دار الكتب

الذكاء العاطفي.. فرض عين

(أنا أفكر إذن أنا موجود) مقولة ديكارت الشهيرة التي أطلقت تيار العقلانية في العالم، لكن هل يمكن فعلا التعويل على العقل وحده؟ وكيف سيكون الحال وقتها؟

العلم لا يكف عن البحث عن جديد، وأحيانا تسوق الأقدار ما يفتح احتمالا آخر، حدث ذلك بالفعل حين أصيب أحد العمال (فينيس ب جيج) إصابة شديدة في رأسه ورغم أنها مرت بسلام وتعافي منها إلا أن تغييرا ملحوظا طرا على شخصيته، وبدا أنه فقد حسه الاجتماعي وقدرته علي التوافق مع الناس، على خلاف طبيعة شخصيته قبل الحادث، ما أخضعه لأبحاث أثبتت أن مركز العاطفة وحسن التقدير في دماغه قد تم تدميره.

وفي عام 1994 أصدر الطبيب والفيلسوف الإيطالي أنطونيو داماسيو كتابه (خطأ ديكارت) الذي أثبت فيه أنواع القدرات الأخرى للدماغ غير المحاكمات العقلية والتفكير المنطقي، فمن يفقد العاطفة لن يقدر علي اتخاذ القرارات أو العمل بما يزيد على المستوي البدائي، وفي عام 1995 أصدر (دانييل جولمان) كتابه الشهير الذي أحدث ضجة  مازالت مستمرة (الذكاء العاطفي).

فهم الذات

الذكاء العاطفي هو القدرة علي فهم الذات والتعبير عنها بثبات واحترام للوضع الاجتماعي والقدرة علي فهم الآخرين وتقدير ظروفهم ودوافعهم ثم التعامل معهم بشكل جيد، وهو أيضا القدرة علي التواصل الناجح وتحقيق الأهداف في إطار من النزاهة والضمير.

ذوو الذكاء العاطفي المرتفع يتمتعون بخصال التعاطف والرحمة والعناية بالآخرين والانضباط الذاتي والتفاؤل والمرونة والقدرة علي حل المشكلات والتكيف مع ضغوط الحياة وأخيرا فإنهم يتمتعون بحس الدعابة وصحبتهم ممتعة، كما أنهم يضعون لشخصياتهم حدودا معلنة لايسمحون لأحد بتخطيها ويعرفون جيدا متي يقولون: لا، ومن يتمتع بقدر مناسب من نوعي الذكاء (المنطقي والعاطفي) هو صاحب الذكاء الحق.

بتبسيط شديد هل كان الناس يجهلون قبل ذلك تلك الحقائق؟ كانوا يعرفونها بالطبع، لكن جاء العلماء ليضعوا لها قواعد ومقاييس لتصبح علما.

عندما كان الموظفون يتذمرون من المدير الغبي لم يكونوا يقصدون أنه لا يحسن التفكير بل لا يحسن التعامل ولا تقدير الأمور، فهو يخسرهم دائما ويكدر حياتهم ولا يمنحهم فرصة للتفاهم ربما تؤدي لتحسين أداء المؤسسة كلها، إنه باختصار يفتقر للدرجة المناسبة من الذكاء العاطفي وشخصيته ليست ناضجة بما يكفي .

مهارات مكتسبة

الذكاء المنطقي موهوب ووراثي إلي حد كبير ولا يمكننا زيادة معدل من هو متوسط الذكاء ليصبح عبقريا، الميزة في مهارات الذكاء العاطفي أنه مكتسب ويمكن تعلمه والتدريب عليه. لا يعني ذلك بالضرورة أن نلجأ إلى من يكسبنا تلك المهارات، فالحياة تنضج الشخصية وتكسبها المهارات المطلوبة بطرق عدة، مصاعب الحياة ذاتها خير معلم، فهي تعيد تشكيل شخصياتنا برؤية أعمق وأكثر تكاملا، وكذلك السفر الذي قيل إن له سبع فوائد لعل أهمها ذلك الإثراء بسبب تنوع صور الحياة التي نختبرها، الإنجاب وتربية الأبناء أيضا مصدر مهم لاكتساب خبرات ومهارات الحياة

أضف إلى ذلك التعلم المستمر والاطلاع الدائم، والتحلي بصفات المرونة والتفاؤل والمرح والنزاهة والضمير الحي، وخبرة التعامل مع الشخصيات الصعبة، فضلا عن الإيمان وما يمنحه لنا من قوة روحية تعزز تماسك الشخصية.

هذا ماتقوله الدكتورة جين آن كريج في كتابها الممتع (ليس المهم مقدار ذكائك بل كيف تستخدمه). فالمدير الناجح مثلا يعمل تحت إدارته من هم أعلي منه ذكاء وافضل في الدرجات العلمية لكنه يتمتع بقدرات استثنائية في التواصل والإدارة وحسن الاستماع وحل المشكلات، تجعله رئيسا لهم قادرا على حسن توظيف خبراتهم وعلمهم لصالح العمل.

الدكتورة جين آن كريج

والبنت الجميلة المثقفة ليس شرطا أن تنجح في زواجها بقدر ما قد تحققه من هي أقل منها جمالًا وثقافة، ونجحت في تطوير نفسها واكتساب مهارات التواصل والاحتواء التي تجعل زوجها وأسرتها لا تستغني عنها.

هذه القدرات المكتسبة باتوا يعلمونها لأطفال المدارس في الغرب، إدراكا منهم أن النجاح في الحياة لا يتوقف علي حفظ الكتب والحصول علي الدرجات النهائية في الامتحان، بل علي تنمية النفس لتصبح مثمرة يستظل بها الناس ويلتفون حولها.

تقول الكاتبة الأمريكية كارولين كاسي: سواء كان العالم ساحرا أو لم يكن فمن الأفضل أن تعيش فيه كما لو أنه كذلك.

الوسوم

إيمان القدوسي

كاتبة وصحفية مصرية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: