رؤى

ثقافة المواطنة الغائبة في مدارسنا

الإعداد للمواطنة أحد أهم أسباب وجود المدرسة في العصر الحديث، بعد أن هيمن على العصور الوسطى نظام الطوائف، حيث يتكون المجتمع من طوائف متنوعة على أساس الدين والمذهب والثقافة والمهنة والحى السكنى.  

تعزز الاتجاه نحو المواطنة بالدعوة للاستقلال عن الخلافة العثمانية عبر دعوة أحمد لطفي السيد (١٨٧٢ -١٩٦٣)، وتواصل بعدها في زمن ثورة 1919 ثم ثورة 1952، ويضيق المقام هنا عن تفصيل معنى الموطنة وآلياتها عبر عهود التعليم الوطني، لكنها عامة تعني السعي لجعل الانتماءات الدينية والطائفية والثقافية والعرقية كلها انتماءات ثانوية، والانتماء للوطن هو الانتماء الأول.

وبموت عبد الناصر ومجئ السادات، سرعان ما بدأ الأخير في البحث عن مشروعية مغايرة وجدها في السعى للتصالح مع قوى الرجعية واليمين الديني عربيا وداخليا، فأفرج عن زعماء الإخوان المسلمين المحبوسين، والكثير من زعماء ومؤسسي الجماعات الإسلامية المتطرفة، كما شجع على عودة الكثير من زعمائهم من منفاهم الخليجي، وسمح لهم بحرية العمل وسط الناس وفتح باب الإعلام على مصراعيه لرموزهم، دون أن يُعنى مطلقا بتأسيس مشروع ثقافي بديل.

جاءت الثمار المرة لذلك التوجه سريعاً فى أحداث الزاوية الحمراء والخانكة سنة ١٩٧٢، رغم ذلك استمر السادات فى دعمه لجماعات التطرف الديني التي وجهت سهامها المسمومة أول ما وجهت نحو الهوية الوطنية وكل ما يجمع بين المسلمين والمسيحيين.

تلك الجماعات، والإخوان على وجه الخصوص، لها شغف خاص بتجنيد المعلمين، فمؤسسهم حسن البنا كان معلما،  ومعلمهم الثانى سيد قطب كان معلما أيضا، وهم يدركون ما يتمتع به المعلم من إمكانية وسلطة فى مجال الدعوة. من هنا بدأ ظهور المدارس الخاصة ذات التوجه الإسلامى الصريح، وراح المتطرفون يملأون المدارس، لتترسخ ثقافة التمييز بين المواطنين منذ عهد السادات حتى وقتنا الحاضر في المنظومة التعليمية.

 ونسعى هنا لاستعراض أبرز عناصر هذه المنظومة التعليمية:

  • ازدواجية التعليم: حرصت ثورة يوليو على تقريب الفجوة بين نظام التعليم المدني والحكومي ونظام التعليم الديني الأزهري التقليدي، فصدر قانون تطوير الأزهر 103 لسنة 1961 الذي ينص على تدريس المقررات الحكومية إلى جانب المقررات الدينية في التعليم الأزهري، وسمح بانتقال الطلاب بين التعليم الحكومي والأزهري، بالإضافة إلى انشاء كليات حديثة كالطب والهندسة والتجارة والصيدلة والتربية وغيرها فى جامعة الأزهر بعد أن كان مقصورا على كليات الشريعة وأصول الدين واللغة العربية.

ومع ذلك فقد راح الأزهر يستقل عن التعليم الحكومي رويدا رويدا، وترفض معاهده قبول التلاميذ من المدارس الحكومية، كما رفضت الجامعة الازهرية بعدها قبول الطلاب خريجي الثانوية العامة. وهكذا أصبح لدينا نظاما تعليميا يضم نحو مليوني تلميذ يتعلمون في  ثمانية آلاف  معهد أزهري، يدرسون فقه العصور الوسطى مما لا تربطه بفكرة الوطنية صله، ليرسخ نظاما تعليميا مستقلا بمناهجه وإدارته، يدخله التلميذ منذ الصف الأول الابتدائي وحتى نهاية التعليم الجامعي دون أن يصادف في فصله الدراسي قبطيا أو فتاة.

  • قانون معيب: فى سنة 1981 صدر قانون رقم 139لتنظيم التعليم، ونص في مادته السادسة على أن التربية الدينية مادة أساسية في جميع مراحل التعليم يشترط للنجاح فيها الحصول علي 50% على الأقل من الدرجة المخصصة لها دون أن تحسب درجاتها ضمن المجموع الكلي. كما نص القانون على أن “تنظم وزارة التربية والتعليم مسابقات دورية لحفظة القرآن الكريم وتمنح الفائزين منهم مكافآت وحوافز وفقاً للنظام الذي يضعه المجلس الأعلى للتعليم”.

 

  • أحوال المعلمين: راحت الدولة تسمح بتخريج أعداد هائلة من المعلمين، أغلبهم من أوساط اجتماعية فقيرة، ورحل مئات الآلاف منهم إلى بلدان النفط مع بداية السبعينيات، ولما كان حظهم من الثقافة محدودا، لم يقدر لهم أن يلعبوا دورا تنويريا في البلاد التي رحلوا إليها، بل حدث أن تلك البلاد أعادت تربيتهم ليتماهوا مع الثقافة السائدة هناك، وهي في كل الأحوال ثقافة دينية متزمتة. كما أن فترة العمل في الخارج، ارتبطت برغد العيش والرفاهية وتكوين الأرصدة المالية في البنوك وشراء السيارة والشقة وغير ذلك، ورجع أولئك المعلمون من الخليج إلي مصر لاحقا ليحتلوا مواقع القيادة في وزارة التربية والتعليم، في الإشراف على المدارس والمديريات التعليمية وغيرها. وتحطمت كل محاولات إصلاح وتطوير التعليم على صخرة هذه الفئة من المعلمين وتلاميذهم، الذين يستميتون في فرض الحجاب علي الطالبات، والتمييز بين المسيحيين والمسلمين في مقاعد الدراسة، والسماح للمنقبات بالتدريس خلافا للقانون، والاستهانة بالرموز الوطنية كتحية العلم، وإشاعة مناخ ديني متزمت عبر العملية التعليمية كلها.

  • غياب ثقافة المواطنة: سعى التيار الاسلامي الذى هيمن على وزارة التربية والتعليم إلى صبغ المدرسة بصبغة دينية تتناقض مع ما ينبغي أن يسودها من إطار مدني يؤكد المواطنة والهوية الوطنية، وراحت المدارس تملأ مكتباتها بكتب التراث الديني المتطرف كمؤلفات المودودي وابن تيمية وسيد قطب وغيرهم، بل راحت تنتشر في المكتبات أشرطة دعاة متطرفين تحض على كراهية المسيحيين وعدم مشاركتهم أو السلام عليهم أو تهنئتهم بأعيادهم. وراحت الأنشطة كلها تصطبغ بالصبغة الدينية الإسلامية، في الأناشيد والأغنيات واللافتات الإرشادية على جدران المدارس، وانحصر النشاط المسرحي والفني كله حول الأحداث والشخصيات والتاريخ الإسلامي، في انحياز صارخ للتيار الديني المتطرف على حساب ثقافة المواطنة التي اختفت من مدارسنا، وليس ما نراه من تطرف ديني واستقطاب حاد بين عناصر المجتمع إلا نتاج غياب تلك الثقافة.
الوسوم

كمال مغيث

خبير تربوى وباحث مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق