رؤى

الحيلة السياسية … فن المواجهة الحذرة

ليس بوسع الناس كافة، في أي زمان ومكان، أن يواجهوا أعداءهم أو خصومهم أو حتى رؤساء العمل ومن ينخرطون معهم في منافسة طبيعية أو تنازع واضح المعالم على المصالح والمطامح، مواجهة ظاهرة جلية، ولهذا يضطرون إلى تبني “خطاب مستتر” أو “سياسة تحتية” أو “موروث خفي” ينطوي على نوع من التحايل، الذي يحمي الفرد من الانسحاق الكامل، أو التسليم النهائي بشروط كل من يمارس سلطة أو سطوة على الأفراد أو الجماعات والتكوينات البشرية.

وقد استفاضت القرائح الإنسانية في تتبع أنماط المواجهة المباشرة، بشقيها المسلح والمدني، فوجدنا آلاف الكتب عن تجارب الثورات الحمراء التي اندلعت في مختلف الأصقاع، والكفاح المسلح الذي جسدته أشكال متعددة من حروب العصابات لاسيما في فيتنام وكوبا، والنضال المدني الذي يعد المهاتما غاندي ومارتن لوثر كنج ونيلسون مانديلا من أبرز رموزه في التاريخ الحديث. وفي المقابل ندر من اعتنى بالمواجهات الحذرة المضمرة، وكثر من قلل من شأنها، رغم انتشارها في كل زمان ومكان بلا انقطاع، موزعة بهندسة عجيبة على التصرفات والسلوكيات وحتى الإشارات والإيماءات.

مثل هذا النوع من المواجهة يغلف نفسه بالبراءة والبساطة والخنوع، لكنه في حقيقة الأمر، يحمل في باطنه رسائل قوية لمن لا سلطة لهم، ويبدو كأنه “ضربة عنيفة مستقيمة بعصا عوجاء” كما يقول المثل الجامايكي. وقد مورس هذا السلوك كثيرا في تاريخ الإنسانية، ولا يزال وسيظل، لأن الحاجة إليه متجددة، مع تفاوت القوة بين الأفراد والمجموعات والدول. ومن ثم فقد مارس الرقيق والعبيد الحيلة في مواجهة الأسياد، والسود في وجه البيض، والأجراء في مواجهة أصحاب الأعمال، والمزارعون في وجه الملاك،  وذلك في سبيل أن يفشلوا خطط من بيدهم الأمر، ويحرمونهم من الاستيلاء الفعلي على عمل العمال والمزارعين وإنتاجهم وممتلكاتهم ومصالحهم القليلة.

تنطوي هذه الممارسة على نوع من التمثيل، تم فرضه على الأكثرية الساحقة من البشر عبر مجرى التاريخ، هذا التمثيل ينطوي على شكل من الخضوع الزائف، يبديه الضعفاء في مواجهة الأقوياء المتغطرسين والمتجبرين. ويعبر الأديب الفرنسي بلزاك عن المقاومة بالحيلة بعبارة بليغة دالة في روايته “الفلاحون” تقول: “يا أبنائي، لا تقتحموا الأشياء مباشرة، أنتم ضعفاء جدا، خذوها مني، اقتحموها جانبيا … تظاهروا بأنكم أموات، تمثلوا دور الكلب النائم”.

وقد حفل سلوك الناس بما يدل على أنهم قد وعوا هذه النصيحة قبل أن يولد بلزاك بآلاف السنين. ففنون التنكر السياسي متعددة، من قبيل “الاستغفال” أو ستر الهوية، مثل استخدام السحر في جلب الأذى للأعداء، والعنف مجهول الصاحب، والثرثرة ونشر الشائعات، والتعريض الناعم بالآخرين عبر استخدام التعبيرات والألفاظ اللطيفة، وهناك أيضا التذمر أو الغمغمة بوصفها شكلا من أشكال الشكوى المقنعة، وإبداء الشعور العام بالاستياء من دون تحمل الشكوى العلنية المحددة.

وبلغ التحايل مكانة ملموسة ووزنا محسوبا إلي الدرجة التي تعتمد فيها السلطة السياسية نفسها صيغا وأشكالا منه في سبيل الحفاظ علي سيطرتها ومصالحها. فالحكام كثيرا ما يستخدمون التورية والتمويه في التعمية علي شيء ذي قيمة سلبية، أو من شأنه أن يخلق وضعا مربكا إن تم الإفصاح عنه بشكل علني.

من أمثال هذه التوريات أن يقال “فرض السلام” للتعبير عن الهجوم المسلح وما يصحبه من غزو واحتلال، واستخدام كلمة “العقوبة القصوى “للتعبير عن الإعدام، وجملة “معسكرات إعادة التأهيل” للتعبير عن السجون التي يزج فيها المعارضون السياسيون. كما تزعم السلطة وجود “الإجماع” الظاهري للإيحاء بتوافر حال من الرضاء والقبول لدي الجماعات المحكومة، واستعمال الإجماع العقائدي الذي يتمثل في الالتزام الحزبي أو الانتماء الإيديولوجي أو التحسب للذات الملكية، في الوصول إلي النتيجة نفسها. وتستخدم السلطة أيضا “الاستعراض” لهذا الغرض أيضا، حيث يحرص القادة السياسيون وكبار المسئولين علي حضور الحفلات الرسمية والمسيرات وحفلات التتويج ومباريات كرة القدم. فالجميع، محكومون وحكاماً، في حاجة إلي ممارسة الحيلة أحيانا.

وقد انشغل دارسو السياسة والفروع العلمية الملتصقة معها أو التي تربطها بها جسور عريضة، بالممارسات والسلوكيات السياسية ذات الطابع الظاهر والمباشر، ابتداء بما يجري في المجتمع المحلي وانتهاء بما يحدث على مستوى النظام الدولي. هذا الاهتمام المكثف بالمألوف من أفكار السياسة وممارساتها مرده عدة أمور أساسية هي:

1 ـ تعتبر دراسة “السياسة الظاهرة” أيسر بكثير من التعرض لنظيرتها “المستترة” نظرا لأن المعلومات المتوفرة حول الأولى أغزر بكثير من الثانية. كما أن التراكم العلمي الذي حققه حقل السياسة، في سعيه إلى ضبط أدواته المنهاجية واقتراباته ومداخله العلمية، ارتبط غالبا بالسياسة الظاهرة، ومن ثم عبّد الطريق أمام كل من يتصدي لدراسة وقائع السياسة وأحداثها ومواقفها وقضاياها ومقولاتها الرئيسية والفرعية.

2 ـ الطلب علي السياسة في صيغتها الظاهرة والمباشرة أكبر إلى حد كاسح من الطلب على السياسة التحتية، حيث تكون هناك حاجة ماسة إليها في الأكاديميات ومراكز البحث وبيوت الخبرة، ولدى جماعات المستشارين الذين يضعون خبرتهم في خدمة رجال السياسة من حكام ووزراء وبرلمانيين ودبلوماسيين.

3 ـ يحتاج تناول السياسات المستترة إلى باحثين لديهم قدرة على إجراء الدراسات “عبر النوعية” التي تتم من خلال الاستفادة من عدة حقول معرفية في تفسير الظاهرة محل البحث، انطلاقا من اعتقاد في أننا إما أمام علم إنساني واحد له فروع متعددة، أو ثقة في أن النظرة التكاملية لشتى العلوم الإنسانية هي الأفضل في معالجة الظواهر الحياتية والاجتماعية المعقدة في أسبابها ومساراتها وحتى نتائجها المنتظرة، التي تشكل “تغذية مرتدة” Feed Back تدخل كعنصر جديد في دراسة الظواهر وفهمها.

 ولهذا لم تلق “السياسة التحتية” نصيبا وافرا من الإهتمام يوازي حيوية الدور الذي تلعبه في إدارة الصراعات الاجتماعية والسياسية، ما يجعل من دراستها أو مجرد إلقاء الضوء عليها أمرا ضروريا.

وتنطوي الظواهر والسلوكيات الخفية والمستترة وغير المباشرة على العديد من المعارف والقيم والاتجاهات ذات الطابع المرتبط بالمجال العام، والتي تفرض دوما ضرورة الالتفات إليها لتساعد في تفسير وإجلاء العديد من الأمور والقضايا السياسية المتصلة بواقعنا المعيش، والتي تنبني على قاعدة مفادها أن أساليب المواجهة العادية متفاونة ومتدرجة، مهما كانت نوعها عفوية أم مدبرة، وأن الناس لا يواجهون خصومهم بصدور عارية طيلة الوقت، إنها أحيانا بأضلاعهم المعوجة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق