منوعات

المازني.. أديب صاحبة الجلالة

لم يكن إبراهيم عبد القادر المازني واحدا من رواد النهضة الأدبية العربية في العصر الحديث فحسب، بل كان من رواد صاحبة الجلالة أيضا، عمل في بلاطها محررا وكاتبا ورئيسا لتحرير العديد من الإصدارات الصحفية.

وكما وجد المازني لنفسه مكانا متميزا بين أقطاب مفكري عصره في الكتابة الأدبية مثل عباس العقاد وعبد الرحمن شكري وطه حسين، شق المازني لنفسه طريقا مختلفا في عالم الصحافة، وتميز بمقالاته الساخرة اللاذعة الناقدة للأوضاع.

عباس محمود العقاد

اقرأ أيضا:

كانت مقالاته ثائرة على الموروث والتقاليد والأعراف، فاتسمت بالسلاسة والبعد عن التكلف والقوالب التي عرفت بها الصحافة المصرية في بدايات القرن الماضي، كان من رواد صياغة القصة الصحفية التي تجمع بين الخبر والمعلومة والحكي والرأي والتحليل في قالب واحد، ما مكنه أن يضع اسمه بجوار كبار رواد عصره في عالم الصحافة مثل توفيق دياب ومحمود عزمي وعبد القادر حمزة وغيرهم.

ولد المازني في شهر أغسطس عام 1889 ورحل عن عالمنا في مثل هذه الأيام من أغسطس عام 1949، ترجع أصوله إلى قرية كوم مازن التابعة لمركز تلا بمحافظة المنوفية، مات أبوه وهو  طفل، فقامت أمه وحدها على تربيته ورعايته.

ابراهيم عبد القادر المازني

من الطب إلى الصحافة

عانى المازني في تعليمه بسبب غياب والده وضيق ذات يد والدته، لكنه تمكن من الوصول إلى عتبات الجامعة، وبعد أن عقد العزم على أن يكون طبيبًا، ودخل مدرسة الطب، لم يتحمل قلب صاحبنا المرهف مشاهد التشريح وأغشي عليه في أول محاضرة تشريح، فهجر الطب وانتقل إلى مدرسة الحقوق، ونظرا لارتفاع مصروفاتها في عام التحاقه بها من 15 إلى 30 جنيه انتقل إلى مدرسة المعلمين.

بعد تخرجه من مدرسة المعلمين عام 1909 اشتغل بالتدريس، و لتفوقه انتقل من العمل في المدارس الابتدائية إلى المدارس الثانوية، فعمل مدرسا للترجمة بالمدرسة السعيدية، وكان حينها في العشرين من عمره بينما كان بعض تلاميذه فوق العشرين، وكان مصابًا بعرج خفيف كما كان  قصير القامة  خفيض الصوت، فشعر بعدم الرغبة في استكمال عمله وسط هؤلاء العمالقة، خاصة بعد سخرية بعضهمم منه ومن حجمه وطريقة مشيه. واجتهد عدد من زملائه في الإيقاع بينه وبين مديره، فقرر هجر التدريس والانتقال إلى الصحافة والكتابة، متسلحا بقراءاته الواسعة في الأدب العربي والإنجليزي وبراعته في الترجمة.

كانت بدايات المازني الصحفية في جريدة الأخبار لصاحبها ورئيس تحريرها أمين الرافعي الذي عرف بشدته وتمسكه بمبادئه ومناطحته للاحتلال الإنجليزي، ويروي المازني أنه ذات يوم كان بحاجة إلى ستين قرشا، ولم تكن الستون قرشا موجودة في جيب الرافعي ولا في خزينة الجريدة، وفي هذه الأثناء دخل إلى الجريدة أحد المعلنين، وعندما راجع الرافعي الإعلان اكتشف أنه لنوع من أنواع الخمور فرفضه، ولم يفلح المازني في إقناع رئيس تحريره بأن الضرورات تبيح المحظورات.

اقرأ أيضا:

رئيس تحرير بالإكراه

انتقل المازني عام 1926 إلى جريدة السياسة الأسبوعية لسان حال حزب «الأحرار الدستوريين»، كاتبا للمقالات ومترجما وكاتب قصة، ثم انتقل إلى «السياسة اليومية»، وفي عام 1931 في عهد وزارة إسماعيل صدقي باشا الذي كان معروفا بكرهه للصحافة والصحفيين، مررت الحكومة قانونا يمنع الصحفي الذي سئل أمام القضاء ولو لمرة واحدة من تولي رئاسة تحرير أي صحيفة، وكان هذا القانون لا ينطبق إلا على الدكتور محمد حسين هيكل رئيس تحرير «السياسة» فما كان من القائمين على الجريدة إلا اختيار المازني رئيسا للتحرير، علما بأنه لم يكن راغبا في هذه الترقية بحكم تكوينه الثقافي والأدبي. في إحدى المرات راجع المازني خبرا عرضه عليه سكرتير التحرير، فاكتشف فيه 7 أخطاء لغوية فلم يكتف بشطب الخبر بل شطب اسم المحرر من الجريدة نهائيا.

جريدة السياسة الأسبوعية

شهدت الفترة التي تولى فيها المازني رئاسة تحرير «السياسة» صراعات حادة بين حكومة إسماعيل باشا صدقي وحزب «الأحرار الدستوريين»، وكانت «السياسة» تنشر في تلك الأثناء سلسلة مقالات لزعيم الحزب محمد محمود باشا تنتقد الحكومة وتسلطها وفسادها، فتقدمت الحكومة ضده ببلاغ للنيابة العامة، وتم إبلاغ محمد محمود بأن وكيل النائب العام سينتقل للتحقيق معه في دار الجريدة، إلأ أن وكيل النيابة فوجئ بزعيم «الأحرار» يمثل أمامه، مع ذلك انتقل إلى مقر الجريدة ليحصل على أصل المقال محل البلاغ، فأقبل عليه المازني وقال له: «أنا لست ناشر المقال فقط بل أنا كاتبه أيضا»، فهبط المحقق إلى المطبعة ليتحقق من النسخة الأصلية، ليجد رئيس المطبعة يتلقف في فمه الأصل ويمضغه ويبتلعه. إثر تلك الواقعة عطلت حكومة صدقي «السياسة» ، وتفرق محرروها بين الصحف، فذهب بعضهم إلى جريدة الشعب لسان حال الحزب الحاكم، والبعض الآخر إلى جريدة «الاتحاد» لسان حال الحزب الذي كان ينطق باسم القصر الملكي، وانتقل المازني على كره منه رئيسا لتحرير «الاتحاد» لكنه لم يستمر فيها الإ شهور قليلة لينتقل بعدها إلى جريدة «البلاغ» الوفدية لصاحبها عبد القادر حمزة. كانت «البلاغ» جريدة مسائية وكان عمل المازني فيها لا يتجاوز ساعتين في اليوم، ما اتاح له انتاج أروع كتبه.

محمد باشا محمود

مأزق «البلاغ» و«السياسة»

علا نجم المازني وأصبح اسما هاما في سماء صاحبة الجلالة، ولما أسس حزب السعديين جريدة «الأساس» عام 1945، وقع اختيارهم على المازني رئيسا للتحرير. كان صاحبنا صاحب نظرية في الصحافة وهي أن الصحفي كالمحامي يدافع عن موكله سواء كان مؤمنا أو كان غير مؤمن بحقه أو براءته.

عمل المازني لشهور في صحيفتين متعارضتين، «البلاغ» الوفدية، و«الأساس» السعدية، ودعاه شيخ الصحفيين حافظ محمود في تلك الأثناء إلى كتابة مقال يومي بتوقيعه في جريدة “السياسة” بعد عودتها، فكان اسم المازني يظهر صباحا في «السياسة» ومساء في «البلاغ» التي تعارضها.

 

حافظ محمود

اقرأ أيضا:

وذات يوم أخطأ سكرتيره، وأرسل مقال «البلاغ» إلى «السياسة» وسلم مقال «السياسة» إلى «البلاغ»، وأخذ المقالان طريقهما إلى المطبعة، وبينما كان الأستاذ حافظ محمود يراجع صفحات «السياسة» اكتشف أن المازني ينتقد في مقاله «الأحرار الدستوريين» نقدا لاذعا، فاتصل محمود برئيس تحرير «البلاغ»عبد القادر حمزة ليكتشف أن مقال المازني المرسل إلي «البلاغ» ينتقد الوفديين نقدا لاذعا أيضا، فاتفق الاثنان على تبديل المقالين، قبل أن يحل غضب قادة الحزبين على المازني.

 

جريدة البلاغ

سجل حافل

وفي ديسمبر من عام 1941 جرت أول انتخابات لنقابة الصحفيين، شارك فيها المازني، وتمكن من الحصول على أعلى الأصوات عن المحررين، فتم اختياره وكيلا للنقابة وظل في هذا الموقع حتى عام 1946.

ويقول صديقه وزميله في مجلس النقابة حافظ محمود إن المازني كان المُسكن لمجلس النقابة فما من مرة تثور فيها أعصاب أعضاء المجلس حتى يتدخل بصوته الخفيض لنزع فتيل النزاع. مثل المازني نقابة الصحفيين المصريين في المؤتمر الدولي لحرية الأنباء في جنيف عام 1945، ليشارك مع الدكتور محمود عزمي الصحفي وعضو البعثة الدبلوماسية لمصر في الأمم المتحدة في فاعليات المؤتمر.

اجتماع مجلس نقابة الصحفيين مع النقراشي باشا

انتخب المازني عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة والمجمع العلمي العربي بدمشق، وقدم خلال رحلة حياته العملية العديد من الأعمال الهامة جمع فيها بين الصحافة والأدب منها: إبراهيم الكاتب، وإبراهيم الثاني، وأحاديث المازني، وحصاد الهشيم، وخيوط العنكبوت، ديوان المازنى، رحلة الحجاز، صندوق الدنيا، عود على بدء، قبض الريح، الكتاب الأبيض، قصة حياة، من النافذة، صندوق الدنيا، الجديد في الأدب العربي بالاشتراك مع طه حسين وآخرين، حديث الإذاعة بالاشتراك مع عباس محمود العقاد وآخرين، وحاز كتاب الديوان في الأدب والنقد الذي أصدره مع العقاد وعبد الرحمن شكري عام 1921 شهرة كبيرة.

كان المازني الذي رحل عن عالمنا في مثل هذه الأيام عام 1949، أديبا مبدعا وناقدا متميزا ومترجما بارعا، وكما كان صحاب مدرسة في الكتابة الأدبية كان أيضا صاحب مدرسة في فنون كتابة القصة الصحفية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: