رؤى

المقاومة بالصمت.. حكمة الشعوب في مواجهة التهميش

عرف تاريخ الإنسانية نظم حكم عاشت سنوات وربما عقودا من الزمن تمسك بزمام الأمر دون أن تكون لها شرعية طوعية، من تلك المتعارف عليها في علم السياسة، والتي تقوم على ما يقضي به الدستور وترتبه الانتخابات النزيهة الحرة، أو ما يتحقق من إنجاز لافت، أو وجود شخصية سياسية مهابة ومحبوبة وملهمة (كارزما) يلتف حولها الشعب، ويطمئن إلى وجودها في الحكم.

فهناك أنظمة لا تحقق إنجازا، ولا تكون منتخبة أو تأتي بانتخابات شكلية مزورة ومزيفة فيها إرادة الشعب، وليس من بين أفراد السلطة العليا من يتمتع بسمات فارقة، ومع هذا تظل تتصرف كما يحلو لها، غير ناظرة إلى إرادة الناس ورأيهم، أو تتوهم أن موقف الشعب “معطى” حازته إلى الأبد، ولا حاجة لها إلى مراجعته أو استطلاعه في أي لحظة.

إزاء هذا الوضع تتعدد الوسائل الطبيعية والطوعية المتعارف عليها في نزع شرعية السلطة، ومنها خسارتها للانتخابات، أو شعورها بالإخفاق وتقديم استقالتها بمحض إرادتها في لحظة اتساق مع النفس قلما تأتي، وكذلك الوسائل القسرية ومنها قيام الشعب بثورة عليها، أو وقوع انقلاب عسكري، أو احتلال البلاد من قبل جيش أجنبي، علاوة على الطرق القديمة التي عرفها العالم في أزمنة مضت ومنها فرض الحماية أو الوصاية أو الانتداب.

لكن أي من هذه الوسائل قد لا تأتي، ومع هذا تستمر سلطة في مكانها، دون أن تتمتع بشرعية حقيقية، ويكون الشعب قد نزع عنها هذه الشرعية في صمت، يكون مرده الخوف من الخروج عليها، واستسلامه ورضوخه لبطشها، في ظل انسداد القنوات الطبيعية للتغيير، أو سيطرة شعور مرضي بعدم جدواه في نفوس الأغلبية الكاسحة من المحكومين.

فقد يكون الحاكم ضالع في انتهاك الدستور، وعدم الاعتداد بأداء الوظائف المنتظرة منه، وقد يفقد أهلية القيام بواجباته لأسباب عديدة، ويكون الشعب على دراية بكل هذا، لكنه لا يتحرك سواء بوسائل سلمية أو عنيفة من أجل الإطاحة به، ويلوذ بصمت عميق مستسلما لما آل إليه، تاركا السخط يغلي في النفوس، دون تعبير قوي ومؤثر عنه، لا يجرحه تمرد قلة أو أفراد على هذا الوضع بالقول أو الفعل. فمثل هؤلاء الذين لا يرضون بالصمت التام سرعان ما يتم كتم أصواتهم بوسائل عدة منها التشويه والمحاكمات الصورية والحبس والسجن والمطاردة والنفي، وقد تكتفي السلطة بتطويقهم وحصارهم بحيث تنقطع كل وسائل الاتصال بينهم وبين دوائر أوسع من الجماهير.

في ظل هذا الوضع تسود سلطة الأمر الواقع، وتغيب شرعية النظام الحاكم، لكنها لا تجد من يرفع عنها الغطاء، أو يمد يده ليهز كيانها المتحلل فيسقط. ومع استمرار الصمت، أو تحلي الأغلبية الكاسحة به، يختفي النقاش أو الجدل الحقيقي حول شرعية النظام القائم، الذي يتصرف على أن الشرعية في قبضته، خاصة حين لا يلوح في الأفق أي بديل له.

وقد يدور النقاش حول تفسير الصمت، فالسلطة تفسره لصالحها، ومعارضوها، إن وجدوا فرصة للتعبير عن موقفهم يفسرونه لصالحهم. ومع هذه التفسيرات المتصارعة تولد مساحة عريضة لصناعة الصور المجازية المفعمة بالإدعاءات والتشبيهات والمبالغات، فينطق الصمت بمن يعبر عنه في حيز التأويل، ويبلغ أشده حين يصور المعارضون السلطة على أنها أشبه بحالة سيدنا سليمان، عليه السلام، الذي فارق الحياة وهو متكئ على عصاه التي ينخر فيها السوس، لكن الناظرين إليه يعتقدون أنه لا يزال حيا، وبالتالي تبقى مهابته في النفوس قائمة. وفي المقابل تفسر السلطة صمت الناس عليها على أنه شعور بالامتنان نحوها، والرضا عنها.

وهذا نوع من الصمت المجازي، لأنه لا ينسحب على المواقف المعزولة للأفراد، الذي قد يكون كل منهم يتحدث بغضب عن السلطة، وينظر بحنق إليها، وهو وحده، يتكلم مع نفسه، أو يطلق خياله لأحلام اليقظة، أو يثرثر مع أفراد أسرته داخل بيته، إنما ينسحب على الحالة العامة، حين يتم تقييم موقف الشعب من الحكم على أنه الصمت أو الصبر أو الاستسلام.

ولا تجرح هذا الصمت، أو تهزه، الإشارات والإيماءات والرموز والصور الصامتة التي يمكن أن يعبر بها البعض عن عدم رضاهم، فلدى السلطة، كي تبرهن على أن شرعيتها لا تزال قائمة، ما تحشده من إشارات ورموز وصور مضادة، يكون لها اليد الطولي في تسويقها مع تحكمها في وسائط التعبير والتدبير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: