منوعات

حمى الخوف من الإرهاب.. بين سعار الإعلام وأخطاء الحكومات

في عصر العولمة والفضائيات ذائعة الانتشار التي لا تتوقف على مدار الليل والنهار عن بث أخبارها، خاصة تلك المتعلقة بالأحداث الساخنة والهجمات الإرهابية، علاوة على وسائل الإعلام الحديثة على الإنترنت ومنصات التواصل الطابع الاجتماعي، باتت هذه النوعية من جرائم الإرهاب والعنف تلاحقنا داخل كل بيت عبر شاشات التلفاز أو أجهزة الموبايل التي لا تفارق أيدينا، وباتت تهددنا بوتيرة أكبر عبر الصور والفيديوهات والتقارير الإعلامية التي لا تتوقف عن البث طوال الوقت، بل أصبح الإرهابيون أنفسهم يحظون بشعبية متزايدة لدى قطاع واسع من جمهور المتابعين.

دراسات نفسية حديثة كشفت أن هذا النمط من التعاطي الإعلامي المحموم يمثل خطورة حقيقية على عقولنا وأجسادنا التي باتت مجبرة على التعايش مع كم هائل من الصور والفيديوهات البشعة، ما يجعلها أقل حساسية تجاه مثل هذه الأحداث الدامية، ويغذي شهوتنا للتعاطي بسلبية مع جرائم العنف، ما يفضي إلى تكوين طبقة من اللامبالاة في أدمغتنا ومشاعرنا ليستقر في اللاوعي لدينا أن مثل هذه الأحداث هي مشهد عادي في حياتنا اليومية.

الكاتب و الباحث النفسي من جامعة كولومبيا الأمريكية، أسا دان براون، حذر مؤخرا من هذه الظاهرة في مقال له لافتا إلى أننا نعيش في الوقت الذي تهيمن فيه الهجمات الإرهابية على عناوين الأخبار، وتصطف الطوابير الطويلة في عمليات التفتيش الأمني في المطارات بحثا عن أشياء عادية (المشروبات ، الأحذية ، حقائب الظهر) يروج أنها من الممكن استخدامها في تنفيذ هجمات إرهابية.

أسا دان براون

ويضيف: التهديد الإرهابي يخيم علينا كمجتمع أكثر من أي وقت مضى، فالإرهاب الذي يلوح في الأفق و يخيم على حياتنا بشكل دائم يجعل تصوراتنا ونظرتنا للعالم أكثر قتامة، وتعمد وسائل الإعلام ومنصات التواصل تطبيع أعمال الإرهاب يجعل الجيل الحالي غير مكترث، هذا المزيج من اللامبالاة و الذعر سيكون له تأثير مخيف على مجتمعاتنا وأثر أعمق على الأجيال القادمة.

ويؤكد براون أنه في حين أن الإرهابي قد لا يربح المعركة المادية على الأرض في أغلب الأوقات، إلا أنهم يغرسون داخل مجتمعنا  الخوف العام من المجهول: وماذا لو حدث؟ ومتى من الممكن أن يحدث؟ وللأسف فإن الإعلام واستخدامنا المفرط له دون ضوابط تحكمه يدعم هؤلاء الإرهابيين ويسدي لهم خدمات مجانية.

ويتابع: الإرهاب حرب جسدية ونفسية تترك انطباعا لا لبس فيه في قلوب وعقول الناس، فالخوف من الإرهاب يحمل جانبا عقلانيا و آخر غير عقلاني. المنطقي أن هناك تهديداً دائم بإمكانية حدوث هجوم إرهابي، لكن غير العقلاني أن يقع تفكيرنا في أسر ذلك الحدث المحتمل. فالحديث بوتيرة كبيرة  ومتصلة عن أعمال الإرهاب يزيد من مخاوفنا أن نكون ضحية مباشرة أو غير مباشرة لهجوم إرهابي محتمل، وفي حين أنه قد لا يتعرض الكثيرين منا فعليا لتجربة شخصية مع هجوم إرهابي إلا أن الآثار النفسية غير المباشرة لتلك المخاوف تظل تخيم طوال الوقت على عالمنا.

حلقة مفرغة

يرصد براون بالتفصيل الحلقة المفرغة التي تسير عليها الأمور عقب حدوث أي هجوم إرهابي: ينشر الإعلام قصصا متتالية في وسائط متعددة تشمل مقاطع فيديو وصور ورسوم توضيحية للضحايا والشهود ومقابلات مع الخبراء، ويتم توظيف أحدث التكنولوجيات لإيصال الرسالة بإلحاح إلى الجمهور.

ويشير إلى أنه بعد الهجوم الإرهابي المميت في نيس، فرنسا، دعت التايمز المستشارين النفسيين  المعنيين بالإشراف على أهالي الضحايا إلى مقابلة على Facebook Live، وفي غضون أيام تحول الاهتمام إلى حادث إطلاق نار جديد في منطقة باتون روج أسفر عن مقتل ثلاثة من ضباط إنفاذ القانون، ولم تكتف وسائل الإعلام بتوجيه انتباهنا إلى المشهد الرهيب للهجوم الإرهابي التالي، لكنهم عبر تكثيف التغطية على الهجوم الأحدث، يتوارى اهتمامنا بالهجوم السابق ليصبح مجرد خلفية خبرية للهجوم الأحدث.  لا يعني هذا التشكيك في سلامة أداء مجلة التايمز أو من استدعتهم من المستشارين النفسيين، بقدر ما يكشف إلى أي مدى أصبحنا راضين و غير مبالين بالمعلومات التي نتلقاها.

و يشرح براون كيف يمكن لبث مثل هذه الأخبار المتلاحقة من تأثير كبير على سلامتنا النفسية، وكذلك الأمر مع انتشارها الواسع على وسائل التواصل الاجتماعي. ويشير إلى ما أكده فريق من الباحثين في جامعة برادفورد في إنجلترا في مؤتمر علم النفس البريطاني في عام 2016 بأن التعرض للصور العنيفة على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يتسبب في ظهور أعراض تشبه اضطراب ما بعد الصدمة PTSD، الذي يُعرّف بأنه رد فعل عاطفي مستمر للصدمة النفسية، وهي أعراض تعرقل حياة المرء بشدة.

و يستشهد براون برأي مدير الطب النفسي الشرعي في كلية الطب وعلوم الطب الحيوي في بوفالو بنيويورك، الدكتور دانيال أنطونيوس الذي يؤكد أن الخوف هو  العامل الأساسي الذي تقوم عليه أعمال الإرهاب، محذرا: هذا الخوف من توقع هجمات إرهابية محتملة يمكن أن يكون له آثار خطيرة على سلوكنا وعقولنا، فالإرهابيون يقومون طوال الوقت بتكييف استراتيجيات جديدة لاستخدام وسائل الإعلام لخلق صورة لخطر وتهديد دائم، وبذلك يكسبون المعركة النفسية من خلال خلق صورة مقيتة بأن الإرهاب نشاط لا نهاية له، ورغم أننا كمجتمع قد ندعي أننا نقوم بما يجب القيام به عندما نطرح الحقائق أو أنصاف الحقائق في الإعلام، لكننا لا ننتبه إلى خطورة ذلك على عقولنا التي تنخرط بشكل غير واع في حالة تأهب قصوى للخطر.

و يواصل شرح ما يحدث نتيجة للسعار الإعلامي: في نهاية عام 1999 ساد الخوف العالم تحسبا من أن الحواسيب قد لا تعرف ما يجب القيام به مع قدوم عام 2000، وعزز القلق تصاعد الضجة الإعلامية وعدم اليقين التكنولوجي من عطل قد يلحق أجهزة الكمبيوتر عندما يتحول التاريخ من 99 إلى 00، حيث أن اتفاقية التقدم الرقمية مبرمجة لتخزين البيانات باستخدام آخر رقمين فقط من أي سنة معينة، وبالتالي لن تتعرف على منطق هذا التغيير. وفي حين أن مخاوف المجهول كانت مبنية على قلق سليم، فقد أفضى سعار الإعلام والمجتمع التكنولوجي إلى تعزيز المخاوف فقط، ما تسبب في حالة من الذعر غير المبرر والمضخم بشدة.

تعزيز الخوف

وعلى الرغم من أن الإرهاب قد لا يكسب الحرب الجسدية في أغلب الأوقات، فإن الإرهابيين خطوا خطوات واسعة نحو كسب المعركة النفسية، حسب ما تظهره أرقام استطلاع أخير لمركز بيو الأمريكي للأبحاث، كشف أن 40٪ من الأمريكيين باتوا يعتقدون الآن أن البلاد أكثر عرضة للإرهاب من عام 2001، وهو المعدل الأعلى على الإطلاق. بالتأكيد، ستكون هناك أعمال إرهابية، لكن الأخطر أن يستمر الإرهابيون في كسب المعركة الإدراكية ما لم ننتبه سريعا للعمل على نقض الرسائل التي يتم بثها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والتحكم في طريقة تعاطينا معها.

وينبه براون إلى دور تقوم  به الحكومات دون قصد أحيانا وبقصد أحيانا أخرى في تعزيز الخوف، عندما تبث دون قصد رسائل تنال من حساسية مجتمعنا تجاه الإرهاب، كأن تدعونا مثلا للمبادرة بالإبلاغ عن أي مظاهر غريبة قد تثير الريبة، ما يدفع الكثير من الجمهور للبحث عن أشياء لا تبدو صحيحة، وبمرور الوقت يمكن أن تتحول تجربة الخوف المزمنة إلى أزمة نفسية خطيرة قد تتطور في نهاية المطاف إلى اضطراب عقلي. ويقول: لا يمكننا لوم الحكومات طوال الوقت، أو إنكار أهمية توجيه رسائل للفت الانتباه، لكن الخطأ أن يتم ذلك بالطريقة نفسها التي قد يقع فيها بعض الأباء عندما يسخرون باستمرار من الكحول والمواد المخدرة أمام أبنائهم، ولا ينتبهون إلى أنهم بذلك يحفزون بدون قصد فضول الطفل للتجربة للحصول على المتعة، بدلا من الاعتناء ببناء جدار حماية للأبناء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق