منوعات

روبرتو بنيني .. فيلسوف الدموع الضاحكة

يخطئ من يصنف روبرتو بنيني ممثلًا كوميديًا فحسب، فهذا الممثل والمخرج الإيطالي المتميز قادر على أن يطرح أكثر القضايا السياسية تعقيدا وجدية في قالب من الكوميديا.

 فعبر مسيرة تقرب من ثلاثين عاما اتخذ بنيني الكوميديا إطارًا وأداة تعبير عن فلسفته الخاصة ونظرته إلى العالم، ولعل هذا ما جعل من أفلام بنيني أعمالاً تتسم بالعالمية ،كما في فيلمه الشهير “الحياة حلوة” الذي قدمه عام 1997 ونال عنه جائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي، حيث فوجئ  الجمهور بفيلم يتناول موضوع “الهولوكوست النازي” – وهي قضية تصل إلى حد القداسة في الغرب ـ  بروح كوميدية.

 حيث لعب بنيني دور إيطالي يهودي يُوضع في أحد معسكرات الاعتقال النازية مع ولده الصغير ولكنه يمارس حيلة طريفة حيث يصور لولده أن كل ما يجري هو لعبة وأن عليه الالتزام بقواعدها حتى يكون الفائز الأول!

وفي الفيلم الذي أخرجه مؤخرًا والذي يحمل عنوان “النمر والجليد”- ( أعيد عرضه على إحدى الفضائيات وتسنى لي مشاهدته للمرة الثانية) يعود بنيني مرة أخرى ليطرح مفهومه عن الحرب والسلام من خلال قصة عن الحرب على العراق التي اتخذ موقفا معارضا لها منذ بدايتها.

حيث تدور أحداث الفيلم حول أتيليو (روبرتو بنيني) الأستاذ الجامعي الذي يدرس الشعر لتلاميذه ويسعى لأن يحيا حياة هادئة مع ابنتيه المراهقتين.

 لكن الإخفاق الأكبر في حياته هو في علاقته مع فيتوريا (نيكوليتا براتشي) المرأة التي يحبها حبا عميقا ولكنه يفشل المرة تلو الأخرى في إثارة إعجابها

ولكن التغير الأكبر في حياته يأتي متزامنا مع بداية الحرب على العراق حيث يتلقى اتصالاً من صديقه الشاعر العراقي فؤاد (جان رينو) يخبره فيها أن فيتوريا تم نقلها إلى أحد المستشفيات وهي في حالة غيبوبة تامة بعد إصابتها بإحدى القذائف الملقاة على بغداد

يهرع أتيليو إلى العراق رغم توقف كافة الرحلات الجوية إليه ويندس وسط عمال الصليب الأحمر ليصل إلى بغداد.

وهناك ورغم تشاؤم كافة الأطباء إلا أن أتيليو يرفض أن يسلم بأن حالة فيتوريا ميئوس منها ، فيعبر خطوط النار أكثر من مرة ليحضر لها الدواء غير المتوافر في المستشفى.

 و في مشهد كوميدي يسخر أتيليو من الحرب الدائرة بسبب النفط حين تتوقف دراجته البخارية فيصيح: “نفد النفط في بلاد النفط “.

يدرك المشاهد الذي استطاع بنيني ببراعة التحكم في ابتسامته وتأثره أن أتيليو ولكونه عاشقا لا يعبأ كثيرا بالحرب القائمة حوله بقدر ما يهتم بإنقاذ فيتوريا.

 كما بدا واضحا احترام بنيني العميق للثقافة العربية ، فنحن نسمع على لسان فؤاد أشعارا للمتنبي والجواهري وغيرهما

 وحين يخفق الطب الحديث يلجأ أتيليو مع فؤاد إلى حكيم عراقي يدعى الجميلي الذي يرشدهم إلى وصفة تقليدية تنقذ بالفعل حياة فيتوريا.

ولأن بنيني مهتم بالإنسان في المقام الأول فإنه وكما قدم في فيلمه “الحياة حلوة” نموذج الطبيب الألماني الطيب الذي يُجبر مكرهاً على خدمة الجيش النازي ، فهنا أيضا لا يدين الجنود الأمريكيين وإنما يقدمهم على أنهم هم أيضا ضحايا لهذه الحرب، أرسلتهم حكومتهم إلى أرض لا يعرفون عنها شيئاً.

 ففي واحد من أجمل مشاهد الفيلم يحمل أتيليو على جسده الأدوية التي جلبها لفيتوريا ولكن الجنود المذعورين يتصورون أنها حزام ناسف، وما أن يتم تفتيشه حتى يهتف قائدهم :”إنه مجرد إيطالي مجنون”، ولا يجد أتيليو طريقة يشرح لهم بها أنه شاعر سوى أن يشبه نفسه بالشاعر الأمريكي الكبير والت ويتمان .

ولأن الأمل في أفلام بنيني هو دائما الغالب على اليأس فقد اختار أن ينهي هذا الفيلم نهاية سعيدة ، حيث يجتمع العاشقان مرة أخرى رغم كافة أهوال الحرب.

جاء فيلم بنيني الذي أخرجه وكتبه له السيناريو وقام ببطولته في وقت ملائم تماما، في زمن غابت فيه عن عالمنا لغة الحوار بشكل شبه تام وصارت القوة هي المنطق الوحيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: