رؤى

«مجاز سياسي».. حين لا تكون السياسة بنت الواقع والحقيقة

لا يجب علينا أن نسلم بما تركه لنا الأولون من أفكار وممارسات سياسية، بل علينا أن نحاول دوما التمرد عليها أو مشاكستها، فنخرق القاعدة التي تقول إن “السياسة فن الممكن” لتصبح أيضا “مادة للخيال”، لاسيما أن كلمة فن رافقت الإمكان المفتوح على الاحتمالات والخيارات. ونشاكس أيضا الذين يعتقدون أن السياسة تدور حول “حقائق”، لأنها، رغم كل شيء بنت الواقع، لنرى وجهها الآخر وهي أنها يمكن أن تحل  بقوة في “المجاز”، أو توظفه بإفراط في سبيل تحقيق أغراض السياسيين.

فقد يكون المجاز السياسي محاولة لكشف ما يسبق الخيال السياسي. ويمكن أن يحتاج هذا النوع من الخيال إلى مجاز، وحتى نفهم الأول لابد من أن نفهم الثاني، ليس فقط من زاوية التفكير والتعبير فحسب، بل التدبير أيضا، إذ إن المجازات المتخيلة تدفع إلى فعل تصرفات مدفوعة بها، أو مستلهمة منها، أو ساعية إلى تحقيقها في الواقع المعيش.

وقبل هذا، فهناك همزات وصل بين “الخيال السياسي” و”المجاز السياسي”، فالأخير بوسعه أن يفتح أمام التفكير أفقا بعيدا وجديدا، وبذا يمكن للمشتغل بالسياسة وممارسها والمنخرط فيها ومن يقوم بالتنظير في مجراها وعلى ضفافها، أن يرى ما في الواقع من تعقيد وتركيب ببصيرة نافذة. فبوسع مجاز واحد سائد ومتكرر عبر القرون، مثل “شعرة معاوية” مثلا أن يساعد السياسي على أن يفتح ذهنه على احتمالات وخيارات متعددة، تترتب عليها تصرفات مرنة في الواقع، كما أن تعبيرا مجازيا مثل: “بينهما ما صنع الحداد” يلهب الخيال وهو يحاول أن يجيب على سؤال عن الدرجة التي وصلتها العداوة بينهما، فما صنع الحداد يمتد من المنجل والخنجر إلى الصواريخ عابرة القارات.

ومع القهر الذي يطارد البشر أيا كانوا، في السياسة أو العمل أو حتى في حيواتهم الشخصية فإن الحقيقة تصبح أحيانا مناطا للتلاعب، إما لجهل أو وهم أو رغبة أو إرادة لدى من يعتقدون أن ما ينطقون به، أو يتصرفون وفقه، هو الحقيقة.

إن من يمعن النظر فيما يجري في حياتنا يدرك أن ما للمجاز من حظ فيها أكبر بكثير مما للحقائق، ورغم أن بوسعنا أن نتبين سريعا أوجه الكذب في أي شيء، وليس بمقدورنا الزعم بأن ما نصل إليه هو الحقيقة بعينها، فإن البرهنة على الكذب أيسر من إثبات الحقيقة، كما أن التعامل مع الأول أقل كلفة من الثانية، ومع الكذب تتعدد المجازات في إطار عمليات التدجين والمخاتلة والمراوغة والتحايل والمواربة والإيهام والدعاية والحشد والتعبئة.

كما أن الحقيقة نفسها لا تخلو من حلول مغرض للمجاز، حيث يكون حاضرا في خطاب كل من يدافع عنها بملء فيه، ويجتهد قدر استطاعته كي يجعل كلامه مشبعا بالبلاغة، بما يعطي ما نطق به قدرة أكبر على التأثير في النفوس، ويقطع الطريق على أي كذب بليغ مرتب ينتصر عليه لأنه أكثر قدرة على دغدغة مشاعر الجماهير واسمتالتها والتلاعب بها واستغلال حضور الناس في المشهد لاتخاذ قرارات تحقق مصالح الفئة الحاكمة أو القلة المحتكرة للسلطة والثروة.

لكل هذا تتناطح في عالمنا أكاذيب، ليس فيها نصيب من حقيقة سوى ما يمكن إثباته علميا، أو الدلالة عليه، وهو قليل، إذا ما أخذنا في الاعتبار تلك المقارنة القائمة بين العلم والفلسفة في حياتنا، فالعلم افتراضات ثبتت صحتها أو تساؤلات تمت الإجابة عليها، بينما الثانية تدور حول الأسئلة التي لا تزال معلقة، وهي الأكثر بالطبع، ولأنها كذلك فإن الباب يظل مفتوحا طيلة الوقت أمام الأكاذيب.

ومع هذا فإننا لا نزعم أن ما نصل إليه من نتائج في قضايا السياسة والبلاغة، مهما توخينا الحذر في اتباع المنهج العلمي، هو الحقيقة المطلقة، التي لا يرقى إليها شك، فتلك تبدو في ظل اختلاط الحجج والأسانيد، وتضارب المصالح والأهواء مجرد افتراض مثالي، وليس بوسع أحد أن يؤمن بها سوى أولئك الذين يحل في نفوسهم إيمان عميق بأمور لا يقبلون فيها شك أو مساءلة، مثل العقائد الدينية.

إن العقل بكل ما امتلك من قدرة على التفكير، ووسائل ومناهج علمية، لم يبرهن لنا، حتى الآن، سوى على الجزء الضئيل مما بوسعنا أن نطلق عليها وصف “الحقيقة”، وأتصور أن الناس سيظلون يتخبطون في الأمور المتشابهة، تتقاذفهم أمواجها التي لا تتوقف دون أن يقفوا على الحقيقة بشكل تام، لاسيما أن هناك من يحاولون طيلة الوقت زعزعة ما يعتقد فيه هؤلاء في إطار التنازع حول الحقيقة، أو بمعنى أدق أشباهها، لاسيما إن انزلق الجدال إلى صراع سياسي، يستبيح كل طرف ما شاء من وسائل صناعة البرهان، حتى لو كانت زائفة في سبيل الدفاع عن وجهة نظره، وكان من بين هؤلاء من يدعي أن الحقيقة معه، وقد يكون مستعدا للكذب وهو يدافع باستماتة عن هذا.

هل يعني هذا أن الحقيقة غائبة أو غائمة وليس بمقدورنا الوصول إليها؟ لا، ليس الأمر على هذا النحو، إنما أريد مما سبق أن أبرهن على أن الحقيقة كمعنى وموقف هي نفسها محل نزاع. وقد رأينا كيف تم وضع هذا المعنى محل اختبار بعد انطلاق الثورات والانتفاضات العربية، حيث صارت الحقيقة محل ادعاء وتجاذب بين إرادات ورغبات متصارعة هي في جوهرها مجرد مجازات متناطحة، ما يعني في خاتمة المطاف أن الاهتمام بالمجاز لا يجب أن يقل في وعينا عن الانشغال بالحقيقة.

ورغم محورية المجاز في الفكر العربي القديم، عطفا على الجدل الذي دار في القرون البعيدة بين المعتزلة والأشاعرة وأهل الأثر حول تأويل النص القرآني، فإن هذه المسألة لم تلبث أن خمدت لدينا، بينما واصلت نموها في الغرب، متعدية قضايا اللغة وطبيعتها، لتصبح مدخلا لتفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية.

 فالمجاز يسري في أوصال السياسة، بأفكارها وقيمها وإجراءاتها وممارساتها، صاعدا من الثقافة السياسية للفرد وحتى شكل الدولة ووظيفتها والنظام العالمي بتصوراته وتتطوراته. فالدولة، من البداية إلى النهاية، يمكن النظر إليها على أنها مجتمع متخيل أو مجازي، إذ تبدو كيانا يرتبط أعضاؤه به عقليا ووجدانيا، ويتحمل بعضهم البعض من أجل عيش مشترك، وبذا تبدو حقيقة عقلية في نظرنا، لأن الجميع يتخيلونها على هذا النحو. في الوقت نفسه نجد أن السياسة واللغة قرينان متلازمان، حيثما وجد الواحد لاح الآخر، فإن لم ينكشف بوجهه، يكون ثاويا تحت قرينه، وهي مسألة طالما كشفت عنها الدراسات التي انشغلت بتحليل الخطاب السياسي، الذي ليس بوسعه، مهما كانت لغة منتجه فقيرة، أن يتفادى حلول المجاز، والذي يتم توظيفه في أمور شتى من قبل السلطة والمعارضة على حد سواء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق