فن

«رجل كل العصور».. الموت رفضا لخيانة المبادئ

في مسرحيته الشهيرة “رجل كل العصور” يحكي الكاتب البريطاني روبرت بولت وقائع قصة حقيقية مقتبسة من تاريخ الإمبراطورية البريطانية في القرن السادس عشر، عندما اختلف توماس مور مستشار التاج البريطاني في عهد الملك هنري الثامن مع الملك بعد رفضه الطلاق والزواج مره أخرى رغبة في الحصول على وريث، ما دفع الملك إلى التخلص من “مور” أحد أخلص رجاله، بل والخلاف مع الكنيسة في روما والاستقلال عنها، فيما أطلق عليه “عصر الإصلاح الديني”.

المسرحية تذهب إلى أن المصالح الذاتية للحكام أو الطبقة الحاكمة كثيرا ما تكون الدافع الحقيقي لقرارات مصيرية قد تأخذ صبغة دينية أو سياسية، وغالبا ما يكون الموت مصير من يجرأ على الوقوف أمام مثل هذه القرارات تمسكا بما يعتقده من مبادئ، فيما ينجو من هذا المصير من يسارع إلى إظهار التأييد من ثلة المقربين من أصحاب النفوذ والسلطة الدينية والسياسية.

المسرحية سبق أن تحولت إلى فيلم سينمائي بنفس الاسم، حاز جائزة الأوسكار  لروبرت بولت نفسه عام 1967 لأفضل سيناريو مقتبس، ضمن 6 جوائز فاز بها الفيلم في ذلك العام. كما سبق أن قدمتها الإذاعة المصرية.

وفي المهرجان القومي للمسرح المصري الذي انطلقت فعالياته هذا الشهر، قدم فريق مسرح كلية الطب البشري بجامعة القاهرة، العرض المسرحي مجددا من إخراج محمد السعدني وبطولة، محمود وهبة، وأحمد كمال توفيق، وليديا فاروق، وعمار ياسر، وماهي هاني، ومحمود الدكروري، ومصطفى صديق، ومحمد صلاح، ورحمة سمير، ونجلاء محسن، ومحمد حسن، ورنا طارق عجرمة، ومحمود عيسى.

العرض الذي قدم بالعربية الفصحى، تميز بأداء اتسم بحرفية عالية من فريق الممثلين الذين استطاعوا إقناع المشاهد دون تصنع أو صياح زاعق، كما تمكن المخرج محمد السعدني من جمع خيوطه ببراعة.

قسم المسرح إللى مستويين، يصنعان في بعض الأحيان غرفة واحدة، وأحيان أخرى زمنين مختلفين، أو عرض لحكاية من ذاكرة أحدى الشخصيات. وعلى طول خط العرض، يتم استخدام الذاكرة والحكاية بشكل تمثيلي بجانب الشخصية المتكلمة، سواء باستخدام أسلوب الحركة أو الثبات أو التمثيل الصامت للمشهد، ورغم صعوبة ذلك، نجح أعضاء الفريق في تقديمه بأسلوب السهل الممتنع، ما ساعد على عدم وقوع المشاهد في فخ الملل، أو التشتت مع تسارع الأحداث.

يبدأ العرض على لسان الراوي الخال ماثيو” محمود وهبة”، الذي يبدو في هيئة رجل مسن يقول ما يتذكره قبل أن تتغلب عليه الذاكرة، لكن ذلك الكهل سرعان ما يتحول من أقصى يسار المسرح إلى شاب على أقصى اليمين، لنكتشف أنه كان مساعدا للسير توماس مور”أحمد كمال توفيق” كبير مستشاري الملك هنري، وصديقه الصدوق.

ديكور بهاء الشريف وهاجر عبد القادر نقل المسرح بسلاسة ليصور مع أداء الشخصيات صورة سهلة وغير متكلفة للقصر في بعض الأحيان ومنزل توماس مور والبرلمان وغرفة كاردينال انجلترا، كل ذلك دون تعقيد، وبما لا يفقد المشاهد تركيزه مع أداء الشخصيات ومعايشته أجواء أروقة الحكم في بلد أوربي في القرن السادس عشر.

إضاءة أبو بكر الشريف استطاعت أيضا تقسيم المسرح بشكل سلس وغير مزعج وشاركت في المحافظة على تركيز المشاهد للمنطقة التي أرادها المخرج مسرحا للحدث، حتى لو كان المسرح في بعض الأحيان ممتلئا بالشخصيات الفرعية أو الصامتة.

كما تفوقت مريم عصام في اختيار ملابس العرض، مع المراجعة التاريخية من سمر السعدني، ليقدما صورة حية لأزياء تلك الفترة، وكأن العرض يقدم بتكاليف إنتاج المسرح التجاري، تناغما مع أسلوب السهل الممتنع التي قدمته الفرقه ككل.

نعرف في المشهد الأول واقعة أن توماس مور سبق وحصل على رشوة، كأس من الفضة إيطالي الصنع، وهو ذلك الرجل المشهود بالنزاهة، تلك الرشوة التي ستصبح طريق الكارهين لمور لقتله فيما بعد.

أحمد خالد توفيق وفق في أداء شخصية توماس مور، واستطاع أن ينقل للمشاهد مشاعر القلق من غضب الملك، وإقتناع الرجل برأيه في رغبة الملك في الزواج من جديد، واستعداده للعداء ضد الجميع دون أن يغير قناعاته، لكنه في نفس اللحظة يعلن أنه خادم للملك وأنه سيظل محبا له حتى أخر نفس في حياته.

الملك هنري الثامن “محمد حسن” قدم دور الملك اليافع المستهتر الذي يظن أنه يحمل قدرا من خفة الظل ويجب أن يضحك كل من خلفه، بشكل رائع، يحاول هنري طوال العرض، إقناع توماس مور بالموافقة على زواجه من جديد من “أن بولين” والطلاق من “كاثرين”، لأنه يرى في مور الرجل الشريف الوحيد ضمن حاشيته، لكن رفض مور ووسوسة أعداءه في أذن الملك ينهي تلك الصداقة بشكل درامي.

أحد أبرز شخصيات العرض وأبرز أعداء مور هو كرومويل “محمد صلاح”، توماس كرومويل تاريخا كان من ضمن ثلاثة مقربين للملك مع “توماس مور، وتوماس ويلسي”، في العرض يشكل كرومويل دور الشيطان، ورأس المحاربين في سبيل التخلص من مور والوصول إلى مكانه كبيرا لمستشاري الملك.

محمد صلاح قدم الشخصية بسلاسه تشعرك أن تلك الشخصية الشريرة اللئيمة المنافقة، هي شخصيته في الحقيقة، كيف قام كروميل بتجميع الخيوط التي تلتف حول رقبة مور، كيف يصنع فخا لذلك وكيف يوقع بتلك حتى يصل في نهاية العرض لغرضه ببراعة تامة، وكأنها براعة الصدفة.

وكان مشهد الإيقاع بريتش “محمود الدكروي”، صديق مور الشاب الذي قدم له توماس مور في بداية العرض كأسا إيطالي الصنع معترفا أنه رشوة سبق وحصل عليها، هو ذروة خطة ذلك الشيطان، فنشاهد كيفية حصول كروميل من ريتش على إعتراف يقدم للمحاكمة في سبيل الخلاص من مور، واعتبار ريتش هو يهوذا الذي خان سيده.

من أبرز مشاهد العرض أيضا، ذلك الذي رافق حديث أن بولين وكروميل حول خطتهم للتخلص من مور وزواجها من هنري، وخلالها انقسم ديكور المسرح إلى قسمين، الأول لوحة كبيرة لمشهد العشاء الأخير، والأخر تجسيد صامت من شخصيات العرض التي سيستخدمها كروميل في خطته، لنفس اللوحة.

أخيرا يقرر هنري عزل مور، وعزل كنيسة انجلترا عن كنيسة روما، وإعلان نفسه رأسا للكنيسة الوليدة، وتعيين كرومويل بدلا من مور.

يقدم مور للمحاكمة ويرفض الموافقة على زواج الملك الجديد، ونجد أن ماثيو خادمه في السابق، أصبح هو حارسا على سجنه.

يتم الحكم على مور بالموت شنقا، بتهمة الخيانة العظمى، وانحيازه لكنيسة روما، لكن تهمته الحقيقة هي رفضه الانصياع لقرارات الملك بالموافقة على الزواج.

ينتهي العرض بالعودة لصوت الراوي ماثيو، يحكي ما تبقى من سيرة الملك هنري، معزيا مقتل توماس مور باعتباره حقا رجل لكل العصور.

الصور من صفحة الفرقة على موقع التواصل الاجتماعي

إعلان ترويجي عن العرض

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق