رؤى

عبادة النص.. تغييب العقل وتكريس التخلف

الواقعة جرت قبل ثمانية أشهر، المكان بالجزائر، والتفاصيل تكاد تكون تكررت في أكثر من بلد عربي أو بلد مسلم قبل هذا التاريخ وبعده، فالحادثة تعبر عن عقلية سادت وتحاول أن تفرض نفسها علينا، عقلية حجرية لا تحترم العقل، متخلفة راضية بتخلفها وتحسبه ديناً وتراه عقيدة.

المشهد، الذي تناقلته وكالات الأنباء ومواقع التواصل الاجتماعي، يعبر في الصميم عن حالة العقل العربي في واقعنا المعاصر، وتجسد في إقدام رجل جزائري أربعيني على حمل مطرقة وإزميل من الحديد وراح يعمل على تحطيم تمثال منصوب وسط مدينة سطيف جنوب شرق البلاد، ليتمكن في نهاية المطاف من تشويه وجه وصدر التمثال الذي نحته المثال الفرنسي فرنسيس سان فيدال ونحت في باريس سنة 1898 ونقل إلى سطيف خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر.

الجريمة في نظر حامل المطرقة والازميل أن التمثال الذي يتوسط ثلاثة معالم دينية، وهي المسجد العتيق، المعبد اليهودي، والكنيسة، يمثل امرأة عارية تقف على صخرة عالية طولها مترين، ضمن نافورة يتدفق منها ماء بارد في الصيف، ودافئ في فصل الشتاء، وتعتبر عين الفوارة أشهر معالم مدينة سطيف، التي تسمى أيضا مدينة عين الفوارة.

رمزية المشهد المؤسف لا تتوقف عند حامل المطرقة والازميل بل تشمل هذا الجمع من المواطنين الذين اكتفوا بالتفرج عليه والتقاط صور وفيديوهات له، دون أن يتدخل أحد من الجمهور من أجل محاولة منعه، قبل أن يتدخل رجال الشرطة لمنعه من مواصلة جريمته في واحدة من أجمل وأغلى التحف التي تحوزها الجزائر.

وتمتد رمزية المشهد أكثر فأكثر في أنه استلهام جاهل لمشهد تاريخي غابر يظهر فيه إبراهيم عليه السلام حاملاً فأسه محطماً لأصنام قومه وأوثانهم التي يعبدنها من دون الله، وتلك هي المسألة.

المؤسف في هذا الاستلهام المريض والجاهل الذي ظن أنه يحطم الأوثان كما فعلها من قبل أبو الأنبياء أنه لم يستوعب الدرس الأصلي في مشهد إبراهيم عليه السلام مع قومه، إذ ابتدأت الآيات التي تحكي لنا قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه بقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ)، وهي بداية تؤكد على اعمال العقل ثم الهداية إلى الرشد، الذي انطلق منه ليسأل أباه وقومه السؤال المنطقي العاقل:(مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ)، وسؤاله عن التماثيل لم يكن يقصدها في ذاتها بل يقصدها لتبيان فساد عقولهم، إذ يعبدونها من دون الله، وهم لها صانعون، أي أنهم يعبون ما ينعون من تماثيل على هيئة مخلوقات، (قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ).

ولما رأى ابراهيم عله السلام اصرارهم على ذلك الضلال قال: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ)، حتى إذا رجعوا إليها:( قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ).

وحين بدأت محاكمته العلنية في حضور جماعي: (قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ)، وكاد الفتى أن ينجح في تشغيل عقولهم:  (فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ)، لكن وبسبب الران الذي كسى تلك العقول: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ)، كأنهم يقيمون الحجة على أنفسهم: قَالَ (أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ)، ثم كانت نهاية القصة أنه تبرأ مما يعبدون، والأهم أنه تبرأْ من تلك العقول المركونة فقال لهم: (أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ).

هذه ليست المرة الأولى لمثل هذا الاستدعاء الجهول للتاريخ، وهي ليست المرة الأولى التي يستهدف فيها مثل هذا التمثال في الجزائر، ولا هي المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا المشهد العبثي في كثير من بلدان المسلمين، ويذكر أن إسلاميين متطرفين حاولوا، في بداية التسعينيات، تحطيم التماثيل العارية بحجة أنها تخدش الحياء، فيما طالب آخرون بتغطيتها حتى تكون أكثر حشمة، وقد وجدت مثل هذه الدعوات صدى حتى لدى بعض الجهات الرسمية الجزائرية، وكان “المفتي” الجزائري قد دعا إلى تغطية تمثال المرأة العارية.

والمؤسف أن الناس انقسموا حول المشهد بكل رمزيته المفجعة بين مستنكر لهذا الفعل واعتباره تخلفاً ومحاولة لتدمير فن وتاريخ المنطقة، واتهام الفاعل بـالمتخلف والرجعية، ونعته بعضهم بـ”الداعشي”، وهناك على الطرف الآخر من أيَّد الفاعل بدعوى أن ذلك التمثال دخيل على الثقافة والتاريخ الجزائريين، وأنه يُعتبر أحد رموز الاستعمار الفرنسي، وأن تمثال النافورة منافٍ لتعاليم الدين الإسلامي بحكم أنه يجسِّد جسم امرأة عارية، وراحت تعليقات كثيرة على شبكات التواصل الاجتماعي تستنكر أي وصف لعملية التمثال بأنه تخريب وجهل وتجهيل وقال بعضهم في تعليقه: “امرأة في شكل صنم عارية مؤخرتها مقابلة بيت الله تضرب كل قيم ديننا وعقيدتنا تسميه انت تخريب؟،  نسأل الله السلامة والعافية من أمثالكم واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله”.!

الحادثة في عين الفوارة ليست منفصلة عن أوضاع عامة ليس في الجزائر فقط بل في ربوع أمة المسلمين وهي تستدعي إلى الواجهة تلك الهمجية التي انطلقت مع ميلاد الداعشية حتى قبل مولد داعش نفسها، وتؤذن بأن الحركات المتطرفة التي ترتدي لباس الدين ليست إلى انقراض بل هي قادرة على التوالد مع بقاء أحوالنا على ما هي عليه، والأهم بقاء عقليتنا العامة بهذا التسطيح وبكل هذا السوء في التفاعل مع الواقع، تلك العقلية الهمجية والساذجة تترك المعارك الحقيقية إلى أخرى وهمية وكثير منها مفتعل تلاعباً بعقول السذج من الناس.

لم تكن التماثيل في حد ذاتها هي المشكلة، فالقرآن الكريم اعتبر عمل التماثيل نعمة من نعم الله على النبي سليمان، فقد جاء في سورة سبأ وفي سياق تعداد نعم الله سبحانه وتعالى عليه قول الله سبحانه: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ، يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)، جاء ذكر عمل التماثيل في سياق تعداد النعم التي أنعم الله بها على النبي سليمان عليه السلام، ولم تكن تلك التماثيل يومها معبودة من دون الله، بعكس ما جرى في عصر إبراهيم الخليل عليه السلام حيث كانت التماثيل أصنامًا تُعبد من دون الله، فإن الموقف القرآني تجسّد في تحطيم سيدنا إبراهيم لهذه التماثيل؛ ونفس الموقف تكرر عندما كانت الوثنية العربية الجاهلية تتخذ الأصنام والتماثيل معبودات، يتقربون بها إلى الله زلفًا، ويجعلونها وسائط بين الإنسان وخالقه؛ لذلك كان تشريع القرآن الكريم لنبينا صلى الله عليه وسلم هو إزالة وتدمير وتحطيم كل هذه الأصنام المعبودة.

كانت عبادة التماثيل من دون الله هي المسألة الأهم، ولقد سار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا النهج القويم؛ ففي الوقت الذي أزالوا فيه التماثيل المعبودة وحطموها في جزيرة العرب، تركوا التماثيل في البلاد التي فتحوها عندما لم تكن معبودة من دون الله.

فتح عمرو بن العاص مصر، وكان في جيشه الفاتح كوكبة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تركوا التماثيل في مصر؛ لأنها لم تكن معبودة، ولم يكن المسيحيون في مصر يعبدونها، ولم تكن خطرًا على عقيدة الجيش المسلم الفاتح لمصر، ونفس الشيء حدث عندما فتح المسلمون بلاد المشرق وذهبوا إلى أفغانستان، رأوا فيها هذه التماثيل البوذية التي كانت موجودة قبل ذلك التاريخ، وتركوها وبقيت حتى عصرنا الراهن.

لم تكن التماثيل في حد ذاتها هي المشكلة، كانت عبادتها من دون الله هي المسألة الأهم عند الفتى إبراهيم الذي نظر إلى السماء يبحث عن إله يستحق العبادة، وراح يتطلع بعقل مفتوح عن ذلك الإله حتى هداه الله إلى رشده،  والحق أننا أمة ضاع منها رشدها أو هي سُلبته بفعل فاعل، نحن أمة لا تحسن وضع أولياتها، وتتعامل مع أزماتها بالقطعة، وتنتفض في مواجهة الصغائر، وتترك كبائر الأمور، ولا تتحرك إلا في مواجهة العّرض، وتتغافل عن الأمراض التي تنهش في قدرتها على النهوض من جديد، وهي مع الأسف الشديد مبتلاه بتغييب العقل على أيدي من يتصورون أنفسهم رعاة لما يسمونها بالصحوة الإسلامية هؤلاء الذين تلهيهم المعارك الصغيرة، ويعرضون عن معارك الأمة الحقيقية، لا يثورون في وجه السلطان الجائر بل يثورون في وجه التمثال العاري.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: