منوعات

تشاءموا بالخير تجدوه

إذا كان للتفاؤل فوائد كثيرة يظهر أثرها على صحة وسعادة ونجاح الفرد في حياته فللتشاؤم أيضا منافع تصل حد التفاؤل، لذا ليس ضروريا أن ننظر دائما لنصف الكوب المملوء، فملاحظة نصفه الفارغ لن تعرقل أبدا بلوغنا الغاية.

هذه الرؤية دعمتها دراسات كثيرة حول التشاؤم، لكن قبل استعراض عددا منها من المهم أن نستكشف ماهية التشاؤم وكيف يكون؟.

يرى فرويد أن منشأ التفاؤل والتشاؤم يعود للمرحلة الفمية (وهي أولى المراحل النفس جنسية لدى مدرسة التحليل النفسي، وتمتد من الولادة وحتى بلوغ الوليد 18 شهرا، وفيها يكون الفم هو مصدر الشهوة الجنسية). التثبيت عند هذه المرحلة الذى اعتقد فرويد أنه يقع لدى الفرد المتشائم إنما ينتج عن الإشباع المفرط للوليد أو تعرضه للحرمان، ويتفق عالم النفس إريك إريكسون مع فرويد فيما ذهب إليه، فيؤكد أن إهمال الرضيع وتجاهل احتياجاته يولد لديه الشك وانعدام الثقة تجاه محيطه، ما يؤدي بالطفل إلى عدم التكيف، ليتسم سلوكه بالتشاؤم بعد ذلك، أما إذا تلقى الرعاية الواجبة، فإن جسرا من الثقة يربط بينه وبين العالم الخارجي، ليطبع التفاؤل تعامله مع عالمه فيما بعد.

وإذا كان فرويد قد أرجع التشاؤم  إلى العقد النفسية، فإن عالما النفس “فرون وكنتور” ربطا التشاؤم أو أحد أنواعه “التشاؤم الدفاعي” بالإيجابية، ويمكن تمييزه عن أنواع التشاؤم الأخرى بأنه نوع من الاستراتيجية يلجأ إليه أصحاب التفكير القَلِقْ للتغلب على قلقهم، وتتحقق تلك الاستراتيجية عبر فرض السنياريوهات الأسوأ لوقائع أو أحداث مستقبلية تخص الفرد وطريقة التعامل معها.

هذا التدريب التخيلي يتيح للمرء التغلب على الأخطاء المتوقع حدوثها ليتفاداها، ويعزز ذلك بالتبعية فرص النجاح، وبخلاف الشخص المتفاؤل فإن المتشائم لا يعلق آمالا كبيرة على بلوغ هدفه أيا كان، لذا ففي حالة الفشل لا يتعرض إلى الشعور بالخيبة بذات الدرجة التي يستشعرها المتفاؤل. أما فيما يخص الثقة بالنفس، ففي دراسة أجراها أحد الباحثين على عدد من الطلاب الجامعيين على مدار سنوات دراستهم وجد أن المتشائمين الدفاعيين يرتفع لديهم شعور الثقة مقارنة بغيرهم من الطلبة، وبمستوى يصل إلى حد المتفائلين، ويعود هذا الأمر إلى زيادة معدل الثقة مع كل نجاح تحققه الاستراتيجية المشار إليها.

الاستفادة من التوقعات السلبية في الاستعداد بشكل أفضل لشتى المواقف والأحداث التي يتوقع حدوثها يميز المتشائم الدفاعي عن المتشائم العادي أو الفرد القَلِق أو المكتئب، وبالتالي يقوى إحساس المتشائم الدفاعي الداخلي بقدرته على التحكم والسيطرة عند تجاوزه الموقف أو الحدث، لتزيد ثقته بنفسه.

هناك جانب آخر يمتاز فيه المتشائم الدفاعي، ذلك المتصل بالعناية الصحية، فهو أكثر حرصا على الإجراءات الوقائية من المتفائلين، كما أن المتشائم الدفاعي قادر أكثر من غيره على التعامل مع الأمراض المزمنة وطويلة الأمد. هذه النتيجة استخلصتها إحدى الدراسات التي أجريت على مرضى إلتهاب المفاصل، فلأن المتشائم الدفاعي لا يتوقع شفاءً سريعا من مرض كهذا ولا تراوده غير أفكار تدور حول المدى الذي ستبلغه حالته من السوء مع مرور الوقت، فهذا يجعله أكثر حرصا على اتباع الوسائل التي تخفف من الأعراض المصاحبة للمرض.

الفيلسوف الألماني شوبنهاور

ويخطر بالبال هنا مدى تشابه هذا النوع مع التشاؤم الأشهر في دنيا الفلسفة، التشاؤم الشوبنهاوري، وإن تميز الأخير بالتأصيل الفلسفي والعمق الذي لا يبلغه الأول قطعا.

وعن هذا التشاؤم يجزم شوبنهاور أن لا معنى وراء الحياة، وأن الإرادة التي تقود الإنسان في العالم المليء بالشرور والآلام هي إرادة عمياء، لهذا السبب على المرء ألا ينتظر الكثير من حياته، وأن يتهيأ لمختلف الصدمات وخيبات الأمل، ويساعد هذا التصور الفرد على تقبل مختلف الصدمات والخيبات، فيحميه من الاستغراق فيها.

  ورغم وجه الشبه القائم بين الرؤية الشوبنهاورية وما رصده الباحثو ن بخصوص التشاؤم الدفاعي، لكن التشاؤم الشوبنهاوري يحوطه الشك حول قدرته التشجيعية للفرد على التقدم في حياته، في حين أثبتت الدراسات أن للتشاؤم الدفاعي منافع كثيرة منها ـ كما أسلفنا ـتحفيز المرء على النجاح في تحقيق أهدافه، وهذا ينبه القارئ إلى كون الأمور في كثير من الأحيان ليست بظواهرها، فلا العمق يدفع المرء دوما للأمام ولا التشاؤم يؤخره إلى الخلف.

الوسوم

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق