ثقافة

في ذكرى درويش قراءة جديدة لجداريته

كانت تلك محاولة جسورة للتحلي بأكبر حظ من الشجاعة في لحظة تحتاج إلى قدر يسير من الاستسلام.. لكن روح درويش الاستثناء تجاوزت حدود الجسارة وألقت بظلالها على التجربة لتخرج أعمق ما فيها.. ورغم أنها لحظة شديدة الذاتية إلا أنها صارت كشفا عاما للإنسانية في تلك المواجهة التي اعتاد الصمت أن يغلفها بستار كثيف لا ينبئ عن شيء.. لكن درويش أهال جبلا من النور عليها فانقشعت الحجب لتصير الجدارية التي ظنها رسالته الأخيرة إلى العالم.. طاقة خلود أزاحت الموت وعرّته بل وأجبرته على الانزواء.

أراد درويش بهذه القصيدة أن يرمم صدع روحه المباغتة باحتمالية كبيرة للغياب.. نحّى الشاعر ما أهمه وألهمه لعقود ليعود لذاته المتعبة ليواسيها وليعدّها لما هو آت.. ليكاشفها ببعض الحقائق التي غابت عنها بفعل الانغماس الذي وصل لدرجة التوحد مع الوطن السليب.

في باريس عام1998 أجريت لدرويش عملية جراحية في القلب فرأى نفسه على تخوم الموت يصارع المجهول.. ولم يجد الشاعر سبيلا سوى أن يشن حربا نفسية على خصمه يحوّل فيها كل أسباب قوته وتجبره إلى تفاصيل ضعف تستحق الرثاء.

أراد درويش أن يفضح الموت، وأن يقبض عليه متلبسا بضعفه وعزلته.. نذير الرحيل الذي أراد أن يباغته بكسر حاجز الخوف.. باستكناه المجهول بإضاءة كل التفاصيل الغامضة حول الحدث ليصبح مألوفا ومرتبكا حتى أن درويش يكاد يأمره أن يضع كل الأدوات المهوّلة جانبا وأن يمضي إلى عمله ببساطة لائقة..” وحدك المنفي يا ملك الملوك، ولا مديح لصولجانك. لا صقور على حصانك لا لآلئ حول تاجك “.

وجد درويش في هذا الصراع أمضى أسلحته؛ ذلك السلاح لا يستطيع أحد هزيمته أو إبطال مفعوله.. سلاح اللغة. واللغة عند درويش متدفقة بالحياة فياضة بأدق التفاصيل، موّارة بوسائل الصمود والمراوغة.. وهي مختزلة وكثيفة ومسهبة بلا ترهل.. تنساب على شاطئ القصيدة فتنشئ المرافئ وتعمر المدن وتنزل الهزيمة بالصمت أينما حلّت.

يقول درويش: ” لقد استبد بي هاجس النهاية منذ أدركت أن الموت النهائي هو موت اللغة إذ خُيِّل إليَّ بفعل التخدير أنني أعرف الكلمات، وأعجز عن النطق بها فكتبت على ورق الطبيب.. لقد فقدت اللغة أي لم يبقَ مني شيء”.

ليس لدي أدنى شك أن درويش انتزع الخلود للغته انتزاعا، وأنه ضرب بحرفية مبهرة على مكامن القوة فيها؛ فتجلت في ساح الصراع حاسمة في هدوء.. خالصة لوجه البقاء لا تشوبها شائبة البدد.

تؤكد د.عالية صالح على “تحول اللغة داخل الجسد العربي إيقاعا شعريا نابضا بالحياة لأن لها قوة طاغية، وتصبح خارج الجسد طائرا قادرا على اقتحام مجهولات الأمكنة وتحطيم رتابة الزمان، والتحليق به عاليا وإمتاعه وإسعاده”.

لقد فرض درويش على نصه سلطة قاهرة، هي سلطة الذاكرة المتفجرة بالأحداث وبأدق التفاصيل؛ لينجو إلى حين من خيانة الزمن المتفلت في صرامة الاغتيال؛ فلئن يقع الشاعر في أسر ذاكرته التي ربما أنشبت نصالها بلا رحمة في تجاعيد روحه؛ خير له من أن يستسلم لتلك الهوة الباردة التي يدفعها الموت أمامه ككرة ثلج هائلة تسحق بحركتها المندفعة حياته المشدودة إلى الخلود بأرق الخيوط.

إن درويش في تلك اللحظة التي يستسلم فيها للرحيل يدرك على نحو ما عبثية تلك الفواصل” لا ثمة موت بل انتقال بين عوالم” فهو موجود في الغياب بعد أن امتلا بأسباب الرحيل ولكنه لن يصير بددا؛ لأنه متحقق في عين العدم تحققه في عين الوجود.

لا يريد لنا درويش أن نغادر أرض قصيدته الخضراء العالية التي لم تعرف من الأزهار غير شقائق النعمان المروية بدماء الشهداء، ولا أحد مجبر على الإقامة ولكننا في نفس الوقت وقد صرنا بغواية القصيدة مع الشاعر شيئا واحدا.. لذلك صارت المغادرة عصية على كلينا” هل أنا الفرد الحُشُودُ ؟”.

إن اكتمال دهشة درويش وهو يتلمس ملامح الموت وقد أخرسته المفاجأة حتى أنه يرى الكلمات لكنه لا يستطيع النطق- تصغر أمام دهشتنا العارمة من رجل عاين السجن والمنفى وواجه المحتل وودع عددا لا يستهان به من الرفاق.. وربما كان لذلك أثره في تعرفه ذلك المجهول في أصوات الانفجارات والرصاص المنسل بين الضلوع.. إنه لا يألف ذلك الآتي من عطب القلب والشرايين المنسدة، مما زاد الرغبة في تدقيق النظر واستكمال المعرفة لديه.

ويشير الباحث مصطفى الغرافي إلى أن “الأنا في الجدارية تبرز متعددة ومنقسمة على ذاتها. فهي تحب وتكره، تفرح وتحزن، تقترب وتبتعد، تقبل وترفض، تنكفئ على نفسها تارة وتنفتح على الجماعة تارات. كل هذه الانفعالات المتعارضة والمتناقضة يقدمها درويش في إطار تخييلي درامي أخاذ وفاتن يستثمر فيه شذرات من سيرته الشخصية التي تحضر في شكل تفاصيل متسللة من ذاكرته”.

لقد أقام درويش جداريته كبناء فني راسخ لا يريد أن ينقضّ.. أرادها مأوى يعصمه من طوفان الجدب الذي يوشك أن يغمر كل شيء ولن يخلف سوى العدم.. أرادها خطابه الأخير إلى العالم وجسره الذي سيعبر عليه نحو العالم الآخر. صارت الجدارية ما أراده حملت المتناقضات في تخفف.. فبقدر ما هي اعتراف شفيف أكدت على إثم الرفض.. وهي في أشد تجليات انزواء الذات وتألمها، مفتوحة بأقصى اتساع على أفق إنساني رحب متجاوز لكل الحدود والأزمنة.. إنها تتسع لترصد انكساراتنا  وبطولاتنا وتشرذمنا وآمالنا ومخاوفنا جنبا إلى جنب كسطر أخير في حياة شاعر أدرك لحظة انتصاره في آخر الشوط، فظل وفيا لنشوة الانتصار المؤجل حتى الرمق الأخير.

” لا شعب أصغر من قصيدته؛ ولكنّ السلاح يوسّع الكلماتِ للموتى وللأحياء فيها, والحروفُ تلمّعُ السيفَ المعلَّقَ في حزام الفجر, والصحراء تنقص بالأغاني, أو تزيدُ “.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق