيضًا وقعوا فريسة لروايات القدماء فلم ينظروا لا في متنها ولا في سندها، وعاملوها معاملة الحقائق الثابتة، وكان من المحدثين صاحب هذا الكتاب في طبعته الأولى، ثم فتح الله له باب الإنصاف فشك في الروايات القديمة فنسفها نسفا.

 وكنتُ قبل قراءة البغدادي أظن أن الشيخ الأستاذ محمود محمد شاكر، رحمه الله، كان أول معاصر ينسف أكذوبة النبوءة ويحكم ببراءة المتنبي وذلك في كتابه “المتنبي” الذي نشر لأول مرة في العام الميلادي 1936، ولكن ظهر لي أن الأستاذ البغدادي قد سبقه بعامين.

يُكّذب الأستاذ البغدادي رحمه الله، الرواية التي جاء بها “يوسف البديعي” في كتابه “الصبح المنبي عن حيثية المتنبي”. توفي البديعي في العام الهجري 1073، وهذا تاريخ بعيد جدا عن أيام المتنبي. جعل البديعي بطل روايته رجلا يدعى معاذ بن إسماعي ، وقد حكم البغدادي وبعده الشيخ شاكر بأن هذا الرجل مجهول لا يعرفه أحد من أئمة العلم.

جاء في قصة معاذ هذا أن بلاد الشام، التي هي الآن سوريا وفلسطين ولبنان والأردن، قد فتنها المتنبي فصدقت دعوى النبوءة! وزعم معاذ أن الكتاب الذي أنزل على المتنبي قد نزل دفعة واحدة ويضم 144 “عبرة” ولم يحفظ لنا أحد من تلك “الآيات” سوى كلمات سخيفة هابطة لا يتورط رجل له فن المتنبي في إذاعتها.

ثم يقرر الأستاذ البغدادي أن حبس المتنبي كان “لأنه يدعو الناس للقيام على الدولة”. المعنى ذاته أكده الأستاذ شاكر وإن كان قد توسع في هذا المبحث وجعله عمودا من أعمدة كتابه الشهير.

رحم الله أبا الطيب شاعرنا الأكبر فقد حسدوه في حياته وكذبوا عليه في حياته وبعد مماته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: