ثقافة

محمود درويش.. سطوع الحضور

انتحى شعره ركنا قصيا على قمة جبل عالٍ، فكان لشعرائنا وأدبائنا المعاصرين كل منهم أسلوبه الذي نحته بعد طول عناء، من صخر الوحي والموهبة، وكان لمحمود درويش لغته، وهي من أوردته سجون الاحتلال، ونفته بعدها بعيدا عن وطنه، لكن الشعر لم يكن قصة درويش الوحيدة، بل كان للسياسة كذلك قصة لديه.

عاش درويش قسطا من حياته واحدا من أبناء عرب فلسطين التاريخية أو عرب الداخل، لا عرب “إسرائيل”، كما يغلط القاموس المدجن متعمدا، لم يكن الشعر وسيلته الوحيدة في مقاومة الاحتلال، الذي جعل حياته فوق وطنه غير شرعية، ليتوسل بالعمل السياسي مقاومة المشروع الصهيوني، فانتمى في مقتبل شبابه، إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي رفع وقتها شعار “مع العرب ضد الاستعمار الإسرائيلي”، وكان هذا بجانب عمله محررا ومترجما بجريدة الحزب.

 في هذه الفترة التي امتدت حتى العام 1972 اعتقل درويش ثلاث مرات، بسبب أشعاره ونشاطه الحزبي، كانت أمسية شعرية له بإحدى القرى الفلسطينية كافية لأن تحاصر الشرطة الإسرائيلية هذه القرية، كي تثني أهلها عن سماع شاعر المقاومة.

سافر بعدها درويش في بعثة قصيرة إلى روسيا، لينتقل إلى القاهرة، ثم يستقر في لبنان (1973 ـ 1982) إلى حين، والتحق في هذه الفترة بالسلطة الفلسطينية إلى حين أيضا. تدرج في سلك منظمة التحرير، حتى أصبح عضوا باللجنة التنفيذية للمنظمة، ولعب أدوارا عدة بها، فكان له دور في رأب الشقاق بين الأشقاء، بالفصائل المختلفة.

كما قاد درويش مبادرة دعا فيها إلى مد جسور التواصل مع اليسار الإسرائيلي، ليختاره الراحل ياسر عرفات مستشارا له، وتتوطد العلاقة بين القائد العام للثورة الفلسطينية و”الشاعر العام” لها (بتعبير عرفات)، لكن هذا لم يمنع “الشاعر العام” للثورة أن ينقلب على قائدها عند مفترق أوسلو 1993، إذ كان محمود درويش يرى “أن ثمة أمورا كثيرة ظلت غامضة، وأن هذا الغموض يستفيد منه دائمـا الطـرف الأقوى. وأنه منذ البـداية تـصرف المفاوضون بعكس المنطـق؛ ففي الـعادة، يتم التوصل إلى اتـفاق على المبـادئ الكـبرى ثم يجلس المتـفاوضون إلى مـائدة المفاوضات للبحث في التفاصيل. والحـال، أن المتفاوضين أهمـلوا، أو أرجـأوا الاتـفاق على المسائل الجوهرية: القدس، الحدود، مـسألة اللاجـئين، إلخ، ولم تأتِ الاتفاقية على ذكر إقـامة دولة فلسـطينية في نـهاية العمـلية، أي أن الـقيادة الـفلسطينية اعـترفت بدولة “إسـرائيل”، بينـما لم تعتـر ف الأخيرة إلا بمنظمة لا أكثر”.

هنا صرخ درويش كتابةً في وجه عرفات لدى إلقاء كلمته في احتفالية توقيع أوسلو المشئومة: “أين بلاغة الضحية التي تسترجع ذاكرة عذابها الطويل، أمام شقاء اللحظة التي ينظر فيها العدوّ في عين العدوّ، ويشدّ على يده بإلحاح؟ أين أصوات القتلى السابقين والجدد الذين يطالبون باعتذار لا من القاتل فحسب، بل من التاريخ؟ أين حيرة المعنى في لقاء الضدّ بالضد؟ وأين الصرخة الملازمة لعملية جراحية يُبْتَرُ فيها الماضي عن الحاضر في مغامرة السير إلى غد ملتبس..؟”.

خاطب درويش عرفات بعد توقيع الاتفاقية، محاولا حثه على التراجع عن هذا المسار: “إنك تدرك جيدا يا أبو عمار أنني لا أعترض على الاتفاق مع “إسرائيل”، لكن كان يجب عقد اتفاقية مشرّفة، تمكننا من الحصول على أكثر مما حصلنا عليه.. توقيعك على هذه الاتفاقية يا أبو عمار سيفتح أبواب البلدان العربية أمام “إسرائيل”، فهو يمنحها الشرعية التي طالما انتظرتها.. هل ستحقق لنا مثل هذه الاتفاقية السلام المنشود؟ أشك في ذلك. هذه مغامرة يا أبو عمار”.

غير أن القائد العام للثورة تيبس عناده، فلم يجد درويش بدا من أن يصيح في وجهه: إنني أتكلم باسم قسم كبير من الشعب الفلسطيني. فرد عليه عرفات: إن الشعب الفلسطيني سيئ التهذيب أحيانا، فما كان من درويش إلا أن أجابه: إذا صحّ ذلك، فلماذا لا تختار لنفسك شعبا آخر؟، لكن الراحل عرفات لم يختر لنفسه شعبا آخر، كما نصحه درويش، بل اختار له ولشعبه طريقا آخر، طريق التيه، ليرحل هو، ويوغل شعبه في التيه، ويخسر نهايةً رهان الدولة المرجوة، لتظل مجرد نص أدبي لدرويش.

لم يدم خصام الرجلين، فبعد فترة من الجفاء حد القطيعة عرض أبو عمار منصب وزير الثقافة في السلطة الفسطينية على محمود درويش، إلا أن الأخير اعتذر، مفضلا صومعة الشعر، ليؤسس مجلة الكرمل الأدبية (1981)، ويشرف على إصدارها رغم تنقله في المنافي بين لبنان وتونس ثم فرنسا التي استقر بها عشر سنوات، انتقل بعدها إلى الأردن، ثم كانت العودة إلى فلسطين، رام الله منتصف التسعينات، وظل بها حتى وفاته (2008).

لم يغيب الموت سطوع الحضور لنبي فلسطين الشعري، فنصوصه الشعرية والنثرية المبثوثة في الحراكات الفلسطينية ضد الاحتلال، وفي المنتديات الثقافية على امتداد الوطن العربي، وفي فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي؛ برهنت على أنه شاعر ضد النسيان، وهو ما خيب ظن مغتصبي الأرض ومن “أحبوه ميتا”، ليقبل درويش على الحياة بقدر ما أدبر عنها.

الوسوم

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق