منوعات

« تنويرة».. نافذة الأمل في قلب الصعيد

في عام 2014 تأسست “تنويرة”- أول مؤسسة ثقافية خاصة بقنا، قبلها كان قصر الثقافة هناك هو منفذ الهواء الأبرز الذي يتنفَّس من خلاله المبدعون الكبار والموهوبون في شتى مجالات الكتابة والفنون. الأستاذة أمل هاشم رئيس مجلس إدارة المؤسسة هي صاحبة الفكرة.. هي أصلا كاتبة قصة ومثقفة ممتازة ومهتمة بالشأن العام ومدرسة بمدارس قنا، تنقلت كشأن المشتغلين بالتدريس بين قرى المحافظة الصعيدية العريقة ومراكزها، ومن إحاطتها الخاصة بمشكلات الناس وطموحاتهم بمنطقتها؛ يبدو أنها أضمرت في نفسها للجميع شيئا طيبا أخَّرت الإفصاح عن شكله وفحواه.

أمل هاشم

قبل تأسيس المكان الزاهي في قنا، بفترة، نقلت المعلمة القديرة وظيفتها إلى القاهرة، وهناك احتكت بالوسط الثقافي ومارست الصحافة وزارت المراكز المهتمة بقضايا المرأة.. حصدت شيئا كثيرا من الخبرات طبعا مضافا لما لديها، كبرت بالعاصمة فكرتها لمحافظتها وتبلورت، عادت مصممة على بناء ما انتوت بناءه في بلدها المتعطش إلى نابهين مخلصين يغيِّرون بؤس أحواله.

عرفت المطلوب لمشروعها وجهزت الأوراق اللازمة له وأخذت قرضا بضمان وظيفتها بعد أن استأجرت مكانا مناسبا يشبه الفيلا الصغيرة، من محاسن الصدف أن امتداد شارعه يواجه مدخل قصر ثقافة قنا (شارع عبد الحي نور الدين).. اختارت مدينة قنا عاصمة المحافظة لأنها محلُّ ميلادها ونشأتها ولأن العواصم تجمع الناس من كل مكان.

محافظة قنا هي الأغنى ثقافيا محافظات إقليم جنوب الصعيد، فمن المأثورات الشعبية بشأنها: “تحت كل حجر في قنا شاعر”. ومشهور طبعا أنها المحافظة التي خرج منها أربعة مبدعين كبار إلى القاهرة في الزمن البعيد، صاروا نجوما ورموزا وطنية بعد ذلك، هم الراحلون عبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل وعبد الرحيم منصور في الشعر ومعهم الروائي والقاص الراحل يحيى الطاهر عبد الله (ابن الأقصر أيام كانت تابعة إداريا لقنا).

ليس في الأدب والثقافة وحدهما في الحقيقة نبغت قنا لكنها نبغت في كافة المجالات كالفنون والدين والإعلام والسياسة وتولي المسؤولية الرسمية بالدولة المصرية أيضا.. وبوسع الذين يحبون معرفة نجومها وأساطينها أن يرجعوا إلى الموسوعات المعتبرة الوافية والمواقع المهتمة بأعلام المحافظة.

لقنا كذلك مشهدُ وليها الصالح السيد عبد الرحيم القنائي الذي يعد “صاحب البلد وبركتها” بالتعبير الشعبي الأثير، يفد الناس إلى مولده من كل مكان بالمحروسة ويُحيُونه (يبدأ من أول شعبان ويستمر إلى منتصفه) وقنا محافظة بارزة على الخريطة الوطنية تعلو انحناءة النيل منفردة، وعلى المستوى الجغرافي قد يُفهَم من هذا حفاظها على وعائها الفلكلوري الزاخر بصورة أكثر سيطرة وإحكاما.

بدأت المؤسسة التي أسستها المرأة القنوية، بجهودها الفردية، عملها الثقافي الواسع منذ تدشينها؛ فكانت إضافة حقيقية إلى أنشطة قصر الثقافة ومنتديات الثقافة والأدب بقنا، لكنها تفوَّقت على كافة المراكز المماثلة  للأمانة؛ فقد اتسعت أنشطتها فشملت جميع الفئات العمرية بلا استثناء، وبجانب الأنشطة التقليدية استحدثت أنشطة لا تتوفر بالأماكن الأخرى كبرنامجها “طالعين رحلة” وبرنامجها للفتيات “اكتشفي مهاراتك”. الأول يصطحب النشء والأطفال إلى قرى المحافظة لتعريفهم بالحرف البيئية التراثية ويمنحهم الحرية الكاملة في أثناء الرحلات أن يبرزوا مواهبهم في الرسم والغناء والعزف على الآلات الموسيقية، والبرنامج الثاني يهتم بالفتيات بالذات محاولا اكتشاف كنوزهن المخبوءة وتحفيزهن على الإبداع وإشعال جذوة طاقاتهن ومنحهن الثقة.

“تنويرة” التي لم يكن اسمها عشوائيا بالبداهة وإنما مقصود غالبا لإظهار عدائها الشامل للظلام؛ مؤسسة تطوعية بالأساس وليست ربحية، بعض أنشطتها بتذاكرَ مطبوعةٍ تُبَاع، تؤجر قاعاتها لمن أراد صنع ندوة متخصِّصة أو معرض فني أو حفلة لتوقيع كتاب، تنال مقابلا بسيطا يساعدها على الاستمرار، ولا تطمع في المزيد، ظلت منذ افتتاحها إلى يومنا هذا تعتمد على دعم القادرين من المهتمين بالثقافة والفنون والآداب لها.

يتكوَّن مبنى المؤسسة من طابقين، بالطابق السفلي مسرح صغير وغرفة للتدريب الموسيقي وغرفة للرسم والفنون التشكيلية وقاعة للندوات والعروض السينمائية، وبالطابق العلوي غرفة للإدارة بها ملحق للإعاشة وغرفة للكمبيوتر وصالة صغيرة تحوي مكتبة متنوعة مثبَّتة على الجدران تحتها “أنتريه” أنيق.. بجانب بوفيه يقدم الأشربة والبسكويت للحاضرين على حسابهم الشخصي.

وضعت السيدة أمل هاشم نظاما صارما دقيقا للعمل في مؤسستها؛ فلا سماح  بأدنى الخطأ، لديها معاونون واستشاريون منتقون، ولا تستعين في التدريب الأدبي والفني إلا بالمتحقِّقين ذوي السمعة العملية الطيبة، تقيم وِرَشا للكتابة وورشا للخطِّ ووِرَشا للحكي ووِرَشا للتمثيل وغير ذلك، تستضيف نجوما لهم تجاربهم الباسقة في الفنون والآداب وشتى العلوم والمعارف من القاهرة ومن المحافظات، تستقطب محاضرين ممتازين، تتعاون مع الرسميين والمستقلين الجادين محليا ودوليا، تهتم بالأطفال والصغار والإناث اهتماما بالغا.

لم تفهم السيدة الثقافة على أنها قصيدة أو رواية، أي لم تحصرها في المفهوم الأدبي الضَّيِّق وهو الخطأ الذي يقع فيه كثيرون باستمرار، وإنما فتحت أبوابها لكل ذي فكرةٍ نيِّرةٍ متميزةٍ بمجالٍ حيويٍّ نافعٍ مهما يكن، مؤمنة بمفهوم الثقافة الرَّحب الذي هو معرفة شيء من كل شيء.

نفعت “تنويرة” قنا ومحافظات الجنوب المصري كلها بدعمها للعمل الثقافي الشامل في دائرتها، بل امتدت آثارها إلى شمال الوطن وربما إلى الأوطان الأخرى عبر التنويه الإعلامي الواسع عنها؛ فلا أقلَّ من أن نؤازها ونحيِّيها، بعد مرور سنوات أربع على تأسيسها، ونشدُّ على يد صاحبتها الوقور التي بها أثبتت، ضمن ما أثبتت، تفتُّح السيدات الصَّعيديَّات وصدق كفاحهن وقوَّة عزمهن وقدرتهن الجبَّارة على خلق الأمل الباذخ الكبير.

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: