منوعات

ستة قرارات «تافهة» غيرت مجرى التاريخ (1 – 2)

ليس الأمر كما نظن؛ فمسار التاريخ لا يتحدد فقط بقرارات كبرى مصيرية تصدرها جهات سيادية، ولا توجهه تداعيات الأحداث العالمية الكبرى وحدها، وإنما قد ترسم ملامحه قرارات ’تافهة‘، يصدرها أناس عاديون في لحظات مختلَسة من عمر الزمان.

 في كتابهTiny Histories: Trivial events and Trifling Decisions that Changed British History، الذي نشر في أكتوبر 2017، يكشف الكاتب والصحافي البريطاني، ديكسي ويلز، النقاب عن ستة قرارات ’تافهة‘ غيرت وجه تاريخ بريطانيا، وجعلتها ما هي عليه اليوم.

المروءة تغير اللغة الإنجليزية

في عام 991، أبحر أسطول من الفايكنج يضم 93 سفينة، ويقوده البحار النرويجي، أولاف تريجفاسون، في نهر بلاك ووتر، في مقاطعة إيسيكس، شرقي إنجلترا، حتى وصل إلى جزيرة نورثي.

على إثر ذلك، قام قائد ساكسوني محلي، يدعى بيرتنوث، بتجميع ميليشيا صغيرة على عجل لمنع جنود الفايكنج من عبور الجسر إلى قريته الحدودية الصغيرة.

أصابت الدهشة جنود الفايكنج عندما وجدوا أنفسهم أمام جسر بالغ الضيق، وهو ما مكن لثلاثة فقط من جنود بيرتنوث (هم ولفستان، وإيلفير، وماكوس) من إفشال جميع محاولات جيش الفايكنج، الذي بلغ قوامه 3000 جندي، لعبور الجسر.

لم يمض وقت طويل حتى أصاب الإعياء والأحباط قوات الفايكنج، وباتت حملتهم مهددة بالفشل. إزاء ذلك طلب القائد النرويجي، تريجفاسون، مقابلة بيرتنوث، وشكى إليه أن حبس جنوده بهذه الطريقة لا يتفق مع مبادئ الجندية وأصول المواجهات العسكرية النبيلة.

وافقه بيرتنوث، الذي كان يتسم بالشهامة، وسمح لجنود الفايكنج بعبور الجسر الضيق دون مضايقة، حتى يتسنى للقوات المتناحرة خوض معركة ’نبيلة‘ وجها لوجه. وبعد أن شكر الفايكنج لمضيفيهم نبل أخلاقهم، سارعوا بإعمال سيوفهم فيهم بلا هوادة، وذبحوهم حتى آخر رجل منهم.

أرًخت هذه المعركة لبداية فصل كئيب في التاريخ الأنجلو ساكسون، وبريطانيا بأكملها؛ حيث تعرضت البلاد لسنين عجاف على إثر تكبدها دفع ما كان يطلق عليه “دانيجيلد” Danegeld (وهي ضربية تؤدى إلى الغزاة النرويج والإسكندنافيين للقبول بالجلاء عن البلد المهزوم). ويقدر المؤرخون أن إجمالي ما دفعه الساكسونيون قد زاد على ستة ملايين عملة فضية يربو وزنها مجتمعة على 100 طن.

كان من الممكن ألا تسير الأمور على هذا النحو. فلو أبقى بيرتنوث قوات تريجفاسون على الجانب الآخر من الجسر حتى تتم نجدته بجيش يستطيع مواجهة جيش الفايكنج، لما احتاجت إنجلترا إلى دفع هذه الضريبة الباهظة، ولما أصابها هذا الوهن، ولما تعرضت للغزو مجددا من قبل قوات هارالد هاردرادا، ملك النرويج، الذي ارتأى – لأسباب مفهومة – أن الساكسونيين قد خارت قواهم وباتوا لقمة سائغة لأي غزو أجنبي.

ورغم انتصار قوات الملك الإنجليزي في هذه المعركة إلا أن الساكسونيين تعرضوا لحالة من الإعياء الشديد أدت إلى هزيمتهم بعد 19 يوم فقط  أمام النورمانديين الذين سعوا إلى طمس معالم الثقافة الإنجليزية واستبدالها بالثقافة النورماندية، بما في ذلك استخدام النورماندية الفرنسية كلغة ’رسمية‘؛ وهو ما أدى إلى  تعرض اللغة الإنجليزية لهزة عنيفة، وتقلصت كلماتها الساكسونية الجيرمانية لحساب الكلمات النورماندية الفرنسية.

تأخير غسل الصحون يتسبب في هزيمة دول المحور

كان من الطبيعي أن يكون قرار عالم الجراثيم، ألكسندر فليمنج، بترك بعض الأطباق التي تناول فيها وجبة غدائه غير نظيفة في مغسلة مطبخه – قبل أن يذهب لقضاء أجازته – أكثر القرارات ’تفاهة‘ في تاريخ الطب البشري، لولا أنه أدى إلى واحد من أهم الاكتشافات التي غيرت مجرى تاريخ العالم.

فلدى عودته إلى مختبره وجد فليمنج شيئا غريبا ينمو في الأطباق. كان هذا العفن يحتوي على خصائص المضاد الحيوي، وهو ما أدى إلى اكتشاف البنسلين.

استخدمت قوات الحلفاء هذا العقار في النصف الثاني من الحرب العالمية الثانية للوقاية من الغرغرينا وتسمم الدم، بينما فشلت المؤسسات الصحية في دول المحور في إنتاج كميات كافية من هذا العقار، وهو ما أدى إلى زيادة معدلات الوفاة بصورة ملحوظة في صفوف جنودها، وأسهم في هزيمتها.

فنان مغمور يغير مسار الحفاظ على البيئة

يتشكل التاريخ أيضا عبر أحداث يصنعها أشخاص أقل شهرة من عالِم في مجال الجراثيم، أو حتى قائد ساكسوني في قرية نائية.

ففي عام 1933 قرر فنان بريطاني موهوب في الرابعة والعشرين من عمره، يدعى بيتر سكوت – وهو ابن المستكشف، روبرت فالكون سكوت – رسم لوحة من داخل مبنى ناء ومتصدع، على بعد ثلاثة أميال من منطقة المد والجزر، حيث تلتقي مقاطعتي نورفولك ولينكولنشاير الإنجليزيتين.

ترسم العزلة التي يتسم بها المكان، إضافة إلى الحياة البرية التي يكتنفها، لوحة طبيعية بديعة لم يقف تأثيرها على إلهام سكوت مجموعة من الأعمال الفنية فحسب، وإنما خلقت منه أهم محافظ على البيئة في تاريخ العالم.

لم يمض وقت طويل على ارتياد سكوت هذا المكان، حتى تحول إلى مناصر قوي لقضايا البيئة، وشارك في تأسيس منظمة “الاتحاد الائتماني للطيور البرية والأراضي الرطبة” Wildfowl and Wetlands Trust، ومنظمة “الصندوق العالمي للحياة البرية” World Wildlife Fund (التي تعرف الآن بـ “الصندوق العالمي للطبيعة” World Wide Fund for Nature).

أسهم سكوت أيضا في حظر صيد الحيتان لإغراض تجارية، وهو ما أدى بدوره إلى صياغة “القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض” Red List of Threatened Species. كما قام بتأليف أكثر من 20 كتابا، وتقديم البرنامج التليفزيوني الشهير Look، الذي ناقش قضايا البيئة على مدى 26 عاما، وهو ما جعله أكثر المحافظين على البيئة تأثيرا في التاريخ.

قادت تجربة سكوت في المنارة المهجورة إلى تحولات كبرى إلى درجة جعلت المهتمين بقضايا البيئة في العالم يعلقون لافتة (لا تزال موجودة حتى اليوم) على بقايا المبنى المتهالك من الخارج تحمل عبارة: “المبنى الأكثر أهمية في تاريخ المحافظة على البيئة في العالم” The most important building in the history of global conservation.    

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق