منوعات

«الحب الاستهلاكي» .. اغتيال الرومانسية تحت مقصلة اقتصاد السوق

في كتابها الأخير والمهم Love’s Work، تتحدث الفيلسوفة البريطانية، جيليان روز، عن عالم الحداثة باعتباره الوقت الذي نكون فيه “عاطفيين بلا حدود تجاه أنفسنا، ومتحجرين بطريقة ممنهجة تجاه الآخرين”.

وتتمثل إحدى الوسائل التي يبرر بها الإنسان هذا الانكفاء العاطفي على الذات في الاستخدام الخاطئ لكلمة “الحب”، التي اتسع نطاق استخدامها إلى درجة أفقدتها معناها حتى غدت أقرب إلى القبلات التي يبعثها الأفراد إلى بعضهم البعض عبر الإيميل رغم عدم ارتباطهم بعلاقة من قريب أو من بعيد.

جميع الأدبيات التي تتناول النيوليبرالية واقتصاد السوق تصور المواطن المثالي على أنه شخص مستقل وسيادي ومستغن بذاته عن الآخرين ويرعى نفسه ولا ينتظر من الآخرين أن يقدموا له الرعاية. وباعتبار الحالة البشرية، فإن هذا الشخص ليس له وجود حقيقي، فجميعنا يحتاج إلى الرعاية بدءا من الميلاد، ومرورا بمرحلة الشباب وسنوات العمل والأبوة أو الأمومة، ووصولا إلى الكهولة. لكن تقديم هذه الرعاية يمثل جدلا سياسيا شائكا؛ فالذين يميلون إلى إزالة المسئولية عن كاهل الدولة يضعون كثيرا من أعباء الرعاية – إن لم يكن جميعها – على كاهل الأفراد.

في الوقت ذاته، فقدت العلاقة الرومانسية كثيرا من مكوناتها الأولى، مثل المغازلة والاسترضاء والتحاور، التي كانت تمثل العناصر اللازمة لاستمرار الحب وتقدم العلاقة العاطفية في أغلب الروايات الإنجليزية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتحولت هذه العلاقة إلى شكل من أشكال إشباع الذات، وخيار تحركه بالأساس أذواق الأفرد الخاصة ورغباتهم الشخصية، بما يجعلها لا تختلف في كثير عن اختيار الأيس كريم أو الحذاء. ومن ثَم، فإن ما يعتقده الأفراد الآن حبا أضحى شكلا من أشكال الاستهلاك، وتحول إلى سلعة تبلى وتُستبدل.

وإذا كان هذا الموقف من الحب غير قابل للتعميم – إذ لا يزال كثيرون ينظرون إليه باعتباره بداية لحياة تشاركية جديدة تستأهل بعض التضحيات – فإن هذه المقالة لا تمثل بحال نقاشا حول معنى الحب اليوم في مقابل ما كان يعنيه في الماضي؛ لأننا لا نستطيع أن نعرف عدد الأفراد الذين تبادلوا حبا بحب في الماضي، لكن ما نعرفه يقينا هو أن سياسات النيوليبرالية تجعل من المستحيل أن نقوم ببعض الأشياء التي ينطوي عليها المعنى العميق للحب.

على سبيل المثال، ربما يرغب الكثيرون في الاعتناء بشريك أو طفل أو صديق غير قادر على الاعتماد على نفسه، لكن القيام بذلك سيكون بدرجة كبيرة غير مدعوم من قبل الدولة فيما يتعلق بالامتيازات الخاصة بالطعام أو الانتقالات أو التدفئة أو غيرها مما يحصل عليه مقدمو الرعاية.

وفي عالم النيوليبرالية القاسي، حيث تصعب تلبية الاحتياجات العاطفية، يتجه الكثيرون إلى ’الكريمة‘ الاصطناعية التي تزين ’كعكة‘ النيوليبرالية، وهي كريمة ثقافة المشاهير. ففي سياق يجسد العمل مدفوع الأجر، والسعي من أجل الحصول على المال، وتحقيق الاستقلالية، تتراجع قيمة الإيثار، حتى لو عُرضت لنا أدلة تنفي ذلك.

وبينما يبرز العقم العاطفي في العالم النيوليبرالي كإحدى أقسى سماته، يتمثل التعويض الذي يقدمه لنا هذا العالم في أنه يفتح الباب أمام نظام يومي للمشاركة في مشاهدة ومتابعة الحيوات العاطفية لآخرين، سواء كانوا من المشاهير أو من غيرهم، عبر أجهزة الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة، وهو ما يقدم شكلا من أشكال الراحة والطمأنة على أنه لا يزال هناك أفراد يقعون في الحب ويُكونون عائلات ويعيشون حيوات عاطفية بوجه عام.

ونادرا ما يظهر لنا أن بعض هذه الحيوات تم تشييدها بدم بارد من أجل تسويق أفلام، أو تحقيق تقدم على المستوى المهني، أو المحافظة على الشكل العام؛ فما يتاح لنا هو استعراض جياش لعلاقات عاطفية، غالبا ما ترتبط بعد ذلك بخيالات استهلاكية عن التحول. فالأزواج الذين يتمتعون بحضور قوي في وسائل الإعلام ينفصلون، ثم يستعيدون علاقاتهم، ثم يظهرون معا جنبا إلى جنب ليعبروا عن حبهم الذي أعادوا اكتشافه مجددا، أو يسير كل منهما في طريقه لإثبات أن الإنسان يمكنه أن يكسب الحب، مثلما يمكنه أن يخسره.

وفي خضم هذا العراك الصاخب بشأن مَن يحب مَن، يبدو تعبير من أواخر القرن التاسع عشر عن المثلية الجنسية، “الحب الذي لا يجرؤ أن يفصح عن اسمه”، مناسبا، وإن كان في سياق مغاير تماما. إذ أنه من الصعب تجنب التضمينات التي تنطوي عليها كلمة الحب في الوقت الراهن.

ربما يؤدي عدم استخدام كلمة ’الحب‘، وعدم استدعائها، وعدم الرغبة في قولها إلى زيادة احتمالات تحقق روابط المودة وعلاقات المسئولية، سواء على مستوى الشكل أو المضمون. ففي عالم ينهي رسائله النصية ورسائل طلب البضائع بكلمة “with love”، ربما يكون غياب الكلمة إشارة أفضل إلى وجودها.

إن اللغة الإنجليزية غنية بالمفردات التي تعبر عن عاطفة إيجابية تجاه الآخرين، مثل ’الاحترام‘، و’الإعجاب‘، و’التقدير‘ و’المودة‘، و’الميل‘، وإن مجرد التفكير في كل هذه البدائل يسمح لنا بالتأمل في العديد من المعاني الجميلة، ويجنبنا استخدام كلمة تتعرض لإساءة الاستخدام، وللتجريد من مضامينها الحقيقية.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: